أحمد رباص – حرة بريس

منذ زمن الحركات الوطنية واستقلال العديد من المستعمرات السابقة في الستينيات، أكدت فرنسا على الحفاظ على وجودها في “مستعمراتها” السابقة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، واعتبارها شريكا رئيسيا.
ومع ذلك، في أواخر القرن العشرين، بدأت “الصداقة” المسلم بها في العلاقات الثنائية بين القوة الاستعمارية السابقة ومعاقلها تتلاشى لدرجة أن المراقبين ربما شككوا في حقيقة ما كان الفرنسيون يسمونه “السياسة العربية” (القائمة على روابط الصداقة بين فرنسا والدول العربية).
في حقبة ما بعد الحرب الباردة، أصبحت الولايات المتحدة حجر الزاوية للأمن في المنطقة، حيث كان على جميع الدول الخارجية أو الإقليمية مناقشة دورها. في الوقت الحاضر، مع الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، يتعين على الحلفاء السابقين والمعارضين إعادة تحديد دورهم الاستراتيجي دون استثناء بالنسبة للفرنسيين تحت ضغط ضبط النفس الشائع – وهو مصطلح جديد صيغ في الولايات المتحدة في أعقاب الانسحاب من أفغانستان.
جاء دور فرنسا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في أعقاب التغيرات التي طرأت على سياستها الخارجية. حيث نجد أن الحكومات المتعاقبة فضلت الدبلوماسية الاقتصادية والأمن على العلاقات الثقافية الخاصة مع العالم الناطق بالفرنسية.
كانت الدبلوماسية الاقتصادية موجودة من قبل ولكن تم تعزيزها عندما أصبح لوران فابيوس وزيراً للخارجية (2012-2016). وهكذا صار الاستحواذ على أسواق جديدة في الخارج وتعزيز الإنتاج المحلي علنا أولوية قصوى للشبكة الدبلوماسية الثالثة في العالم.
وبناء على ذلك، تم تغيير المسعى الدبلوماسي مع الأخذ في الاعتبار مناطق التجارة الخارجية الفرنسية. في عام 2020، ذهبت 54 ٪ من الصادرات الفرنسية إلى الاتحاد الأوروبي. ولا داعي للتعجب من كون العلاقات مع الاتحاد الأوروبي لها الأسبقية على بقية العالم.
من هذا المنظور، ظلت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مينا) على الهامش بأقل من 3 ٪ للصادرات و1.2٪ من الواردات – دون احتساب إيرادات تجارة الأسلحة.
على وجه التحديد، يُنظر إلى الشرق الأوسط على أنه سوق متخصصة في الأسلحة أكثر من كونه شريكا تجاريا متميزا.
انطلاقا من كون منطقة(مينا) وجهة أولى للمصدرين الأمريكيين، يتنافس الأخيرون مع موردين آخرين، كالروس والبريطانيين والفرنسيين. في عام 2020، أصبحت فرنسا ثالث تاجر أسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة وروسيا تحت قيادة جان إيف لودريان، وزير الدفاع (2012-2017)، الذي تم تعيينه على رأس فريق الدبلوماسية الفرنسية في عام 2017. منذ عام 2013، كانت فرنسا المزود الرئيسي للحكومة المصرية بالأسلحة. وكانت السعودية أول مستورد في العام الماضي، بينما احتل المغرب المركز الثالث.
ولكن سرعان ما أصبح الأمن ركنا ثانيا في السياسة الخارجية الفرنسية، متموقعا بين الإرهاب والهجرة. فبعد أن تعرضت لموجة من الهجمات الإرهابية خلال 2015، اهتمت الحكومات الفرنسبة منذ ذلك الحين بالدوافع بعيدة الغور للإسلام الراديكالي.
وقادت سياسة شاملة البلاد للانضمام إلى التحالف في سوريا ضد داعش وكذلك في دول الساحل الإفريقي مع عملية برخان الممتدة من موريتانيا إلى حدود ليبيا. ساهمت استراتيجية مكافحة الإرهاب في حماية المنطقة من الهجمات الإرهابية الجديدة. وكالعادة عندما ينخفض ​​التهديد، يتم التشكيك في الأساس المنطقي للعمليات الخارجية.
علاوة على ذلك، كلفت عملية برخان العسكرية مليار يورو سنويا، وهي تكلفة يصعب تبريرها عندما تتطلب بعض الخدمات العامة الأساسية مثل التعليم والصحة مزيدًا من الاستثمارات العامة.
من جهة أخرى، تخضع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للتدقيق بسبب تصاعد الهجرة منذ الحرب في سوريا. على عكس ألمانيا، كانت فرنسا مترددة في قبول اللاجئين من سوريا طيلة 2015.
بذريعة وجود خطر إرهابي محتمل، تم وضع قيود على طلبات التأشيرات. تم أخذ كل الأشياء بعين الاعتبار، الهجرة (القانونية أو غير القانونية) تحت السيطرة، وتركز عليها الحكومة الحالية وتستخدمها بالفعل لجذب الناخبين من الهيئة الناخبة ذات الميول الشعبوية، خاصة إذا علمنا أن إيمانويل ماكرون سوف يترشح للانتخابات الرئاسية في العام المقبل.
مع السيطرة على حدود الاتحاد الأوروبي واحتواء المهاجرين من الشرق الأوسط في تركيا وشمال إفريقيا، لا ترى الحكومة الفرنسية أنه من الضروري التورط في النزاعات أو حل التوترات. يتم اعتماد التقييد على قدم المساواة مع الخوف من الاعتداء الجسدي والثقافي أو الاشتباك.
لفهم دواعي لزوم فرنسا ضبط النفس، لا بد من أن ندرك أن السياق الدولي ساهم في إعادة توجيه السياسة الخارجية الفرنسية. الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وقريبا من العراق، رغم التخطيط له بالفعل من قبل إدارة أوباما، يشكل سابقة.
من الواضح أن البقاء في صراع لا ينتهي له عيوبه، وهو ما يفسر المغادرة المتسرعة من منطقة الساحل والإحجام عن التورط في المستنقع السياسي الموحل كما هو الحال في ليبيا.
وفي أواخر سبتمبر الأخير، عندما زار رئيس الوزراء اللبناني الجديد إيمانويل ماكرون، نصحه الاخير بتنفيذ الإصلاحات والسعي للحصول على دعم من صندوق النقد الدولي، لكنه لم يعرض مساعدة مالية.
يبدو بوضوح ساطع أن الفرنسيين اوفياء لنسخة من السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ودون ادعاء ذلك، يروج صناع القرار الفرنسيون لسياسة “فرنسا اولا” التي تتنازل عن بعض امتيازات القوى متوسطة المدى، لا سيما القدرة على التدخل كوسيط سلام. هكذا غابت فرنسا بشكل واضح عن القضية الفلسطينية في حين أنها كان لها تقليدياً صدى قوي في السياسة الفرنسية. ويبدو أن الحكومة الفرنسية تجدها أقل إثارة للجدل وتتطلب جهودا دبلوماسية أقل لدعم إسرائيل بغض النظر عن سلوكها في القدس أو في غزة.
ومع ذلك، إذا قلل صناع القرار الفرنسيين بشكل كبير من الطموحات السياسية خارج نطاق الاتحاد الأوروبي، فإنهم يجدون صعوبة في الاعتراف بأن السياسة المحلية يجب أن تكون أفقهم الرئيسي.
بالإضافة إلى ذلك، أوضح الخلاف على الغواصات مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا حدود الجاذبية الفرنسية على مستوى العالم.
إن استخدام اللغة الفرنسية في بلاد الشام وشمال إفريقيا، وخطاب القيم العالمية، وتعزيز حقوق الإنسان يعكس مفهوما معينا للعولمة، مع التأكيد على القدرة على تحدي الأمريكيين. كما أوضح النقاش الذي دار في عام 2003 بشأن غزو العراق أن فرنسا لم تُخضع سياستها الخارجية في الشرق الأوسط للولايات المتحدة.
في الواقع، ينبع الإحجام عن التدخل خارج فرنسا أيضا من فكرة قومية كانت في الخمسينيات من القرن الماضي في ظل الحقبة الاستعمارية. والحقيقة أن السياسيين الفرنسيين، أدركوا بصعوبة أن الأمر لا يستحق إنفاق المال والطاقة في الخارج بدلاً من إنفاقها على ما يهم بلادهم. هذه العقلية الاستعمارية، المشوبة بالاستعلاء والشعور بالتفوق، لم تختف أبدا من السياسة الفرنسية، وقد أعادت الجماعات الشعبوية تنشيطها مؤخرًا.
تغذي العنصرية العرضية والمشاعر المعادية للإسلام الاستياء ضد العرب بشكل عام.
في باب الاستقلال الاستراتيجي والحلفاء، لا تتخلى فرنسا عن مكانتها كقوة عالمية وتستخدم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لهذا الغرض. تعتمد القدرة على التنافس مع القوى الأخرى على بعض العوامل مثل مستوى التنمية الصناعية في فرنسا و/أو دورها الرائد داخل الاتحاد الأوروبي إلى جانب ألمانيا.
داخل الإطار الأوربي، اعتمد الهيكل الأمني الفرنسي ​​على الردع النووي وعلى الجيش، الذي احتل المرتبة الثانية بعد روسيا على الصعيد الأوربي وصنف ضمن المراكز العشرة الأولى على مستوى العالم. كما زادت فرنسا من ميزانيتها العسكرية باستمرار ويمكن أن تمثل في السنوات القادمة 2 ٪ من ناتجها المحلي الإجمالي.
في حقبة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أصبحت فرنسا القوة العسكرية المهيمنة في الاتحاد الأوروبي وحصلت على “الاستقلال الاستراتيجي”.
بعبارة أخرى، للاستمرار في لعب دور رئيسي في أوروبا والعالم، تحتاج فرنسا إلى حلفاء، أوروبيين وغربيين في المقام الأول. يرتبط اختيار التحالفات بتقدير التهديدات الرئيسية في السنوات القادمة.
إذا تم احتواء الإرهاب (حتى الآن)، يبقى أن نرى أي الدول العالمية يمكن أن تعرض المصالح الفرنسية للخطر. ومنذ انتخابه، أظهر إيمانويل ماكرون رضاه عن روسيا.
على صعيد آخر، تستفيد الصين من وضع غير مؤكد بالنسبة للمنظور الفرنسي: من ناحية، فهي شريك تجاري رئيسي ومن ناحية أخرى، تلوح من بعيد بتهديد وجودي وتصل إلى نفس مستوى عدم الثقة كما هو الحال في الولايات المتحدة.
على هذه الخلفية، أصبح الشرق الأوسط مجالا ثانويا بالنسبة لاهتمام الدبلوماسية الفرنسية. وأصبحت الروابط التاريخية التي جمعت فرنسا بدول شمال إفريقيا والمشرق العربي أكثر مرونة مما كانت عليه قبل الربيع العربي.
وهكذا جعلت الهجرات والتبادلات الثقافية من العالم العربي شريكا خاصا في السياسة الخارجية الفرنسية. أصبح من اللازم إرسال دبلوماسيين إلى هناك متخصصين في المنطقة، يتحدثون العربية ولديهم معرفة عميقة بالمنطقة.
ومع تفوق علم الاقتصاد في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، فقد حل محل الجوانب الثقافية. وتتلخص خارطة الطريق للموظفين الدبلوماسيين في زيادة حجم التجارة.
من الجانب الآخر، قاد الموقف المتشدد لفرنسا إلى تبني تفضيل التعامل مع الغرب في توجهاتها الدبلوماسية. كما يمكن فهم التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي، وتحديداً الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية على أنه توجه جديد للدبلوماسية الفرنسية.
من باريس، يُنظر إلى الشرق الأوسط، بما فيه منطقة الخليج، أولاً وقبل كل شيء على أنه سوق للأسلحة مربحة، ومصدر محتمل للاستثمارات الأجنبية المباشرة.
أبعد من هذا الأفق، لم يعد هناك إمكان للتعاون الإقليمي أو تهدئة الصراعات الإقليمية.
ختاما، وكما هو الحال في الولايات المتحدة، اكتسب ضابطو النفس الفرنسيون سواء كانوا فاعلين سياسيين أو صناع قرار، زخما في النقاش السياسي. إنهم لا يقبلون التدخل العسكري الخارجي وكذلك التدخل الدبلوماسي ما لم تتعرض المصالح الفرنسية للخطر. يمكن فهم هذا النهج الجديد في العلاقات الدولية على أنه تجسيد لمنافسة القوى العظمى ولكن أيضا باعتباره تراجعًا عن العالم المعولم.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube