محمد بوبكري

لقد تجاوب الشعب الجزائري الشقيق مع الخطاب الملكي الموجه إليه وإلى حكام الجزائر معاً، كما أثنى عليه هذا الشعب، الأمر الذي لم يستسغه الجنرالات، لأن هذا الخطاب تفوق في تفنيد كل الزاعم والدعايات والادعاءات المغرضة التي يختلقها الجنرالات ضد المغرب، فاكتشفوا أن الصورة التي عملوا على تسويقها قد نسفت بأسلوب حضاري، أساسه الحكمة والصدق، ما دفع هؤلاء الحكام إلى القيام، كعادتهم، بتجنيد أجهزة الإعلام والذباب الإلكتروني التابعة لهم والدفع بها إلى القيام بتأويلات مشوهة لمعاني هذا الخطاب، وما يتضمنه من قيم إنسانية وحضارية، بغية تضليل الشعب الجزائري؛ إذ نشرت وسائل الإعلام هذه أضاليل كثيرة ورد فيها: إن المغرب يريد الصلح، لأنه يخاف من الجزائر، ويحس بالضعف أمامها، ويعاني من عزلة دولية… وهذه مجرد أوهام ، تعكس ما يرغب حكام الجزائر في حدوثه (تلك أمانيهم) لأنهم يحقدون عليه، ويتمنون امتلاكهم القدرة على إضعافه من أجل التوسع على حسابه. إن هذه مجرد رغبة مريضة تعكس حقد جنرالات الجزائر الدفين على المغرب، ما جعل بعض المتتبعين يرون أن حقد حكام الجزائر على المغرب يختصر تاريخ الحقد. ويعود ذلك إلى أن المغرب قد تفوق عليهم، وحقق إنجازات كبيرة داخليا وخارجيا، جعلته يقطع خطوات بعيدة في طريق التنمية، وهذا ما مكنه من أن يتركهم وراءه أشلاء على قارعة الطريق. يؤكد الخبراء أن المغرب، قد صار أكثر قوة من ذي قبل؛ بل أصبح قوة إقليمية، ونموذجا يحتذى ينبغي دراسته من قبل الأمم الطامحة إلى الانخراط في أفق تنموي، من أجل الاستفادة من مشروعه بهدف تجاوز العوائق التنموية واستعمال الخيال لتطوير مشاريع مستقبلية… ونظرا إلى حكمة المغرب، فإنه استطاع تحويل علاقاته الدولية إلى عامل من عوامل تنميته الأساس.
كما أن ملف مشكلة الصحراء المغربية قد تم طيه عمليا؛ لأن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها، ولن يستطيع الحاقدون إخراجه منها، لأنه صار أقوى منهم جميعهم… وهذا ما يفسر حقد جنرالات الجزائر عليه؛ لأنهم نهبوا خيرات الشعب الجزائري، وتسببوا في تفقيره وتجويعه، ولم يستطيعوا إطلاق أي مشروع تنموي يفيده، فصار المستقبل مظلما أمام هذا الشعب الشقيق …
وهذا ما يفرض علينا طرح السؤال الآتي: لماذا وجه ملك المغرب خطابا إلى شعب الجزائر وحكامها؟ لا يريد الملك أن يربح المغرب أي شيء من وراء ذلك، لكن حكمته وقيمه وبعد نظره هما ما جعلاه يقوم بذلك، لأنه يخاف على مستقبل الكيان والشعب الجزائريين، فكان هذا الخطاب بمثابة صرخة تدعو حكام الجزائر، بأسلوب حضاري رصين، إلى إعادة النظر في ذواتهم تجاه جيرانهم وشعبهم. فالعاهل المغربي يدرك جيدا كل المشاكل الداخلية والخارجية للجزائر، ويرغب في الاتفاق مع حكامها وحكام بلدان المغرب الكبير لينخرط الجميع في بناء المغرب الكبير، التي يرى أنها الحل الوحيد والأوحد الذي يمكن أن يساعد الجزائر على تجاوز كل المشاكل، التي تهددها بالانهيار.
لذلك، ستحتفظ الذاكرة التاريخية بخطاب العاهل المغربي هذا، الذي ستتأكد تنبؤاته بدون أدنى، ما يدل على أنه خطاب قادر على اختراق الأزمنة القادمة، لأن مقاصده النبيلة تسعى إلى إنقاذ الجزائر وشعبها من السقوط في غياهب المستقبل التي يصر الجنرالات على السقوط فيها… يفتح العاهل المغربي ذراعيه لحكام الجزائر وشعبها، وهؤلاء الحكام يكشرون عن أنيابهم، ويريدون إلحاق الأذى بالمغرب. إنه يدعو إلى نسيان مشاكل الماضي، لأنه يمتلك حسا استباقيا، جعله يستفيد من دروس التاريخ العالمي، حيث سبق أن عرفت الدول الأوروبية حروبا عالمية طاحنة، لكنها نسيت ذلك كله، وانخرطت في مسلسل وحدوي من أجل بناء الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي مكنها من القدرة على بناء حضارة توفر لشعوبها ظروف العيش الكريم، وتقي بلدانهم من التشتت والانهيار؛ يدرك العاهل المغربي مسؤوليته التاريخية، ما جعله يصرف النظر عن كل ما يمكن أن ينعكس سلبا على مستقبل المغرب الكبير، لأنه يريد أن يلعب دور التوحيد من أجل البناء والانخراط في الحضارة الكونية وقيمها، وهو ما لا يدركه جنرالات الجزائر الذين أصبحوا ينتحرون ويتمادون في خلق كل أسباب انهيار الكيان الجزائري. وهذا ما قصده الملك في خطابه عندما قال إن الشعبين الجزائري والمغربي توأمان. وقصده بذلك أنهما قد خرجا من رحم واحد، يفرض أن يحب الواحد منهما الآخر، ويعتقد أن سلامة أحدهما تكمن في سلامة الآخر، وأن أي ضرر سيلحق بالآخر يمكن أن يلحق به هو ذاته. لذلك، رفض الملك الفصل بين هذين التوأمين، ما جعله يحتج على إغلاق الجنرالات للحدود بين الجزائر والمغرب، الأمر الذي ألحق أضرارا مادية ونفسية بهذين الشعبين…
ويرى بعض الملاحظين أن الملك تجنب استفزاز حكام الجزائر، لأنه لم يشر إلى كل ما تسببوا فيه من مآس للمغرب وللمغاربة؛ بل إنه قد تجاوز عن كل ذلك، وأراد طي صفحة الماضي، رغم أن حكام الجزائر قد سعوا عمليا إلى تقسيم المغرب، وأنفقوا من أجل ذلك ملايير خيالية لضرب الوحدة الترابية المغربية، كان أجدر بهم إنفاقها على الجزائر وشعبها. لم يسبق للمغرب أن تورط في الإساءة إلى الوحدة الترابية للجزائر… على عكس حكام الجزائر الذين مولوا ويمولون احتجاجات عديدة ضد النظام المغربي، بل إنهم ساهموا في في تمويل وتسليح جهات مختلفة من أجل إسقاط هذا النظام…
ويدل سكوت الملك عن إثارة كل اعتداءات عسكر الجزائر على المغرب على طهارة سريرته، وصدق مقاصده ونبلها، لأنه يروم الجنوح إلى السلم، رغم أن المغرب يوجد في موقع قوة، وليس في حاجة إلى أي شيء من الجنرالات. تبعا لذلك، على حكام الجزائر ألا ينتظروا أي اعتذار من المغرب، لأنه قد سبق للمغرب ملكا وشعبا الانخراط في الدفاع عن استقلال الجزائر، الأمر الذي لا يمكن للجزائر أن تنكره، كما أن المغرب لم ينخرط يوما في تفتيت الجزائر، أو قلب نظام حكمها، وذلك على عكس ما فعل جنرالات الجزائر ضد المغرب…
يزعم حكام الجزائر وأبواقهم الإعلامية أن المغرب قد طبع علاقاته مع إسرائيل. لكن هل نسي هؤلاء أن “عبد العزيز بوتفليقة” قد ركض سنينا طويلة وراء إسرائيل من أجل تطبيع علاقاتها مع الجزائر، لكنه لم يفلح في ذلك. وإذا كان جنرالات الجزائر يروجون إشاعة مفادها أن المغرب يزود إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بما تحتاجان إليه من معلومات، فذلك ينم عن جهل هؤلاء الحكام بالإمكانات الاستخباراتية لهاتين الدولتين، إذ إن كل واحدة منهما تمتلك معرفة دقيقة بما يجري في الجزائر أكثر مما يعرفه الجنرالات ذواتهم حولها…
لا يفهم حكام الجزائر أن خطابهم حول علاقات المغرب مع إسرائيل لا يفيد القضية الفلسطينية في شيء، لأن الفلسطينيين الذي يدركون مصلحة قضيتهم، لا يرددون نفس الأحكام الجاهزة لجنرالات الجزائر؛ فالفلسطينيون لم يقاطعوا المغرب، لأنهم يدركون أن المغرب يقدم لهم الدعم السياسي والمادي، كما أنهم مقتنعون بأن علاقة المغرب مع إسرائيل يمكن أن تخدم قضيتهم، إذ إن السلطة الفلسطينية على اتصال مستمر مع السلطات المغربية، كما أن “إسماعيل هنية”، زعيم “حماس” قد زار المغرب على رأس وفد هام، ما يعني أن المغرب يحظى بإجماع الفلسطينيين. أما حكام الجزائر، فإنهم لا يدعمون الفلسطينيين في الضفة والقطاع، لم ينجزوا أي مشروع، بل إن همهم الوحيد هو المتاجرة بالقضية الفلسطينية، دون تقديم أية خدمة لها.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube