تمهيد

هناك تفسيرات متضاربة حول تعريف المثقف. وهذا الضرب في التعريف نتاج الظرفية التاريخية التي ننطلق منها وكذا نوعية المجتمع ومستوى تطوره الحضاري. لكن ما المهم ونحن نحاور المفاهيم الفكرية والنظرية التي جاء بها غرامشي، كأدوات للتنقيب والبحث، هو أساسا المعني والغرض الذي عناه غرامشي بالمثقف العضوي. اللافت للذهن أنك حين تنطق بلفظة “المثقف العضوي”، ينتابك اسم غرامشي، لحد أصبح هذا المفهوم لاصقا باسمه، أكبر من غيره من المفاهيم العديدة التي صقلها. وهذا مرجعه كون غرامشي وضع دور المثقف في مستواه الطبيعي ضمن الشريحة الاجتماعية أو الطبقية التي ينتمي اليها أو يدافع عنها، كعضو من صلبها وليس دخيل عنها، كالتفسيرات، التي كانت تخص المثقف، التي جاءت بها سواء التعريفات المثالية أو الاشتراكية الكلاسيكية وخاصة الشيوعية الأرثدوكسية منها.

1 – التعريف المثالي للمثقف

التعريف المثالي يجد موقعه في التفسير الذي يحظى به مفهوم المثقف في المجتمع ما قبل الحداثة. وبالخصوص داخل المجتمعات ذات الطابع الارستقراطي. المجتمعات الاقطاعية / الفيودالية، أو ما نسميه عندنا في المجتمعات التقليدية حيث هناك الخاصة أي السادة والعامة أو الشعب. المثقف في هذه المجتمعات كان يحظى بوضعية خاصة. فهو من جهة خارج الهرم الاجتماعي يعيش من صناعة الأفكار. لذا عرفت حرفة الكتابة، في الثقافة العربية خلال العصر الوسيط، كونها صناعة. الا أن هذه الصناعة الغير حرفية تميز صاحبها وترفعه درجات في المجتمع. لكن هذا المقام مرهون بمدى تقرب صاحبه من الطبقة السائدة. فالمثقف عندها كان يدور في فلك الشريحة السائدة دوره صيانة ثقافتها المهيمنة. في تراثنا الحضاري كانت حرفة المثقف تأخذ عدة أوجه. هناك المنظرين المحرضين، شأن الأئمة والفقهاء. وهذه الظاهرة موجودة في كل المجتمعات التي كانت تسودها الأيديولوجية اللاهوتية. حيث رجال الدين والمعتقدات يروجون ثقافة الاستبداد الدهري باسم الرجاء الغيبي. مجتمعات كانت المعرفة داخلها جد محدودة. الى جانب رجال الدين كان هناك فصيلين من الشعراء والمفكرين، كتاب وفلاسفة. شعراء وكتاب البلاط أي خدام السلطة الحاكمة وشعراء وكتاب وفلاسفة ناقمين والذين كانوا فريسة الحكم القائم. أمثلة هؤلاء كثيرة مثل ما حصل لابن المقفع والجاحظ اللذان نكل بهما أشنع تنكيل. وكذا تشريد دعاة الفكر العقلي من معتزلة وفلاسفة. وعندنا بالمغرب ما حصل لفلاسفة عظام أمثال ابن باجة وابن رشد. أما ابن خلدون قد اعتبر بعد مقتل صديقة ابن الخطيب لينجا بنفسه بعد سجن بفاس.

أما المجتمعات الغربية قبل أن تمرّ بعصر الأنوار، نكّلت هي الأخرى، أبشع تنكيل، بدعاة العقل. بداء بغاليلي مكتشف دورة الأرض حول الشمس. وكذا كل من كان يقف ضد الكنيسة الكاثوليكية والحكم للأرستقراطيات المستبد السائدة في المجتمعات الغربية قبل اشعاع نور الفكر العقلي والقيام بثورات تحررية ابتداء من نهاية القرن الثامن عشر.

نفس الدور لعبه حامل المعرفة التي كانت محدودة الانتشار في القرون القديمة، سواء عند البابليين والأشوريين والمصريين أيام الفراعنة. ولقد برزت عند اليونان مدارس فلسفية وفكرية تتجاوز حيز المعتقد اللاهوتي لتمتزج بالفكر العقلي. فأسسوا علم المنطق والديالكتيك وبنوا أسس الفلسفة المثالية والمادية. يمكن القول هنا بخصوص مجتمعات التاريخ القديم أن بوادر وارهاصات الفكر العقلاني جاءت كردة فعل ضد الفكر اللاهوتي، الا أنه نظرا لضعف شيوع محيط المعرفة وحصرها في دائرة محدودة جعل أصحابها يعيشون كشريحة معزولة وغير فاعلة ومنه كان يسهل اقصائها وقمعها عند الضرورة.

أمكن القول أن المثقف في المجتمعات قبل العصر الحديث كان دوره محدودا. وقد يأخذ هذا الدور شكلا جليّا ولافتا لما تتمحور أفكار العارف في دعوة عقائدية تتجاوب والتساؤلات الوجودية لعامية الناس. فتتمحور هذه الأفكار في دعوة دينية أو تصحيحية أو كدعامة منمقة لأيدلوجية وثقافة الشرائح المستبدة بالحكم. الى جانب ما يمكن نعته بالنخبة المثقفة للطبقة العليا، من حجاب ووزراء وكتاب وفنانين، هناك الشريحة المثقفة التابعة لها من قضاة ورجال الدين وموظفين ومدرسين. في المجتمعات قبل العصر الحداث كان المثقفين يتناسخون بشكل تقليدي وهم بذا مثقفون تقليديون. قد وصفهم هيجل كونهم نخبة خارج الحكم وأن دورهم غايته ضمان استمرارية سلطة الحكم القائم. المثقف التقليدي هو الذي يظل خارج الأغلبية الساحقة من المجتمع ودوره تكريس واقع الجهل الذي هي عليه. يمكن للمثقف التقليدي أن يكون نابغة وذا معرفة كبيرة بالأمور العقلية كالفلاسفة العرب أو المفكرين بالمجتمعات الأوروبية في القرن الوسيط، لكن مداولة هذه المعارف تظل حبيسة دائرة العارفين من الخواص. وكلما خرج المثقف التقليدي عن النطاق المخصص له أصلا نال العزلة أو العقاب الذي ينتظره من قبل السلطة المستبدة بالحكم. مثال ما حصل لأبي الفتح الشهرستاني الفيلسوف المغتال، صاحب كتاب الملل والنحل. وهذا باروك اسبينوزا المتأثر بالصوفية الإسلامية، كيف حاصرته المؤسسة الدينية اليهودية لما حاول مناقشة الخالق والمخلوق بطريقة عقلية. كما هناك المفكر فولتر ومعه مفكرين الموسوعية الفكرية الأدبية والعلمية التي انطلقت منتصف القرن الثامن عشر بفرنسا، ومنه سمي عصر الأنوار. كان نصيب أصحابها اما السجن بمعتقل لابستي الشنيع الذكر وحيث تحرير معتقليه وهدمه يعد رمز الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. مكانة قامت ساحة لابستي بوسطها عمود الحرية. وهي ساحة تقام بها التظاهرات المطلبية والمدافعة على حقوق الانسان وكذا المهرجانات الفنية.

2 – المثقف في المجتمع الرأسمالي

مع انطلاقة الثورة الصناعية بداية القرن التاسع عشر بإنجلترا ثم بعدها بفرنسا فباقي البلدان الأوربية، تعقدت المجتمعات وانقسمت الى طبقات متباينة المصالح. في الحين الذي كانت تتقوّ فيه هيمنة الطبقة البرجوازية الصاعدة والتي بعد أن كان محيطها ينحصر في بلدانها الأصل، اتسع نفوذها ليصبح رأسمالا يحتكر الاقتصاد العالمي ومنه طبيعة دولتها الرأسمالية الليبيرالية. لضمان هيمنتها خاصة على الطبقة العاملة، التي هي الأخرى طبقة صاعدة وذات مصالح متعارضة مع مصالح الطبقة البرجوازية، ستعمد هذه الأخيرة للجم شوكة البروليتارية وسجنها في الدور المخصص لها ضمن نمط الإنتاج الرأسمالي، تدجينها داخل أيدلوجية ليبرالية متطورة بتطور الإمكانيات المادية الهائلة التي يضمنها فائض القيمة للرأسمال. لذا أمام التطور المتسارع للمجتمعات الرأسمالية ستجد الطبقة البرجوازية نفسها مضطرة خلق إدارة حديثة ومعاهد لتكوين التقنيين في كل المجالات الاقتصادية والتجارية والإدارية، مما فرض انتاج مثقفين لإدارة مجمل المرافئ الحياة الاجتماعية ومنه ضرورة تعميم التعليم وتطويره. مهمة النخب المثقفة الجديدة في إطار الدولة البرجوازية كان محصورا في الميادين المحددة لها. لذا نجد الى جانب المثقف التقني، نخب من المثقفين، خاصة السياسي والمفكر الأيديولوجي لتلميع وتحصين ونشر الثقافة الليبيرالية. ليس فقط بين الطبقات المتنفذة للبرجوازية الرأسمالية والمتوسطة، بل أيضا لتدجين باقي الطبقات الشعبية، ومن بينها الطبقة الكادحة الصاعدة والمتكاثرة على الدوام، لكنها مسلوبة الثقافة. لبسط هيمنتها الثقافية التي تمرر عبرها مشارعها السياسية وطبعا المادية، خلقت البرجوازية الليبيرالية فضاء خاص بالمثقف الحداثي الليبيرالي. هذا الفضاء الذي يتمتع بنوع من الحرية الكبيرة يضفي على المثقف شيء من الهالة وتوفير الامكانيات المادية. هكذا تكونت في أحضان المجتمع البرجوازي الليبيرالي تشكيلة اجتماعية من المثقفين المسخرين أو العضويين، بالمفهوم الغرامشي، للطبقة البرجوازية. يوفرون لها المنظرين والمفكرين، والزعماء ورجال السياسية والأساتذة الجامعيين وكبار الأطباء وكالفنانين الذين يتكاثر دورهم ومدخولهم بتطور المجتمعات الليبرالية وتشعب وتحديث وسائل التواصل.

3 – المثقف في نظر الاشتراكية الكلاسيكية

سواء ماركس أو لينين أو من عاصرهم من دعاة الاشتراكية الديمقراطية أو الشيوعية الأرثودوكسية، ظل فهمهم محصورا في الطبيعة التي أضفتها البرجوازية على النخب المثقفة. فهم اهتموا بتنظيم الطبقة العاملة كطبقة المستقبل والتي ستحرر المجتمع ومعها الإنسانية. وهذا عبر منظور اقتصادي أساسا. فالطبقة العاملة الحديثة بالنسبة لهم، وضعها لا يختلف عن وضع الفلاح الفقير أمام سطو الاقطاعي أو العبد بالنسبة لأوامر سيدة. العمال هم عبيد الرأسمال وعند اتحادهم سيكسرون أغلالهم وأغلال باقي المضطهدين. لذا فتعامل الاشتراكية الكلاسيكية مع المثقفين كان ينظر اليه كتحالف بين الطبقة العاملة والمثقفين، بصفتهم برجوازيين صغار. هكذا ظل التعامل بين القوى اليسارية سياسية أو نقابية والمثقفين، تعامل يستفاد منه الطرفين. القوى اليسارية للتأثير على باقي الطبقات عبر ضمها الى صفوفها المثقفين المتنورين التقدمين. والمثقف اليساري يحظى بشعبية داخل الجماهير. أصبح هناك فلاسفة ومفكرين وكتاب وفنانين يساريين مقابل أصنافهم البرجوازيين. هذا التنافس الثقافي الى جانب الصراع المجتمعي والسياسي دفع بتفتح المجتمعات الحديدة والمزيد من الهوامش الديمقراطية.

لم يحصل هناك اندماج عضوي للمثقف اليساري داخل الطبقة البروليتارية. وهذا راجع الى نظرة القيادات السياسية اليسارية التي كانت دائما متخوفة من انزلاقات المثقفين الذين يصعب ضبطهم، مرجعين ذلك الى الطبيعة البرجوازية الصغيرة المنغرسة في المثقف والتي يصعب له التخلي عنها. كان المثقفون والفنانين اليساريّين ينعتون بأصحاب الطريق للبروليتارية. والمثقفين أيضا كانوا يجيدون في وضعيتهم هاته راحة كبيرة. الأمثلة كثيرة للبرهنة على العلاقة الخاصة بالمثقفين اليساريّين والأحزاب الشيوعية. لقد أدى بعضهم الثمن غاليا جراء هذه العلاقة الغير واضحة. وهذا صديقنا غرامشي نفسه قد عانى من قيادة الحزب الشيوعي الإيطالي بأمر من موسكو، وهو أحد المؤسسين وأمينه العام قبل اعتقاله. وهذا بول نزان المقاوم الشيوعي الفرنسي الذي خلق في ثلاثينات القرن الماضي الجامعات الشعبية لتدريس الفلسفة للعمال يطارد من قبل رفاقه لما عارض المعادة السوفياتية-النازية لعام 1940. يمكن ذكر الفيلسوف روجي غارودي منظر الحزب الشيوعي لعقود، الذي اعتنق الإسلام في ما بعد، حيث يقص في كتابه ” كلمة شرف”. وهو عبارة عن سيرة ذاتية لثلاث أحداث حصلت له كان فيها على شفى شفرة من الموت، نذكر منها تلك الحادثة التي قرر إثرها الانتحار. حصل ذلك خلال المؤتمر التسع عشر للحزب الشيوعي في فبراير عام 1971. وكان من المعتاد ارتقاءه المنصة كعضو في المكتب السياسي لتلاوة التقرير النظري. الا أنه لم يستدعى هذه المرة ولم يكن هناك خطاب خاص به. وهذا راجع لمواقفه التي بدت خارج الخط الأرثدوكسي الخاضع لموسكو بعد غزوها للتشكوسلوفاكيا عام 1968. خرج من قاعة المؤتمر وهو يعزم الانتحار وقبل اقدامه على ذلك، توجه من حيث لا يدري لمنزل زوجته التي كان قد فارقها، فوجدها تنتظره وقد هيأت له العشاء الذي يشتهيه. عندها وعى أن الحياة أكبر من الأيدولوجيا ومن بيروقراطية الحزب. علما أنه كان للحزب الشيوعي الفرنسي في ذلك الوقت شأن كبير في المجتمع الفرنسي. كثير هم المثقفين الذين اكتووا بنار المركزية الديمقراطية / البيروقراطية الحزبية داخل الأحزاب البيروقراطية بكل أصنافها. وهناك من عاش في أحضان النعيم، كحال بابلو بيكاسو عضو الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي كان يفعل ما طاب وحلى له. ولا من محاسب له على الأموال الطائلة التي كانت تغدقها علية لوحاته. وهذا آندري جيد الذي زار الاتحاد السوفياتي بداية عشرينات القرن الفائت، لكنه بعد رجوعه لفرنسا لم يتحدث عن الفقر المقذع والانتهاكات الجسيمة للحريات، بل تحدث، فقط، عن إيجابيات الثورة البلشفية وعن صديقه ماكسيم جوركي ونوعية المداخلات الهامة لمؤتمر الجمعية العالمية للمثقفين التقدمين التي دعيّ اليها كأحد كبار كتاب فرنسا.

الغاية مما ذكر، لا يدخل في حيز أي تقييم للقوى السياسية الاشتراكية الكلاسيكية، انما جاء ذلك لتبيان العلاقة الغير الطبيعية التي كانت حاصلة بين أحزابها وتنظيماتها والمثقفين. والتي يمكن نعتها بعلاقة مصلحية متبادلة وليست اندماجا عضويا للمثقفين في الحمة البلوريتارية. أما إذا عرّجنا على مجتمعاتنا الشبه مستعمرة أو التابعة، فحدث ولا حرج. وما ذكرت من مثال، الا وجدت أبشع منه نظرا لتدني الوعي الطبقي ووعي القوى الداعية للتحرر الفكري والسياسي.

4 – المفكر العضوي عند غرامشي

يعد غرامشي أول مفكر ثوري اشتراكي، شيوعيا أو ديمقراطيا كان، اعتكف عبر بحث فائض وشامل لمسألة المثقف في المجتمع. فهو لم ينظر الية نظرة فرد له وضعية خاصة في المجتمع. وضعية استعلائية في المجتمع الأرستقراطي / الاقطاعي بصفته الخادم الأمين للثقافة الاستبدادية المهيمنة، أو وضعية احترافية مربحة في المجتمع الليبيرالي لتطعيم النخب السياسية والثقافية والمهنية –مهندسين، أطباء، رؤساء الإدارات…-. ولا كما نظرت الاشتراكية الديمقراطية والشيوعية الكلاسيكية للمثقف كبرجوازي صغير يمكن التحالف معه لاستعماله في مواجهة الأيدولوجية والثقافة البرجوازية. عكس كل المنظورات الرائجة رأى غرامشي أن المثقف هو عضو مندمج في طبقة معينة ومنه المثقف العضوي. وموقعه يجعله يمثل ويدافع عن ثقافة الطبقة التي ينتمي اليها فكريا ومعنوية. فالمثقف البرجوازي له مصلحته الخاصة والعضوة في دوام الهيمنة البرجوازية ومنه فهو ينظّر لها ويدافع عن مزاياها الليبيرالية ويهاجم المنظورات التي تعاكسها. ونفس الأمر بالنسبة للمثقف البروليتاري فهو يربط مصيره بمصير الطبقات المضطهدة. لقد فصل غرامشي أهمية الدور الذي يقوم به المثقفون لما عالج الكتلة التاريخية وكذا مسألة وحدة الطبقة العاملة بشمال إيطاليا والفلاحين الفقراء بجنوبها. حيث سواء خلال الكتلة التاريخية والتي هي عبارة عن تحالف طبقي معين أي بين الطبقات التي لها مصلحة في التغيير، وليس كما ذهب لذلك المفكر محمد عابد الجابري الذي رآها كتحالف لمجموع الطبقات، أي على شكل ما حصل أثناء المطالبة بالاستقلال. لما طرح غرامشي الكتلة التاريخية كتحالف بين الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، كان في نفس الوقت يطرح بناء الحزب العمالي الفلاحي، عمال الشمال وفلاحي الجنوب في قالب ثقافي مؤطر لوحدتهم. وفي كلتا الحالتين رأى الدور الجد متقدم للمثقف العضوي أي البروليتاري كما سماه أيضا، الذي يلعب دور الاسمنت بين العمال والفلاحين داخل الحزب الثوري وكذلك دور الاسمنت الراص لصفوف التحالف العمالي الفلاحي عامة. كانت دعوته لهيمنة الثقافة الثورية خلال الكتلة التاريخية، يراها كتحالف مبدئي مع الفرقاء السياسيين الممثلين للطبقات والشرائح المتحدة. منظور غرامشي للتحالفات غير الذي تبنته الاشتراكية الكلاسيكية ماركسية ليمينية أو ماوية، التي كانت تجعل من أحزابها الشيوعية طليعة الثورة والتغيير ومنه الاستلاء حزبها الوحيد على السلطة. خلافا لذلك كان يرى غرامشي أن التغيير الثوري هو ثقافي سياسي لهياكل الدولة أساسا، قبل أن يصبح تغييرا لنمط الحكم للدولة نفسها. وهذا عبر ثورة سلمية متعدد القوى السياسية والاقتصادية والثقافية.

كما تجدر الإشارة أن غرامشي عمّم دور المثقف العضوي الذي كان ينعته تارة بالثوري وأخرى بالبروليتاري أو المثقف الشعبي الذي يقوم بدور الاسمنت المعمم لرصّ كل الطبقات عبر نشر ثقافة التنوير والتقدم للأمام الحضاري والتي هي القيم الأخلاقية التي يلزم تعميمها بين كل شرائح الشعب. لم يكن غرامشي يدعو الى انسلاخ المثقف والذوبان في الطبقات الشعبية، بل كان يرى فيه القدوة الأخلاقية والممارسة الواعية المطبوعة بروح التضحية النضالية. دور المثقف العضوي، ليس أن يكون الطليعة كما كانت تنظر لذلك اللينينية والماوية ومعهما التروتسكية طبعا، بل يرى فيه المثل والقدة. دوره عضوي أي من نفس الطينة للطبقات المضطهدة، الملتزم بقضايا الطبقات المسحوقة. هذا الدور الذي هو إعطاء المثل في التضحية وأساسا رفع مستوى وعي الطبقة الكادحة لتفكر بذاتها ولباقي الطبقات الشعبية وللإنسانية جمعاء. لما تحدث غرامشي على حرب المواقع أي الوصول الى السلطة عن طريق ثورة سلمية، أي عبر هيمنة الثقافة الثورية التنويرية، كان يرى ضرورة الوصول الى هذا الوعي الحضاري لا بد من رابط بين البنية التحتية والبنية الفوقية، في الحين الذي كانت فيه الماركسية الكلاسيكية ترى أن هناك تناقض بينهما عبر الصراع الطبقي. حلقة الوصل التي تربط بين مجموع الطبقات هي دور المثقف العضوي الذي بوعيه يمكنه القبض على مختلف آليات الصراع المجتمعي، ومختلف واجهاته. فهو عبر الوعي الثوري قادر نحث الأسلحة الفكرية التحررية ونشرها داخل المجتمع عامة. الثورة عند غرامشي هي أساسا اقناع واقتناع بمصداقية المشروع التحرري الاشتراكي الذي ينبغي أن يحرز ديمقراطيا على الأغلبية العظمى من الشعب. عكس هذا المنظور يكون حسب المنهجية الغرامشية عبارة عن انقلاب.

5 – ما العمل بالنسبة لمجتمع كالمغرب؟

كما يلاحظه كل متتبع للشأن العام بالمغرب، صراعاته المجتمعية ثقافية وسياسية واقتصادية، يصدمه الجفاف الذي يعاني منه البحث في مختلف أبواب المعرفة. حيث لا تجد سوى أبحاث عامة وسير فردية لزعامات سياسية أو شخصيات تحملت مهام في الدولة، وطبعا ككل سيرة يغلب عليها الخيال والنظر للأحداث من زاوية تضخيم الذات الفردية. وتظل وثيقة “الاختيار الثوري” كمرجع أساسي تقتدي به كل التيارات والتنظيمات الثورية المغربية. خاصة البضع صفحات التي تشير للأخطاء الثلاث القاتلة للحركة الوطنية في تعاملها مع القصر ومع الشعب المغربي. طبعا هناك انتاجات وبحوث في كل الميادين، لكنها تجعل مسافة بينها وبين التنقيب المستفيض خوفا من مقص الرقابة والآلة القمعية للنظام المخزني الذي يحارب كل ما يكتب حول طبيعته الحقيقية. وهذه الآلة القمعية لا تخص المهتمين من أهل البلد، بل حتى الأجانب. الكل يذكر الضجة الإعلامية، وخاصة الدبلوماسية بين فرنسا والمغرب، عند صدور كتاب “صديقنا الملك” لجيل بيرو. والكتاب ليس في العمق الا تلخيصا لما كانت تأتي به نشرات المعارضة المغربية للحكم الفردي سنوات الجمر والرصاص وخاصة نشرات التنظيمات الثورية السبعينية لليسار الجديد الممثلة في منظمات 23 مارس والى الأمام وتيارات لنخدم الشعب والاختيار الثوري وآفاق جديدة.

اذا استثنينا المجموعة الأخيرة مجموعة آفاق، وان كان الاسم الكامل هو “آفاق جديدة”، التي تبنت بوضوح المنهجية الغرامشية في التحليل والممارسة. فقد ظلت مجمل التنظيمات اليسارية تعتنق المنهج اللينيني في التنظير والتنظيم. لقد أولت مجموعة آفاق اهتماما خاصا لنشر الوعي بعيدة عن حلقية التنظيم المركزي الذي كان السائر به العمل داخل التنظيمات الثورة، لكن كان مفعولها الأني محدودا.

حتى لا ندخل في تفاصيل الأشياء، أمكن القول أن اليسار الجديد بكل فصائله ومكوناته، كان يمارس المنهجية الغرامشية في نشر الثقافة الثورية، وهو يظن أنه يمارس الماركسية-اللينينية. لقد كرس اليسار الجديد بمختلف تنظيماته وتياراته جهدا كبيرا مقارنة لطاقاته المادية والعددية، مع أي تنظيم سياسي في مغرب ما بعد الاستقلال. ان انتاج اليسار الجديد هو أساسا نوعيا بالنسبة لباقي التنظيمات السياسية الوطنية والتقدمية لما بعد الاستقلال. هذه النوعية التي قطعت مع الخطاب المزدوج الذي نتجت عنه الأخطاء الثلاث التي أشار اليها الشهيد المهدي بنبركة في الوثيقة المقدمة للمؤتمر الثاني عام 1962 لأكبر حزب وطني تقدمي عرفه المغرب الحديث. هذه الوثيقة التاريخية التي رفضت قراءتها، حراك تبنيها، تعطي نظرة واضحة عن جرأة تحليلات ومواقف اليسار الجديد الذي قطع مع لغة الإشارات والرقابة الذاتية التي فرضتها القيادات الوطنية والتقدمية لأحزاب الحركة الوطنية، حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحزب الشيوعي المحظور من 1959 الى 1968 ليسرح له تحت اسم حزب التحرر والاشتراكية. كانت مواقف اليسار الجديد واضحة حول نوعية الصراع المجتمعي بالمغرب مع محاولة تصنيف الطبقات المتواجدة وضبط تناقضاتها. كان ذلك مختزلا من الأطروحات الماركسية اللينينية الماوية الرائجة كونيا، سواء التي لها علاقة بالثورة البلشفية أو الماوية، مطعمة بنفحة من القومية العربية، لأن الشيوعين العرب الذين تأثر بهم اليسار الجديد المغربي جاؤوا من رحم القومية العربية وأعني الجبهتين الفلسطينيتين الشعبية والديمقراطية خاصة. وطبعا هناك الإرث الثقافي الضروري للحركة الوطنية وخاصة الجناح التقدمي فيها، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحزب الشيوعي. ولقد كانت المنظمة العتيدة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب هي الفضاء النضالي الذي تفاعلت فيه الخطابات الفكرية والأيديولوجية وعبرها شحن العزائم وجلب العاطفين والملتزمين في التنظيمات الثورية الناشئة.

ليس هنا المجال لتفصيل الكلام بشأن التشكيل السياسي والتنظيمي لفصائل اليسار. الغاية هنا هو التأكيد على أنه لأول مرة حصلت القطيعة الأبستمولوجية مع أطروحات الحركة الوطنية والتقدمية وذلك عبر طرح برنامج ثوري واضح يهدف القيام بثورة وطنية ديمقراطية شعبية. هذه الثورة التي تحقق الاستقلال الفعلي عوض الاستقلال المغشوش الذي ترك البلاد شبه مستعمرة. هذا البرنامج الثوري يهدف بتغيير النظام الملكي بنظام جمهوري وأن السلطة بيد الجماهير عبر مجالس شعبية. كان برنامجا منسوخا في جل جوانبه من الأطروحات اللينينية-الماوية الرائجة والتي تقر بالتحالف العمالي الفلاحي تحت قيادة الطبقة العاملة. وطبعا كانت هناك خلافات حول هذا المفهوم أو ذاك، حول نوعية التنظيم ونوعية الثورة، هل تنطلق من المدن أم من البوادي، هل انتفاضة في كل الأماكن أم ثورة عبر بؤر…المهم كان هناك مخاض ثقافي غني يبشر بآفاق واعدة. لم تحقق الثورة المنشودة التي وجدت مقرا لها بالمعتقات السرية والعلنية والمنافي، زادت في تقهقرها الصراعات الذاتية وانغلاق قناطر العبور الى فضاء الجماهير الشعبية صاحب المصلحة في التغيير الثوري. ثم أن المنفذ النضالي الوحيد الذي تمكنت فصائل اليسار الجديد التواجد فيه الممثل في الشبيبة المدرسية، النقابة الوطنية للتلاميذ والاتحاد الوطني لطلبة المغرب قد تمّ حظرهما واعتقال أنشط المناضلين والمناضلات. لكن الأهم ما جاء به اليسار الذي أخفق تنظيميا، هو زرع بدور الثورة الثقافية التي لازالت خميرتها سارية عبر الجمعيات الحقوقية والتنظيمات اليسارية والحركات الشعبية وشبكات التواصل الاجتماعي التي لها دور مهم في نشر الوعي الجماعي إذا أحسن استعمالها.

خلاصة عامة

قد يطول الحديث بصدد منهجية اغرامشي في التعامل الأفكار الفلسفية والأيديولوجية والسياسية والتي لخصها في مفهوم الهيمنة الثقافة في شكلها العام. حيث يمكن وصف النصوص التي جاءت بها هذه السلسلة، التي انطلقت إثر رحيل الرفيقين بلعباس المشتري وعبد الله زعزاع، كتعبير أكيد ووفاء صادقا لعطائهما الفكري والنضالي.

أهمية غرامشي كما رأينا جاء تجاوزا للمنظور السائد، والى يومنا هذا، بشأن الأداة الثورية. هذه الأداة التي يراها كعقل جماعي بمفهوم دوره تثقيف الجماهير الشعبية وليس النيابة عنها. وهي عملية شاقة وطويلة الأمد. الهدف عند غرامشي ليس القيام بالثورة من أجل السلطة، بل تثقيف الجماهير ورفع مستواها الفكري والسياسي لتقود نفسها. فالحزب عنده ليس ذلك المنفاخ الحداد أي الرابوز الذي ينفخ / يسوط على نار الثورة لأخد السلطة بالعنف، بل عبر هيمنة ثقافية عسيرة ومريرة تقودها مجموعة واعية بدورها وحيث فيها للمثقف العضوي مهمة المعلم الذي يرفع مستوى الجماهير الثقافي الفكري السياسي وليس الهبوط الشعبوي اليها لترسيخ الأفكار المهيمنة التي تسجنها في سياج عدم الوعي بقدراتها. وبالتالي عدم الدفاع الواعي عن مطالبها الآنية ومطامحها العامة في التحرر والمساواة والحرية الفردية والجماعية. ليس محليا فقط بل كونيا. هذا يعني في العمق أن كل فرد من الشعب مثقف عضوي. شريطة توفره على شروط تمكنه من محاربة الجهل الاستبدادي والبرجوازي المخيم. ألهم غرامشي بعصر الأنوار ورأى أن الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789 هي نتاج الوعي التنويري الذي تسرب بشكل واسع عبر مختلف الطبقات الاجتماعية لتحل هيمنة الثقافة البرجوازية في المجتمع المدني أي مجموع الفئات الاجتماعية، مكان الهيمنة الثقافية لاستبداد الطبقة الأرستقراطية والكنيسة. منهجية غرامشي هو قلب المعادلة البرجوازية بتغيير هيمنتها الثقافية بثقافة شعبية تحررية. وفي ما يخص المغرب تغيير الهيمنة الثقافية الرجعية المخزنية.

كما يمكن ملاحظته، اننا طوال هذه النصوص نتحدث عن منهجية غرامشي العملية / البراكسية، كطريقة حية للتفكير والتعبير وليس نسخا مجردا لما جاء به. لقد صاغ غرامشي مفاهيم معرفية واستعملها بشكل منتج خلاق، شغله في ذلك شغل النحات الماهر. ليس كل من يستعمل أدوات تقنية يحسن العمل بها. من نواقص فصائل اليسار الجديد، لأنه الذي يهمنا بشكل مباشر وكذا باقي القوى التقدمية. أنها، أي قوى اليسار الجديد، لا زالت الى هذا الحد أو ذاك سجينة نسخ الأفكار بشكل كبير. وأنها جراء هذا لا عدم مراجعة ذاتها والتخلص من التنظيرات الجاهزة للاشتراكية الديمقراطية وخاصة الشيوعية الكلاسيكية.

كلمة لا بد منها

أعتدر للقارئ الكريم كوني إذا لم أدقق بما فيه الكفاية، ولم أتعمق بالشكل الضروري، لأن ذلك يتطلب وقتا كافيا وجهدا مضنيّا، الأمر الذي لم أعد أتوفر عليه. نظرا للحالة الصحية التي طغى وجودها، ولم يعد يسمح بالتركيز أكثر من ربع أو نصف ساعة دون التوقف والاستراحة لمدة يمكنها أن تطول. ومنه بعض النصوص جاءت متعاقبة وبعضها جاء متباعدا. لذا ان سمحت الظروف أخدت الوقت الكافي لتوضيح ما غمض والتوسع في ما هو ضروري.

طبعا الشكر، كل الشكر، لمن ساعد على نشر هذه النصوص وكل من حاورني بشأنها.

مع أطيب تحية ودية للقارئ الكريم

محمد المباركي

13 يوليوز 2021

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube