موسى تياهوساي

 بينما تحتدم الخلافات والحجاح السياسي والوجاج الأيديولوجي حول قوانين الانتخابات والمترشحين واستيفاء المسوغات القانونية بشأن دخولهم في السباق الانتخابي المليئ بالمفاجئات … يجري بصمت مريب استبعاد شريحة واسعة من الليبيين حاملي الرقم الإداري عن حقهم الأصيل في المشاركة في الانتخابات بعيدا عن القوانين وبشكل يعكس مدى ضمور القيم السياسية والوطنية للدولة العميقة مقابل سطوة البيروقراطية الإدارية الضارية في تاريخ ليبيا حتى اصبحت أبرز العادات التي يتميز بها الجهاز الإداري للدولة.. فرغم أن خارطة الطريق في الاتفاق السياسي الليبي تلزم في المادة 8 و2 منه المجلس الرئاسي وحكومته بضرورة تسوية المشاكل الإدارية لهذه الشريحة قبل الانتخابات لكن للأسف لا الحكومة ومجلسها الرئاسي التزما بهذه النصوص ولا مجلس النواب الذي صاغ القوانين الانتخابية بمفرده في بلدة عجيلة صالح… . ومن المفارقات الغريبة أن هؤلاء سمح لهم بالمشاركة في انتخابات المؤتمر الوطني العام 2012 وفق ما نص عليه الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الانتقالي وهو النص الدستوري الليبي الملزم تطبيق نصوصه لكل السلطات الليبية

 ولعل السؤال الجاهز للطرح دائما كل ما أثيرت هذه القضية الإنسانية التي بقيت على مدى عقود تلف العار الأحمر على كل الحكومات المتعاقبة في ليبيا.. من هم هؤلاء؟ وما هي أصل مشكلتهم..؟ 

منذ استقلال ليبيا أواسط القرن الماضي وبدء عودة الليبيين من المهجر لبلادهم بدأت السلطات الملكية بمنح العائدين جنسيات بعد إثبات انتمائهم للأصل الليبي واستمر الحال على ذلك حتى الانقلاب على الملكية وتحول ليبيا إلى نظام جديد قائم على هوى شخص واحد فقط تغير كل شيء حتى الجنسية

 وجاءت عوامل جديدة تتحكم في منحها أبرزها الاستغلال السياسي حيث بقي الكثير من العائدين ينتظرون استكمال ملفاتهم لعقود وكل مرة يتم وعدهم بحل المشكلة خصوصا عندما يراد الزج بهم في الحروب كما حصل في حرب فلسطين المحتلة  1973 ولبنان عام 1982 وحرب تشاد وحروب لا تنتهي في إفريقيا … وقد شاركوا في كل تلك الحروب العبيثة في أغلبها (املأ) في أن تستكمل الحكومات إجراءاتهم والحصول على أدنى الحقوق كمواطنين لا يزايد على وطنيتهم أحد بل حتى بطون الجبال تحتفظ بلغتهم وعراقة تاريخهم وأصل انتمائهم لهذا البلاد

لكن ذلك للأسف لم يشفع لهم وما تزال كل صنوف الظلم تلاحهم منذ أكثر من نصف قرن من الزمان وحتى اللحظة.. محرومون من أداة فريضة الحج والعلاج أو الدراسة بالخارج بل وصل الأمر إلى المنع من إبرام عقود الزواج والانكحة

إن الهُوية الوطنية في كل أمة هي الخصائص والسمات التي تتميز بها، وتترجم روح الانتماء لدى أبنائها، ولها أهميتها في رفع شأن الأمم وتقدمها وازدهارها، وبدونها تفقد الأمم كل معاني وجودها واستقرارها، بل يستوي وجودها من عدمه، وهناك عناصر للهوية الوطنية وهي قيم عليا كترسيخ مبدأ العدالة الاجتماعية و المساواة في الحقوق والوجبات ونبذ أي شكل من أشكال التصنيف والطبقية بين أطياف المجتمع الواحد وطالما لم تنظر السلطات المركزية في ليبيا إلى هذا الأمر وتعالجه بشكل جذري واستمرت في تعميق هذه المعاناة الإنسانية فإنه لا معنى للانتخابات ولا الانتقال الديمقراطي ويصبح الحديث عن الدولة المدنية والتعددية السياسية هراء محض وشعار مخجل مفروغ من أي قيمة أخلاقية

 قد تتحجج السلطات الحالية بعدم وجود وقت كاف لاستكمال إجراءات هذه الشريحة قبل الانتخابات

لكن عمليا ما يزال الوقت كاف إذا كانت هناك رغبة حقيقية والحد الأدنى من احترام إرادة هؤلاء وحقهم في انتخاب سلطة جديدة تمثله أسوة بباقي الليبيين.. وعلى السلطات الحالية أن تسجل موقفا مشرفا ولو لمرة واحدة لصالحها إرادة الليبيين وإلا فإنهم يسيرون بمحض إرادتهم إلى قاع مزبلة التاريخ ..

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube