أربعة أجزاء بقلم عمر بنشقرون، مدير مركز المال والأعمال بالدارالبيضاء

الجزء الأول:


إن أكثر ما يزعجنا نحن المغاربة هو اننا وعلى مر الدوام حريصون كل الحرص على العمل قدما في التعاون مع مصالح الدول و التآخي مع شعوبها وأيادينا دائما ممدودة و سباقة للسلام، لكن الذي يحز في نفوسنا ذلك الجحود ونظرة الاستعلاء التي نتلقاها من أنظمة دول الاستعمار الغابر. وليكن في علم الجميع، اخوة وأعداء، أننا بقدر ما ساهمنا في تقدم دولكم وازدهارها من بوابة جاليتنا في الخارج، بقدر ما زدنا يقينا بأننا من صناع حضارتكم. ففي القرن الماضي، هاجرت قوافل من رعايا مغربنا الحبيب إلى أوروبا وشاركت في بناء البنى التحتية و في التنمية الإقتصادية. فهل يقابل هذا المعطى جحودا حتى في سيادتنا الوطنية على أقاليم حكم التاريخ عنها أنها مغربية جغرافيا وتاريخيا وبيعة سكانها لسلاطين دولتنا الشريفة من أواصر التشبث باهذاب عرش الدولة المغربية؟. فالموقف الألماني من قضية اقاليمنا الجنوبية خير شاهد على ذلك الجحود!
فمن حق المغرب ان يطلب من ألمانيا خصوصا أن تكون إيجابية وأن لا تحاول التأثير على قرارات الدول الأخرى السيادية، مثلما حدث مع الموقف الأمريكي من خلال دعوتها لاجتماع طارئ لمجلس الأمن من أجل التأثير على الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء.
 لقد كتب التاريخ أن ألمانيا كانت شريكة أو على الأقل شاهدة على الأحداث التاريخية التي أدت لخلق مشكل اقاليمنا الصحراوية في مؤتمر برلين 1884 وألمانيا كقوة أوروبية وعلى اطلاع تام بالاتفاقية التي تمت بين فرنسا وإسبانيا عام 1902 و1904 والتي أدت إلى تقسييم أراضي المملكة المغربية.
فعلى إثر تصريحات خارجيتها ضد مصالحنا القومية، يوما بعد يوم يتصاعد الخلاف بيننا وبينها إلى درجة صعبة و لأسباب تتعلق أحيانا بـالتجسس وتتازم لتصبح أعمق وأشد وطأة، وتحمل عواقب وخيمة على برلين والرباط.
ولا يقف الأمر عند التوترات الدبلوماسية، إذ تأثر عمل الجمعية الألمانية للتعاون الدولي التي تخدم لصالح برلين في المغرب، واقترب من التوقف بشكل كامل. فمنذ سنوات، و الجمعية الألمانية تنفذ مشاريعها حتى وصلت إلى 50 مشروعا بتكلفة 227 مليون يورو في المغرب في مجالات البيئة والمناخ والتنمية الاقتصادية.
كما يعاني معهد جوته للثقافة وتدريس اللغة الألمانية من مشاكل عدة حيث علقت الشهادات ونماذج الامتحانات في الجمارك المغربية منذ 21 يناير الماضي، وبدونها لم يتمكن المعهد من إجراء اختبارات اللغة الألمانية المعتمدة في الفترة المقبلة. و جميع المنظمات الألمانية العاملة في المغرب أعلنت حالة الطوارئ منذ مارس الماضي، بعد إعلان الرباط وقف جميع الاتصالات والمعاملات الرسمية مع السفارة الألمانية والمؤسسات المرتبطة بها.
ورغم مرور شهور على الأزمة، لا يرى مراقبون حلا في الأفق، بل تسير الأمور نحو التفاقم، خاصة بعد استدعاء المغرب سفيرته من برلين.
وقالت الرباط في بيان رسمي، إن أسباب الأزمة هو تزايد الأعمال العدائية من قبل ألمانيا وتعارض تصرفاتها مع مصالح المملكة.
فالعلاقات الألمانية وصلت إلى نقطة تراجع غير مسبوقة، وباتت الشراكة الوثيقة بين البلدين مهددة. و يبدو أن النزاع الحالي بين البلدين يمكن أن يحمل عواقب وخيمة. فقبل كل شيء، المغرب هو حارس الحدود الخارجية لأوروبا، ويمنع آلافه المهاجرين من العبور إلى إسبانيا.


الجزء الثاني:


و المغرب حليف موثوق به للغرب في الحرب ضد الإرهاب الدولي حيث سبق للمغرب أن قدم معلومات في عدة مناسبات أدت إلى إحباط هجمات في أوروبا، إضافة إلى أن الرباط تلعب دورا اقتصاديا وسياسيا رائدا في القارة الأفريقية.
و بتحليلي للأرقام الاقتصادية بين البلدين، استنتجت أن في السنوات العشر الماضية يمثل المغرب قصة نجاح استفادت منها الشركات الألمانية بحكم موقعه الجغرافي والتي أصبحت تستفيد منه الشركات الألمانية التي تغادر آسيا بشكل متزايد وتبحث عن بدائل.
فموردو السيارات الألمان البالغ عددهم 30 شركة في المغرب، يعتبرون السوق المغربي مهم للغاية.
و الأزمة بين البلدين، حتى الآن، تحمل تأثيرا طفيفا في العلاقات التجارية، لكن من يدري ماذا يمكن أن يحدث إذا تطورت الأمور للأسوأ.
ومن أسباب الخلاف بين برلين والرباط نجد تجاهل ألمانيا دور المغرب في تحقيق السلام في ليبيا، إذ لم تدع الحكومة الألمانية ممثلي نظيرتها المغربية إلى مؤتمر برلين حول الأوضاع الليبية العام الماضي، رغم أن الرباط نظمت جولات محادثات بين الفرقاء الليبيين كانت فارقة في مسار التسوية.
أما الخلاف الأهم فيتمثل في ملف الصحراء المغربية، إذ اعترفت الولايات المتحدة وفرنسا ضمنيا بسيادة الرباط على هذه المنطقة، فيما تصر ألمانيا على عرقلة سياسة المغرب في هذا الصدد، وتطالب بحل أممي لقضية الصحراء.
لكن ما لا تعترف به ألمانيا أن المغرب في موقع قوة في مواجهة برلين والاتحاد الأوروبي، فبدون التدخل المغربي سينتهي الأمر بعشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين في قلب أوروبا شهرا بعد شهر.
كما أن ميناء طنجة على البحر المتوسط هو محور نقل البضائع في أفريقيا، وينافس ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني في هذا الصدد، ما يجعل الرباط بالغة الأهمية من الناحية التجارية لأوروبا وألمانيا على وجه الخصوص.
فالمغرب له مستقبل كبير والتعاون بين البلدين في مجالات الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر مهم.
وطالما الحكومة الألمانية لا تتحرك لاحتواء الموقف، فإن المواقف ستبقى ثابتة، في إشارة لاستمرار الأزمة.
وفي هذا الصدد، استحضر كذلك المواقف التي قدمت فيها ألمانيا دعما واضحاً للأطروحة الانفصالية، والتي كان آخرها ما أقدم عليه برلمان ولاية بريمن الألمانية، من استضافة وفد من جبهة البوليساريو، ورفعه علم الدولة الوهمية على مبناه. بالإضافة إلى تكريم الولاية ذاتها لواحدة من قيادات الجبهة الانفصالية، ويتعلق الأمر بأمينتو حيدر، التي تم منحها العديد من الجوائز.


الجزء الثالث:


وإلى جانب التقارير المعادية للوحدة الترابية التي يبثها الإعلام الرسمي الألماني، يوجد أيضاً الرفض الألماني الذي وجه به الاعتراف التاريخي بمغربية الصحراء من لدن الولايات المتحدة الأمريكية.
دون أن ننسى، أن ألمانيا لم تكتف بدعم الانفصاليين فقط، بل تجاوزت ذلك باحتضانها أحد المُدانين المغاربة في قضايا تتعلق بالإرهاب.
ويتعلق الأمر بمحمد حاجب، الذي يُقيم على التراب الألماني منذ سنوات، وذلك بعد مُغادرته المغرب في أعقاب إتمامه لمحكوميته في ملف له علاقة بأعمال إرهابية.
هذا الذي لا يتوانى عن التحريض على أمن المغرب واستقراره، و الترويج للمغالطات حول المملكة المغربية وقيادتها، ونشر خطاب العنف والكراهية.
فألمانيا لا تحتضن فقط محمد حاجب بل تتساهل أيضاً مع الدعوات الإرهابية التي ما فتئ يُطلقها مرة تلو أخرى، وتغض الطرف عنه. على الرغم من أن دعواته إلى تنفيذ أعمال إرهابية بالمغرب لا تزال موثقة بالصوت والصورة على موقع اليوتيوب. افلا يبدو ذلك مخلا بالاعراف السياسية الديبلوماسية والعلاقات الثنائية بين الدول؟
والأمر من هذا، لا يخفى على أحد الدور الكبير الذي لعبته المملكة المغربية في عدة ملفات، وآخرها الملف الليبي، الذي ساهمت فيه المملكة بشكل كبير في تقريب وجهات النظر بين أطراف الملف.
وألمانيا كانت ولا تزال تعمل على تهميش هذا الدور الريادي للمغرب، سواء عبر إقصاء مملكتنا الشريفة من حضور مؤتمر برلين عام 2020، إذ سجل المغرب آنذاك أن المملكة لا تفهم المعايير ولا الدوافع التي أملت اختيار البلدان المشاركة في هذا الاجتماع. فلا يمكن لألمانيا مثلا، البعيدة عن المنطقة وعن تشعبات الأزمة الليبية، تحويلها إلى أداة للدفع بمصالح ليبيا الوطنية.


الجزء الرابع


منذ 2016، أصبح هناك توجه جديد في السياسة الخارجية المغربية حيث انه أصبح لا شيء يعلو على المصالح العليا للمملكة، وأي شريك يجب أن يستوعب أن تلك المصالح خط أحمر. فقد كان في السابق محاولة لتجزيء طبيعة العلاقات بين المغرب و شركاءه على اعتبار أن هناك مصالح يمكن ترتيبها بشكل يضمن استمرارية العلاقات.
و أضحت السياسة الخارجية لمملكتنا الشريفة توضح أن كل من يرغب في علاقات ثنائية مع الرباط، يجب أن يراعي الوضوح ولا يتسم بالضبابية، ولا تجزيء لطبيعة الملفات التي تجمع المغرب مع هاته الدول.
و إذا اعتمدنا ميزان السياسة الدولية حاليا بمنطق غير منحاز، فإن واقع الحال يقول إن دور ألمانيا ريادي في رسم سياسات الاتحاد الأوروبي، الآن أكثر من أي وقت سابق. و تزداد أهمية برلين أيضا في أعين الرئيس الأمريكي جو بايدن وفريق سياسته الخارجية، وسط اتسّاق وجهات النظر بين واشنطن وعواصم أوروبية أخرى.
و من يدعو للقطيعة الدبلوماسية مع ألمانيا، كمن يحث مسؤوليها ومشرّعيها في البرلمان، على تبني معادلة صفرية إزاء المغرب في منطقة استراتيجية جنوب البحر المتوسط بجوار التعاملات الموازية مع الجزائر وتونس.
دون أن ننسى أن المغرب يرتبط بعلاقات تجارية جيدة مع ألمانيا، التي دأبت على تقديم مساعدات مالية للرباط، آخرها جرى تقديمه في 10 ديسمبر الماضي. وأعلنت السفارة الألمانية في الرباط، آنذاك، أن برلين ستدعم المغرب بمليار يورو لأجل مساعدة المملكة على مواجهة تداعيات جائحة كورونا، و بأكثر من 1.137 مليار يورو (157 مليون يورو منح و980 مليون يورو قروض منخفضة الفائدة).
و حسب المعطيات التي نتوفر عليها، من المكتب الفيدرالي الألماني للإحصائيات، فالمبادلات التجارية بين المغرب وألمانيا، بلغت نحو 3 مليارات و200 مليون يورو خلال 2020.
و تحتل المملكة المرتبة الثالثة في القارة الإفريقية من حيث المبادلات التجارية مع ألمانيا، خلف جنوب إفريقيا ومصر. واستورد المغرب من ألمانيا في 2020، نحو مليار و900 مليون يورو من السلع، وبلغت صادراته حوالي مليار و300 مليون أورو.
إننا كمجتمع مدني ومؤسسات الدولة برمتها جنود مجندون وراء صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله وأيده، نعتبر أن قضية الصحراء المغربية هي قضيتنا الأولى و لن نسعى إلا لتنمية اقاليمها طبقا لمقتضيات النموذج التنموي الجديد الذي أكد على أهمية الجهوية المتقدمة في إنزال وتفعيل مضامينه من أجل الرقي بالعيش الكريم لكافة المواطنين على حد سواء. ولا ننسى أن مقترح الحكم الذاتي الموسع كحل لهذه الأزمة، جاء في إطار الجهوية المتقدمة حيث نجحت المملكة خلال السنتين الماضيتين في انتزاع اعتراف مجموعة من الدول بسيادتنا على اقاليمنا الجنوبية. لكن يبدو أن الموقف الألماني معاكس تماما بهذا الخصوص ولا تريد تغييره على الأقل في الوقت الراهن. فماذا يخبؤه مقبل الأيام على علاقاتنا مع أبناء هيتلر؟

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube