محمد بوبكري

لقد قام مؤخرا الرئيس الفلسطيني “محمود عباس أبو مازن” بزيارة إلى الجزائر، ما أثار الكثير من القراءات والتأويلات. ونطمح في هذه الورقة القصيرة إلى تسليط الضوء على هذا الحدث. وهذا ما يفرض علينا، في البداية، طرح السؤال الآتي: هل طلب جنرالات الجزائر من الرئيس الفلسطيني زيارة الجزائر، أم تمت هذه الزيارة بطلب منه؟ يعلم الجميع أن الرئيس الفلسطيني إنسان عاقل ودبلوماسي من الطراز الرفيع، ومحاور كبير، وخبير كبير في العلاقات الدولية، كما انه يعرف جيدا ما يجري في العالم، ويدرك، بعمق ما يجري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لذلك، يبدو منطقيا أن هذه الزيارة لم تتم بطلب من الرئيس الفلسطيني، لأنه يعرف جيدا أن الأوضاع في شمال أفريقيا ليست على ما يرام، حيث تسود هناك توترات، ولا يريد الفلسطينيون أن يتم إقحامهم فيها، لأن ذلك سيحولهم إلى طرف فيما تعرفه هذه المنطقة من توترات، ما سينعكس سلبا على القضية الفلسطينية. لذلك يرى بعض الخبراء أن هذه الزيارة قد تمت بطلب من حكام الجزائر، لأنهم يهدفون من راء ذلك إلى المزايدة على المغرب، الذي استقبل وزيري الخارجية والدفاع الإسرائيليين. وهذا ما يدل على جنرالات الجزائر غارقون في ممارسة الشعبوية بنفحة نازية من أجل النيل من سمعة المغرب. لكن سحرهم قد انقلب عليهم، حيث انكشف نفاقهم، في نهاية المطاف، وصاروا أضحوكة أمام أنظار العالم، ما سيزيدهم عزلة.
ونظرا لكون هدف حكام الجزائر هو المزايدة على المغرب عبر المتاجرة بالقضية الفلسطينية بوازع التفاخر بأنهم يساندون القضية الفلسطينية، وأن المغرب تخلى عنها. لكنهم لا يدركون أن الشعب الفلسطيني يعرف مؤامراتهم، كما أنه يعي أنهم يسعون من وراء ذلك إلى المتاجرة بقضيته فقط، لا إلى دعمها. وعلى عكس ذلك، فإن المغرب لن يتخلى عن القضية الفلسطينية، بل إنه سيظل ملتزما بها، حيث يتمتع بمصداقية جعلته محط ثقة السلطة الفلسطينية و”حماس”… وفي مقابل ذلك، فإن جنرالات الجزائر لا يهمهم إلا التوسع على حساب جيرانهم، ما جعلهم يتخلون عن الدعم المادي للقضية الفلسطينية، كما أنهم لم ينجوا أي مشروع يذكر يخدم الشعب الفلسطيني. أما المغرب فإنه حريص على الاستمرار في دعم القضية الفلسطينية ماديا ومعنويا، كما أنه يرفض التدخل في الشأن الفلسطيني، ولا يسعى إلى أن يتحول إلى ناطق باسم الفلسطينيين، لآنه لن يلجآ أبدًا إل التفاوض باسمهم من أجل تحقيق أهدافه الخاصة. أضف إلى ذلك أن المغرب يريد السلام، الذي يسعى إليه الفلسطينيون أنفسهم. هكذا، فإن كل ما يفعله حكام الجزائر هو الترويج علنا للخطاب الإيراني، الرافض للسلام، والحال أن “أبا مازن” لا يتوقف عن تكرار قول: “إننا نريد السلام مع إسرائيل”. وهذا ما يؤكد أن كلا من حكام إيران وحكام الجزائر، يسعون إلى الظهور بمظهر الأبطال، دون القدرة على فعل أي شيء لصالح الفلسطينيين، والحال أنهم يسعون إلى الركوب على القضية الفلسطينية لخدمة مصالحهما الاستراتيجية، لأنهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم ناطقين باسم الفلسطينيين، ليتمكنوا من التفاوض باسمهم من أجل التقرب من إسرائيل وحلفائها الدوليين.
ومن غباء حكام الجزائر أنهم لا يدركون أن الشعب الفلسطيني يريد السلام مع إسرائيل، ويرفض كل الدعوات التي تريد إقحامه في الحرب معها، ما يؤكد أن الذين يزايدون على السلطة الفلسطينية هم يسعون فقط إلى المتاجرة بقضيتها من آجل مصالحهم الخاصة، ما جعل الشعب الفلسطيني يرفض قبول خطابات كل الجهات التي تسعى إلى استعمال قضيته من اجل تحقيق مصالحها، الآمر الذي يشكل تدخلا غير شرعي في الشأن الفلسطيني ، ما يشكل اعتداءًا على هذا الشعب، حيث إنه ينم عن رغبة في السطو على كينونته، لأنه يدل على رغبة في محوه والسعي إلى مضاعفة احتلاله من قبل هذه الجهات، التي تتطاول عليه لتزايد عليه عبر إملاء قرارتها عليه التي لا تستطيع إنجازها بنفسها. لذلك، فإن الفلسطينيين قد ملوا
التدخل في شؤونهم، وباتوا يرفضون ذلك، لأنه لا يقدم إليهم أي خدمة، بل إنه يديم حل مشكلتهم إلى ما لانهاية، كما أنه لا يشكل سندا لهم، بل إنه يعد عائقا في وجه تحررهم. ويعني التدخل في الشأن الفلسطيني، باسم القومجية، أو الطائفية فرض الوصاية على الشعب الفلسطيني، واعتباره غير راشد، الأمر الذي يعرقل مسيرته التحررية، الآمر الذي يؤكد أن هؤلاء الذين يسعون إلى فرض الوصاية عليه، يقدمون خدمة لخصومه…
يرى متتبعون جزائريون وخبراء دوليون أن جنرالات الجزائر قد كانوا
باستئناف المغرب لعلاقاته مع إسرائيل، وكذا مهاجمة دول المنطقة التي تجمعها علاقات مع إسرائيل، لكن شيئا من هذا لم يحدث، لان الفلسطينيين حريصون على عدم التدخل في الصراعات بين مختلف بلدان الشرق الأوسط، لأنهم يدركون أن ذلك غير مفيد لقضيتهم، ولا لهذه البلدان الشقيقة المتنازعة. وهذه هي الحكمة عينها..
لذلك، فإذا كان حكام الجزائر ينتظرون موقفا مساندا لهم من الرئيس الفلسطيني، فإنهم أغبياء، لأنهم لا يعون أن الرئيس الفلسطيني أذكى منهم بكثير، ويعرفهم أكثر مما يعرفون أنفسهم، كما أنه يمتلك معرفة عميقة بالعلاقات الدولية، ويلم بموازين القوى العالمية. أضف إلى ذلك أنه أكثر خبرة دبلوماسية منهم، لأن ما عاشه من معاناة منحه خبرة كبيرة، جعلته على علم بما يجري جهويا ودوليا، كما أنه سبق له أن مارس الحوار مع شخصيات عالمية كبيرة يشهد لها الجميع بخبراتها وخيالها وإمكاناتها الفكرية، ما يعني أنه قادر على اتخاذ القرارات الملائمة التي قد تخدم بلده، لأن مرجعيته ومعاناته وتجاربه جعلته قادرا على تفادي السقوط في الفخ الذي ينصبه الآخر له، بدليل أن كل من حاوروه من المسؤولين الدوليين يشهدون له بذلك. أضف إلى ذلك أن الرئيس الفلسطيني سياسي ماهر، لا يمكن لجنرالات الجزائر أن يسقطوه في أي كمين ينصبونه له.
ولما تأكد جنرالات الجزائر من أنهم لن يستطيعوا انتزاع أي موقف مساند لهم من “أبي مازن”، كشفوا عن مخططهم السري الذي سيفضحهم، حيث إنهم سيسقطون في تناقضات مع أنفسهم، ويتبين لكل من الرأي العام الجهوي والرأي العام الدولي أنهم مجرد منافقين، لا مبادئ، ولا قيم لهم. وتجسيدا لمناوراتهم، التي تكشف انتهازيتهم، فقد طلبوا من “أبي مازن” أن ينقل رسالة منهم إلى المسؤولين الإسرائيليين، مفادها أن حكام الجزائر يطلبون تطبيع علاقاتهم مع إسرائيل بشكل تدريجي، كما انهم طلبوا منه أن يكون وسيطا بينهم وبين المسؤولين الإسرائيليين. هكذا، انكشف عري حكام الجزائر، حيث تأكد للعالم أنهم يحلمون بتطبيع علاقاتهم مع إسرائيل، ما يعني أنهم يقولون ما لا يفعلون…وتعبيرا عن موقف الفلسطينيين من سلوك حكام الجزائر هذا، فقد قامت “شبكة الأنباء الفلسطينية” بنشر هذه المعلومات التي تفضح جنرالات الجزائر وتكشف آنهم عديمو الأخلاق، ما أدى إلى نفور شعوب المنطقة منهم، فصار مؤكدا أن عزلتهم جنرالات ستتعمق مستقبلا.

فضلا عن ذلك، لقد وجه حكام الجزائر دعوة إلى كل الفصائل الفلسطينية لعقد اجتماع لها في الجزائر، فطلبوا من “أبي مازن” أن ينقل هذه الدعوة، إليها، التي كانوا يهدفون من ورائها إلى الدفع بمختلف الفصائل الفلسطينية إلى اتخاذ موقف رافض لإقامة علاقات مع إسرائيل، حيث إنهم يرغبون في استعمال هذا الموقف في قمة ” الجامعة العربية “، الذي يتوهم “لعمامرة” وجنرالاته بأنه سينعقد في شهر مارس المقبل. وفي هذا السياق، يرى خبراء دوليون أن نفاق جنرالات الجزائر سيحول دون انعقاد اجتماع مختلف الفصائل الفلسطينية في الجزائر، كما أن قمة “الجامعة العربية” لن تنعقد في الجزائر، لأن أغلب دول المنطقة لا توافق على ذلك، حيث بدأت بعض الأصوات ترتفع للمطالبة بنقلها إلى مصر، عوض الجزائر. ويعود ذلك إلى أن أغلب الدول الأعضاء في “الجامعة العربية” ترفض التعامل مع حكام الجزائر، الذين لم تعد لهم أية مصداقية في أعينهم….
خلاصة القول، لقد فشل حكام الجزائر في توظيف القضية السلمية لصالحهم في نزاعهم المفتعل مع المغرب.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube