محمد دينية

سأل معلم تلاميذه عما يريدون أن يكونوا في المستقبل فصاح أحدهم: أريد أن أكون “ولد لحرام”، فضجت القاعة بالصراخ والضحك، لكن المعلم سأل التلميذ: لماذا؟ فقال التلميذ بحماس ولهفة: كلما مررت مع والدي أمام منزل بديع أو سيارة فخمة، أو رأينا أناسا أنيقي اللباس، موسرين يرتادون مطعما فاخرا، أو مقهى راقيا، أو شاهدنا في التلفزة جماعة مرفهة على شاطئ جميل، أو في نزهة ممتعة على ظهر يخت، يقول أبي عنهم: “ولاد لحرام”!
تذكرت هذه النكتة وأنا أتصفح بروفايلات وزراء حكومتنا الجديدة، الذين سيسيرون شأننا مدة ليست قصيرة، فلم أجد فيهم إلا متخرجا من هندسة الطرق والقناطر أو البوليتكنيك والأشغال، أوالاقتصاد والمال والأبناك، أومصادرالطاقة، بعضهم حمل معه دبلومه من كامبريدج، وبعضهم جاء به من باريس، وبعضهم جلبه من بوسطن،
وبعضهم من شيربروك، أو من نسخ هجينة لهته المدارس وأمثالها في بلدنا، وهي مدارس تدبير المعاش والبيع والشراء والتداول والأسواق ..
فقلت في نفسي من جهة، هل لازلنا تحت النظام الدولي كما عهدنا طنجة قبل قرن من الزمان، ولا زال يمزق وطنَنا الاحتلالُ متعدِّدُ الجنسيات، ولا زالت مصادرُنا ومراجعُنا الماليةُ قوانينَ آدم سميث و الحقوقيةُ قوانينَ نابوليون وجيستينيان ..
وتساءلتُ من جهة أخرى: هل نحن أمة لها تاريخ عريق وفكر متفرد وثقافة أصيلة ينبغي نقلها الى أبنائنا خالصة ناصعة، لنحفظ انتماءَهم واعتزازَهم وهويتَهم، ونُبرزَاختلافهم عن غيرهم من الأمم في الدين واللغة والتاريخ، والنظرة إلى الحياة والإنسان والحيوان والطبيعة، وفي السلوك والمعاملة والآفاق، اختلافا يشعرهم بأنهم الأفضل، لأنهم الأتقى والأقوم والأهدى، هل نحن هكذا آدميون مكرمون، أم نحن فقط شرذمة من الكائنات، لا أصل لها ولا جذور ولا هوية، محتاجةٌ فقط من أجل عيشها ومأكلها ومأواها لمن يَعُدُّ مالها، ويهيء ماءها ومرعاها، ويحفر أنفاقها، و يسفلت طرقها، ويكهرب دورها ومصانعها، ثم يتركها هَمَلا؟ المهم أن يُوفَّرَ لها الماءُ والكلأُ والمَرقَدُ: إن هي إلا كالأنعام بل هي أَضلُّ
ثم تساءلت هل نحن مغاربة لغتنا الرسمية عربية كما يقول لنا الدستور الذي نحتكم إليه، فإن كنا كذلك، فكيف لا أجد بين هؤلاء الوزراء إلا مفرنسين، بعضهم يتمتم إذا أراد أن ينطق لغته، وبعضهم يقلب كيانها رأسا على عقب، وبعضهم يعجز مطلقا عن التلفظ بها، وبعضهم لا يفهمك إذا خاطبته بها، فينظر إليك مندهشا كأنه عثر بين الأنقاض على الجاحظ أو المتنبي، ويسخر منك ويحتقرك إذا راسلته بها كأنه وجد مخطوطا في حقيبة أحد المشعوذين..
وتذكرت أفلاطون الحكيم ومدينته واستوعبت لماذا جعل الفلاسفةَ هم حكّامَها، بينما ترك تدبير شأنها المعاشي للعمال، وأبصرتُ الصورةَ عندنا قد قلبت، حينها فهمت لماذا انتقد “ماركسُ” “هيجلَ”، وسخر منه، لأنه رآه يجعل الفلسفة تمشي على رأسها، وأدركتُ أنه كان ينتقد نفسَه، لا غيرَه من المثاليين الألمان أو اللبراليين الإنجليز، في كتاب “رأس المال” أشهر كتبه، كما كنا نفهم وندرس ونقرأ..
وفهمت أخيرا لماذا يصف ذلك الأبُ المسكينُ، الأغنياءَ الذين يراهم هو وابنه هنا وهناك، بتلك الصفة القبيحة الدالة على الحسرة والاتهام معا: إنه كان يعتقد واهما، وكما علموه صغيرا، أن الذين يفضلونه ينبغي أن يفضلوه في العلم والتقوى والتواضع لا في الترف والغنى والبذخ والخُيَلاء، لكنه حينما كبر وجد التقوى التي علموه إياها ومدحوها له: بضاعةً كاسدة، والأخلاقَ التي قالوا له إنها المبدأ والغاية: تجارةً بائرة، ولغتَنا ودينَنا الذَينِ قالوا له عنهما إنهما هويتُنا وذاتيتُنا: عُملةً فاسدة..

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube