الأستاذ عبد الواحد العمروي:

  • أستاذ متقاعد
  • عضو سابق في النقابة الوطنية للتعليم العالي
  • رئيس سابق للجمعية المغربية لطب العيون

بدأ العد العكسي لمصادقة البرلمان على مشروع القانون 33/21 الذي يخول للأطباء الأجانب مزاولة مهنة الطب في القطاع الخاص بعد أن كان الأمر يقتصر على القطاع العام فقط. عن ملابسات هذا القرار وتبعاته أعد الأستاذ عبد الواحد العمراوي الورقة التالية:

بعد أن تمكن المغرب من الحد من انتشار وباء كورونا وهو في أوج دراسة مشروع التنمية البشرية الجديد طلعت علينا الحكومة بمشروع قانون يسمح للأطباء الأجانب بممارسة هذه المهنة الشريفة داخل التراب الوطني لسد الخصاص في المنظومة الصحية، ولعل ما تبقى من الوقت يتيح لذوي الاختصاص ولمختلف مكونات المجتمع المدني سواء منها العاملة في القطاع الصحي أو التي تعكس المصالح الحيوية لمستهلكي الخدمات الصحية، الإدلاء بالرأي ولم لا بالنصح ما دام أن الأمر يتعلق بالمساهمة في وضع منظومة صحية تكون في مستوى حماية أغلى ما يملكه الإنسان ألا وهو صحته.

لقد فاجأنا وزير الصحة باستصدار قانون يخول بموجبه للأطباء الأجانب مزاولة مهنة الطب كحل لمعضلة الصحة في المغرب، وإذ نعتقد بأن هذا القانون ينطبق عليه المثل الشعبي المغربي القائل ( آش خاصك آلعريان؟ …خاتم يامولاي) فإننا نرى بأن واجبنا الوطني والمهني يحتم علينا التنبيه إلى مخاطر وضع صحة المواطنين المغاربة تحت رحمة الأجانب الذين سوف لن يأتون للمغرب حبا في تقوية منظومته الصحية وإنما بحثا عن تحقيق الأرباح الطائلة في أسرع وقت ممكن.

ما يسترعي الانتباه هو أن هذا القانون جاء مباشرة بعد تمرير القانون 113/13 الذي يعطي الحق للرأسمال المغربي والأجنبي الاستثمار في القطاع الطبي بعد أن كان هذا الحق يقتصر على الأطباء فقط، فما لم تكن هناك منظومة صحية تقنن ممارسة هذا الحق وتجعل صحة المواطن والمجتمع فوق كل اعتبار فإن منطق العرض والطلب قد يحول المغرب إلى أرض خصبة لانتشار “الفضاءات الصحية الكبرى” التي لا تتردد في إغراء “الزبناء” عبر مختلف الأساليب المتاحة لتفرض بذلك علاقات تنافسية قد تفرض تعميم تراجع نوعية الخدمات الصحية وقد تزيد من معاناة من يتعذر عليهم التوجه إلى مراكز العلاج الباهظة الثمن.

إننا إذ نذكر بأن “الصحة” ليست “سلعة” وإنما هي “نعمة”، على كل المعنيين بالقطاع ألصحي أن يحرصوا على ديمومتها وعلى وقايتها، لا يسعنا إلا أن نتساءل كيف أن المغرب الذي عمد بالأمس القريب إلى جعل المغادرة الطوعية تشمل 3300 أستاذا جامعيا من بينهم 60 أستاذا من كلية الطب بالدار البيضاء و 75 أستاذا من كلية الطب بالرباط، فضلا عن المئات من الأطباء والممرضين يسارع اليوم إلى تهييئ الأجواء لتهافت المتهافتين على الفوز بأكبر حصة من “الكعكة” الصحية التي صارت تُسيل اللعاب منذ أن توجه المغرب نحو تعميم التغطية الصحية الإجبارية على شرائح واسعة من المجتمع المغربي.

إن عدم تمكن الحكومات من ضبط التحكم في تطبيق مشروع التوقيت الكامل المعدل ترتب عنه إفراغ المستشفيات الجامعية من الأطر الطبية مما أثر بشكل كبير على جودة التكوين، وبعد أن تم بناء كليات جديدة للطب فإن معضلة نوعية التكوين تفاقمت وانعكست على الوضع الصحي المتميز بكونه يسير بمستويات متفاوتة حسب قدرة “الزبون” على تحمل كلفة العلاج.

إن كل من يسعى فعلا إلى حماية المنظومة الصحية المغربية من السقوط في هفوات قد تنعكس سلبا حتى على ما تبقى فيها من إيجابيات، لا يمكنه إلا أن يدق ناقوس الخطر ويعمل بالحكمة الشعبية القائلة “ألف تخميمة وتخميمة ولا ضربة بالمقص”، وكل من يسعى فعلا إلى تنفيذ التعليمات الملكية الداعية إلى إعادة النظر في المنظومة الصحية الحالية ليس أمامه إلا أن يأخذ بعين الاعتبار ما تتضمنه هذه المنظومة من مواطن قوة وما تتضمنه كذلك من مواطن خلل، وليس لديه من خيار أفضل من وضع كل طرف في الفضاء الذي يمكن له أن يعطي فيه كامل العطاء، وهنا نتساءل هل نتوفر على التقييم المادي الذي سيصاحب المشروع الجديد؟ هل نعرف عدد السنين التي سيتطلبها إنجاز هذا المشروع؟ هل ستعطى الفرصة لكافة القوى الحية من أجل الإدلاء برأيها على غرار الندوة التي عقدت في الثمانينيات بوارزازات والتي أبرزت أهمية القطاع الوقائي وخاصة ما يرتبط منه بالتلقيح، إذا كانت هذه هي نظرة المسؤولين فنحن نحبذها ونشجعها لأنها ستمهد للشروع في تنفيذ ورش حل معضلة الصحة في المغرب، أما إذا كان الأمر غير ذلك فإنه سيكون من الخطأ عدم الاستفادة من أخطائنا السابقة، ومن أبرز هذه الأخطاء مراكمة الحلول الترقيعية التي نؤدي ثمنها مند الاستقلال.

إن التذبير الأمثل للمنظومة الصحية يمر بالضرورة عبر ترشيد الإمكانيات المتاحة وعبر تحديد الحاجيات والأولويات، وقد لا نكون مبالغين إن قلنا بأن مجرد عملية الترشيد ستمكن من حل حوالي 30% من المشاكل التي يتخبط فيها القطاع الصحي، وقد لا نكون مجانبين للصواب إن اعتبرنا بأن توفر النية الصالحة في إصلاح القطاع الصحي يقتضي التعجيل بتوفير الإطار الملائم لاستقبال الأطر والتجهيزات الطبية إذ لا يمكن استقبال أطر وتوظيفها في أماكن تفتقر إلى الماء والكهرباء كما لا يمكن الحديث عن حل المعضلة الصحية في المغرب دون إعادة النظر في الصفقات العمومية التي تشكل هدرا مأساويا للمال العام أما الترخيص للأجانب بمزاولة الطب في المغرب فإنه لن يتطلب أي تغيير قانوني إذا اقتصرت الممارسة على المؤسسات العمومية إذ سبق للوزارة أن جلبت أطباء أجانب كالصينيين والبلغاريين. فالأطباء الأجانب لا يشكلون إلا حلقة ضعيفة من المنظومة الصحية، بينما الترخيص للأجانب بمزاولة الطب في القطاع الخاص يمكنه أن يفتح الباب على مصراعيه أمام إقامة أسواق كبرى للطب تكون فيها العروض المغرية فارغة من الجوهر الطبي المراد حمايته وتقويته.

إن التخوف من استفحال معضلة المنظومة الصحية يفرض التأكيد على ما يلي:

  • لا يعقل تماما أن يتوفر المغرب على عدة مجالس عليا دون أن يتوفر على مجلس أعلى للصحة مهمته الحرص على تتميم البرامج المسطرة والحيلولة دون توقف العمل بها عند انتهاء ولاية الوزير وتعويضه بآخر
  • لا يعقل أن لا تخضع كليات الطب والصيدلة في المغرب لإصلاح يشمل أيضا تزويدها بالإمكانيات التي تؤهلها لإنجاز المهام المنوطة بها
  • ولا يعقل تماما أن لا يكون هناك بحث علمي
  • ولا يعقل أن يقتصر دوام طبيب اختصاصي على أسبوع واحد في الشهر
  • كما لا يعقل تعيين طبيب في منطقة تفتقر إلى الحدود الدنيا لمزاولة المهنة

من هذا المنطلق نسائل الوزير الوصي على القطاع لماذا الاستعجال لتمرير القانون علما بأن الظرفية الراهنة المتميزة بالتعبئة الشاملة لمواجهة جائحة كورونا تقتضي التريث، والمساءلة تستمد شرعيتها من كون الهرولة التي ميزت مراحل إقراره توحي بأن الهدف منه هو تكملة المرحلة الأولى التي أسفرت عن إقرار قانون يعطي لغير الأطباء أحقية الاستثمار في القطاع الصحي

ومن هذا المنطلق كذلك ندعو إلى إقرار مجلس وطني للصحة وإلى التعجيل بسحب المشروع، كما نؤكد على ضرورة الاعتماد أولا على الأطر والإمكانيات والمؤهلات المتاحة على كل مستوى وإذا تبين بأن هناك حاجة إلى إشراك الأجانب لتغطية الخصاص فحينها يمكن اتخاذ الإجراء القانوني الملائم

.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube