جيهان خليفة 

“فى نص مقتطع من مقال  باللغة العربية فى كتاب دراسات إسلامية يقول محمد أركون ” الفكر الإسلامى مهما بلغ من إبداع فى ميادين شتى ينحصر كله فى الأبستمية الخاصة بالقرون الوسطى مع إتجاهها الإلهى وخضوعها لفكرة الوحى ومايترتب عليها من استنباط أحكام شرعية إلهية وتقسيم للزمن إلى ما قبل الوحى وما بعده وللبشر إلى مؤمنيين وكفار وأهل كتاب والنظر للكون بإعتباره مخلوقا من قبل إله واحد محيط بكل شىء قديربينما الأبستمية ونظام الفكر الحديث تتصف بالإنفصال والإنقطاع عن جميع هذه الإعتقادات وتتقيد بالمعرفة التجريبية والعيان “. [1] نفهم من ذلك أن شرط انفتاح الفكر العربى والإسلامى على العقلانية الحديثة لا يمكن أن يتم بشكل فعلى ودائم وناجح إلا بتفكيك مفهوم الدوجمائية والأرثوذكسية الخاصين بتراثه هو بالذات ما دام المؤمن سجين نظام الإيمان واللايمان . فى ضوء ذلك يتبين لنا أن مشروع أركون مشروع ابستمى هدفه الكشف عن الشروط والإمكانيات التاريخية والمنطقية واللغوية التى تحكم المعرفة أى الأسباب  التى حكمت تكون المعارف والنظريات والخلفيات التاريخية لهذه المعارف وكيف تمكنت أفكار من الظهور، أركون يرجع الفكر إلى مجال الأنساق والنظم الفكرية وليس إلى الأحداث الخارجة عنه كالأحداث السياسية والعسكرية وغيرها أى البحث فى المبادىء المشتركة بين مختلف العلوم الإسلامية لصياغة نظام فكرى عام أو الأفق المعرفى الذى يؤطرها ، لذلك تعتبر المناهج الألسنية والسيميائية من أفضل المناهج لدراسة النص الدينى لدقتها لذلك طبقها أركون فى مشروعه إذ يقول فى كتابه من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينى ” إننى لا أزال مصرا على موقفى ولا أزال أقول بأن التحليل السيميائى ينبغى أن يحظى بالأولوية خاصة عندما يتعلق الأمر بالنصوص الدينية التأسيسة ذات الهيبة الكبرى فالتحليل السيميائى يقدم لنا فرصة ذهبية لكى نمارس تدريجيا منهجا ممتاز يهدف إلى فهم كل المستويات اللغوية التى يتشكل المعنى من خلالها “. [2]

بإستخدام أركون منهج قريماس للتحليل السيميائى للقرآن الكريم إنتهى إلى ثلاث مصطلحات وهى المرسل المرسل إليه الرسالة من وجهة نظر أركون الله هو المرسل والمرسل إليه محمد صلى الله عليه وسلم والمرسل إليه الثانى البشر. من هنا نبدأ معا لنقرأ كيف طبق أركون منهجه السيميائى على سورة التوبة فى البداية يعلل أركون أسباب إختياره لها قائلا :” إن لهجتها والموضوعات التى تطرقت إليها والجدل المباشر مع عرب الصحراء وأحكامها القاطعة ودعواتها للجهاد تجعل منها مادة ملائمة لكى ندخل من جديد فى الخطاب القرآنى لمعرفة كل ما تحذفه القراءات التقليدية أو تشوهه ” أقصد التاريخية الكلام لأركون موضحا “لا ينبغى خلط التاريخية هنا بكل ما كان التفسير التقليدى يدرسه ولا يزال تحت إسم أسباب النزول صحيح أن علم أسباب النزول ينقل الأسباب المباشرة التى أدت إلى نزول الوحى أو رافقته أقصد وحى كل آية ولكنه يتحدث عن وقائع مبعثرة ومتقطعة وآنية ظرفية لم تستكشف العلاقة بينها وبين المكانة الإلهية للآيات ” .[ 3] 

يشير أركون إلى أن سبب النزول ليس إلا حجة أو ذريعة من أجل إطلاق حكم أو أمر أو تثبيت معيار معين أو تحريم شىء محدد هذه الحجة سوف يستعيدها فيما بعد الفقهاء المؤسسون للمدارس من أجل سن القانون الدينى أو الشريعة . 

أركون انطلق من الآية الخامسة من سورة التوبة قال تعالى ” فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ” . صدق الله العظيم 

يقول أركون هذ ه الآية تمثل حرج للمسلمين المؤمنيين بحقوق الإنسان والحرية الدينية وحرية الرأى الشخصى فى التفكير الحر لذلك وكما يقول أركون فإنهم يحاولون الإلتفاف عليها والتقليص من أهميتها وجعلها نسبية عن طريق الإستشهاد بآيات آخرى أكثر سلمية على العكس من ذلك وكما يقول أركون نجد أن المناضلين الإسلاميين الذين يعملون من أجل الإستفادة الكلية والنهائية لنظام إسلامى متطابق مع الإسلام الأولى يستندون على سورة التوبة كلها من أجل فرض الجهاد داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها ، يشيرأركون أن هؤلاء وأولئك يسقطون على القرآن الهموم والأفكار والهيجانات السياسية الخاصة بالتاريخ الحالى والمجتمعات الحالية مشيرا أن جميعهم ينكرون تاريخية النص القرآنى وتاريخية عصرنا الراهن ويشوهون بواسطة الحركة نفسها من القراءة أى التفسير والممارسة التاريخية كل الشروط الواقعية والموضوعية لدمج الحقيقة فى أزمنة متنوعة ومتغايرة بمعنى معرفة حقيقة كل عصر واختلافها بإختلاف البيئات والأزمان .[4 ] ص93  

يستطرد أركون قائلا :” لقد اخترت هذه الآية لأنها تشكل بالنسبة لسورة التوبة الذروة القصوى للعنف الموجه لخدمة المطلق “الله” مشيرا إلى أن السورة كلها تدل على أن هناك عنف عندما تكون الحقيقة المطلقة مهددة بالخطر أو حتى عندما تكون مرفوضة . [5]

يوضح أركون أن مهمته تكمن فى البرهنة على الكيفية التى تنتج بها سورة التوبة معنى محركا وتعبويا بالنسبة لسامعيها سواء زمن النبى أو حتى فى الأجيال التالية ويتساءل أركون عن الشروط التى ينبغى توافرها لكى يستمر هذا المعنى فى احداث آثره فى تحريك الناس ؟ وعن ماهية الحقيقة التى تتطلب كل هذا العنف ؟ سواء لدى معاصرى الرسول أو الأجيال التالية حتى يومنا هذا مشيراإلى أن الإجابة عن هذه الأسئلة لابد أن تكون من الناحية السيميائية الدلالية ثم التاريخية ثم الأنثربولوجية مؤكدا أن الإجابةعن هذه الأسئلة سوف تساعد التيولوجى الاهوتى على تعديل نظرته للأموروالأعتراف بضرورة وجود علم تفسير جديد للكتابات المقدسة . 

القراءة السيميائية للآية الخامسة من التوبة 

من وجهة نظر أركون هذه الآية لاتقرأخارج بنية العلاقات الكائنة بين الضمائر الشخصية أو خارج إطار التوصيل والتفاهم المشترك الشائع فى كل الخطاب القرآنى مشيرا إلى أن ” الفاعل – الذات ” المطلق أى الله يبرز من خلال عدة أدوار داخل النص القرآنى إنه يرجع أولا إلى نوع من الآنا الخارجية على النص ولكن التى تشكل مصدرا لكل أنواع التعبير والتنصيص “يقصد الآيات ” كما أنه يرجع إلى نوع من الآنا ” النحن ” المنخرطة على كل مستويات وظائفية الخطاب كما يرى أركون لذلك فالفصل بين هذين النوعين من الأشخاص والضمائر هو فى آن معا نهائى أى لا رجعة عنه أركون يرى أن سر المطلق لايسبر أى مستحيل التوصل إليه لذلك فكل مايقوم به الآنا والنحن من ألعاب سوف يؤدى فى النهاية إلى ظهورالخيال الدينى  . [6] 

أركون الرهبة التقديسة للنصوص تمنع المؤمن من رؤيتها كما هى فى الواقع العملى 

أركون هنا يحاول استنطاق النص ليخرج لناماحرمنا من معرفته عقود طويلة فى ذلك يقول هاشم صالح محاولاإيضاح فكرة أركون أكثر للقارىء إذ يقول فى هامش كتاب الفكر الإسلامى قراءة معاصرة :” إن هدف أركون من استخدام المنهجية السميائية والألسنية هو تحرير القارىء المسلم من هيمنة النصوص المقدسة ولو للحظة من الزمن لكى يستطيع أن يفهم العلاقات الداخلية للنص بكل حيادية وموضوعية ولكى يهيئه فيمابعدلإكتشاف العلاقة بين النص والتاريخ أى تاريخية النص ، فالرهبة التقديسية لهذه النصوص تمنع المؤمن أوحتى الإنسان العادى من رؤيتها كما هى عليه فى الواقع العملى أى كنصوص لغوية تستخدم مفرادات بشرية محددة ذلك لأن العلاقة الإيمانية التى نشأنا عليها منذ الصغر تمنعنا من إقامة علاقة طبيعية مع هذه النصوص التأسيسية أى علاقة فهم تحليل معقولية مشيرا إلى أن التحليل السيميائى يحررنا من أثر هذه العلاقة .

طبقا للمخطط السيميائى سورة التوبة وحدة سردية صغيرة 

لذلك فطبقا للمخطط السيميائى الأركونى تقرأ سورة التوبة بوصفها وحدة سردية صغيرة مندمجة فى الوحدة المركزية الكبرى المتمثلة بحكاية الميثاق الأول الذى ربط بين آدم والله فقد كان المرسل إليه الجماعى ” البشر ” فى مكة والمدينة يشمل معارضين رفضوا الميثاق الأعظم لذلك لزم الصراع معهم من أجل تحويل رفضهم إلى قبول وإذعان مشيرا الى أننا هنا نجد أنفسنا أمام المسار السردى الشائع نفسه فى كل الخطاب القرآنى يوضح أركون فكرته مشيرا إلى أنه يقصد وجود حالة أولية ينبغى تغيرها” أى حالة مكة قبل الدعوة ” ووجود البطل والمرسل إليه الأول مع أنصاره ثم الصراع فالإعتراف والقبول وتغير الحالة الأولى . 

يشير أركون فى معرض قراءته السيميائية إلى أنه فى الآية الخامسة ” الفاعل –الذات الثانى أى محمد غير باد من الناحية القواعدية ولكنه يظهر فى الآية التالية ” وإن أحد من المؤمنين استجارك ” أما الفاعل الذات الأول أى الله فإنه يستطيع أن يخاطب البشر المرسل إليه الجماعى أى البشر إنه يتوجه أليهم عن طريق الأوامر ” اقتلوا ،أسروا ، حاصروا، اضربوا “. هكذا من وجهة نظر أركون تتأكد الوحدة السردية التمثيلية المشكلة من الفاعل الذات الأول “الله ” الفاعل الذات الثانى ” محمد ” الفاعل الذات الثالث “البشر” أى حزب الحق –الخير –العدل ” تاريخ النجاه ” مقابل حزب الخطأ – الظلم – حزب المعارضين –الذين يشار إليهم احتقارا عن طريق ضمير الشخص الثالث “هم –لهم ” مشيرا الى أن المعارضين وصفهم كان يختزل إلى كلمة “وأحد المشركين” لقد رموا كليا فى ساحة الشر والسلب والموت ، دون أن يقدم النص تفسير أو تعليل لهذا الرفض والطرد . 

يرى أركون أن الإسلوب العام للسورة ومفرادتها يقوم على الدلالة الحرفية والفهم المباشر ولا يوجد غير القليل من المجاز عكس بقية الخطاب القرآنى حيث يرى آركون أنه يعتمد على المجاز بشكل عام .[7]

الأرثوذكسيات المتعصبة تشكلت منذ اللحظة القرآنية الأولى 

يرى أركون أنه منذ اللحظة الأولى القرآنية بدأت تتجمع وتتشكل عناصر الأرثوذكسية الصارمة التى نقلت وكأنها يقينات ” إلهية ” وسوف تضع هذه اليقينات بعد ذلك كل ثقلها على القراءات والتفاسيروأصبحت تلعب دورالدعائم للعديد من الأرثوذكسيات العديدة ” الحركات الإسلاموية ” التى راحت تضيق وتجف أكثر فأكثر وتستمر حتى يومنا هذا حسب تعبير أركون .

ينتقل أركون للآيات التالية حيث يرى أن كل مفراداتها تتمحور حول المصطلح المركزى للتوبة مثل ” المؤمنون ،منافقون ،كافرون ، مشركون ،زكاة ، صلاة …”. 

يستطرد أركون فى تفكيكه لآيات سورة التوبة قائلا ” نلحظ الآن القيمة المزدوجة للتوبة فهى تعنى أساسا إستسلام المعارضين دون قيد أو شرط أو تعنى ” سلام الشجعان ” الذى يتيح لمعارض الأمس أن يصبح محاربا متحمسا من أجل الإنتصار المطلق للذات المثالية من علائم الإستسلام والطاعة هى الصلاة والزكاة لقد عرض الخطاب القرآنى هذين العملين على أنهما دنيين بشكل كام على الرغم من أنهما يقومان بوظيفة حاسمة فى الدمج الإجتماعى والسياسى ” مثل الصلاة خلف النبى أو دفع ضريبة تغير اسمها من مغرم إلى صدقة أوزكاة فذلك يعنى احداث قطيعة مع العصبيات التقليدية ، كما يعنى ترك الآباء والزوجات والأطفال من أجل الإلتحاق بجماعة جديدة وذلك يفسر لنا رفض البدو الأعراب للإنخراط فى الجهاد الذى صور على أنه من أجل الله ولكنه كان يمارس آليته فى الواقع طبقا للممارسات التقليدية للصراع بين الفئات الإجتماعية المختلفة ومن أجل الأهداف نفسها ” .  [8 ]

أركون يقصد بالممارسات التقليدية للصراع نصب الكمائن ، القتل ، الأسر ،السلب ، الغنية ،والأهداف انتزاع السلطة ، ترسيخ الدولة الوليدة . 

يرى أركون فى كتابه من التفسيرالموروث إلى تحليل الخطاب الدينى ” إن تحليل الخطاب الدينى أوتفكيكه يتم لا لتقديم معانيه الصحيحة وإبطال التفاسير الموروثة بل لإبرازالصفات أللسانية واللغوية وآليات العرض والإستدلال والإقناع والتبليغ ” . [9]

وختاما نستطيع أن نقول إن أركون استطاع وبجدارة إستنطاق النص فأخرج منه كل ماحرمنا من معرفته عقود طويلة لذلك فهو مؤمن حد اليقين أن العلوم الإجتماعية والإنسانية ليست إلا جوابا ملائما لكل حاجيات المعرفة التى أنتجتها المجتمعات الغربية فهى ممارسة ذهنية وفكرية لابد أن نعود الجمهور العربى والإسلامى على تطبيقها كى نقظه ونعود به إلى منطقة السؤال واختراق حيز اللامفكر فيه . 

مصادر 

  1. كتاب الدكتور محمد أركون ، من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينى ص35
  2.  نفس المصدر السا بق

3 كتاب الدكتور محمد أركون ، الفكر الإسلامى قراءة علمية ص93

4- نفس المصدر السابق ص93

5- نفس المصدر السابق ص93

6- نفس المصدر السابق ص94

7- كتاب الدكنور محمد أركون ، الفكر الإسلامى قراءة علمية  ص 97ص98

8- نفس المصدر السابق ص 98

9- كتاب الدكتور محمد اركون من التفكير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينى ص5

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube