الحوار من إعداد ذ. المصطفى القادري اليملاحي

ح.ب:
وفقا للبلاغ الصادر اليوم عن وزارة الشؤون الخارجية و التعاون اللإفريقي و المغاربة المقيمين بالخارج، ردا على القرار الذي اعتمده البرلمان الأوروبي يوم الخميس العاشر من يونيو 2021. البلاغ الذي اعتبر أن القرار لا يغير من الطبيعة السياسية للأزمة الثنائية بين المغرب و إسبانيا، كما ندد باستخدام قضية القاصرين عير المرفوقين كذريعة للإلتفاف على الأسباب الحقيقية للأزمة السياسية مع الجارة إسبانيا، التي حاولت إضفاء الطابع الأوروبي على الأزمة في مناورة يائسة لتحويل أنظار الرأي العام الإسباني و الدولي نحو مسألة ثانوية.
كما أكد البلاغ أن المغرب لا يحتاج إلى أي ضمان في إدارته للهجرة، إذ لم يعد منطق الأستاذ والتلميذ صالحا، فنهج الاستاذية أصبح متجاوزا ومنطق العقوبة أو المكافأة لا يمثلان دافعا لهذا التحرك، وإنما هو الاقتناع بالمسؤولية المشتركة.
على ضوء هذه المستجدات، هل تعتقدون أن التطورات الأخيرة من قبيل الإعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء و قيام المغرب بترسيم حدوده البحرية إضافة إلى التطورات المتعلقة بقضية الوحدة الترابية كحادثة الكركرات قد أربكت حسابات الجارة الشمالية؟

ج.م.م.س:

الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول لله وآله وصحبه.
عرفت السنوات الأخيرة تطورات ملموسة، على عدة مستويات :
فعلى مستوى الأمم المتحدة : أقبرت القرارات الأخيرة لمجلس الأمن، المقاربات والأطروحات المتجاوزة وغير الواقعية.
كما أكدت على المشاركة الفعلية للأطراف المعنية الحقيقية، في هذا النزاع الإقليمي؛ ورسخت بشكل لا رجعة فيه، الحل السياسي، الذي يقوم على الواقعية والتوافق.
وهو ما ينسجم مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي تحظى بدعم مجلس الأمن، والقوى الكبرى، باعتبارها الخيار الطبيعي الوحيد لتسوية هذا النزاع.
أما على مستوى الاتحاد الإفريقي : فقد تخلصت هذه المنظمة، بفضل رجوع المغرب إلى بيته الإفريقي، من المناورات التي كانت ضحيتها لعدة سنوات.
وأصبحت تعتمد على مقاربة بناءة، تقوم على تقديم الدعم الكامل، للجهود التي تبذلها الأمم المتحدة، بشكل حصري، من خلال أمينها العام ومجلس الأمن.
وعلى المستوى القانوني والدبلوماسي : فتحت عدة دول شقيقة، قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة؛ في اعتراف واضح وصريح بمغربية الصحراء، وتعبيرا عن ثقتها في الأمن والاستقرار والرخاء، الذي تنعم به أقاليمنا الجنوبية.
وبالموازاة مع ذلك، ترفض الأغلبية الساحقة من المجتمع الدولي، الانسياق وراء نزوعات الأطراف الأخرى.


فقد بلغ عدد الدول، التي لا تعترف بالكيان الوهمي 163 دولة، أي 85% من الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة.
وقد تعزز هذا التوجه باعتماد القوى الدولية الكبرى لمواقف بناءة، ومنها إبرام شراكات استراتيجية واقتصادية، تشمل دون تحفظ أو استثناء، الأقاليم الجنوبية للمملكة، كجزء لايتجزأ من التراب المغربي.


واستنادا إلى هذه المكتسبات، يؤكد المغرب التزامه الصادق، بالتعاون مع معالي الأمين العام للأمم المتحدة، في إطار احترام قرارات مجلس الأمن، من أجل التوصل إلى حل نهائي، على أساس مبادرة الحكم الذاتي.
كما سيظل المغرب ثابتا في مواقفه. ولن تؤثر عليه الاستفزازات العقيمة، والمناورات اليائسة، التي تقوم بها الأطراف الأخرى، والتي تعد مجرد هروب إلى الأمام، بعد سقوط أطروحاتها المتجاوزة.
وهنا نؤكد رفضنا القاطع، للممارسات المرفوضة، لمحاولة عرقلة حركة السير الطبيعي، بين المغرب وموريتانيا، أو لتغيير الوضع القانوني والتاريخي شرق الجدار الأمني، أو أي استغلال غير مشروع لثروات المنطقة.
وسيبقى المغرب، إن شاء الله، كما كان دائما، متشبثا بالمنطق والحكمة؛ بقدر ما سيتصدى، بكل قوة وحزم، للتجاوزات التي تحاول المس بسلامة واستقرار أقاليمه الجنوبية. وإننا واثقون بأن الأمم المتحدة والمينورسو، سيواصلون القيام بواجبهم، في حماية وقف إطلاق النار بالمنطقة.
1

ح.ب:
جلالتكم، هل ستؤثر الأزمة الحالية مع إسبانيا والقرار الأخير للإتحاد الأوروبي على قضية ترسيم الحدود البحرية، و استكمال المشاريع المبرمجة؟

ج.م.م.س:

أكمل المغرب خلال هذه السنة، ترسيم مجالاته البحرية، بجمعها في إطار منظومة القانون المغربي، في التزام بمبادئ القانون الدولي وسيظل المغرب ملتزما بالحوار مع جارتنا إسبانيا، بخصوص أماكن التداخل بين المياه الإقليمية للبلدين الصديقين، في إطار قانون البحار، واحترام الشراكة التي تجمعهما، وبعيدا عن فرض الأمر الواقع من جانب واحد.
فتوضيح نطاق وحدود المجالات البحرية، الواقعة تحت سيادة المملكة، سيدعم المخطط، الرامي إلى تعزيز الدينامية الاقتصادية والاجتماعية.

وانطلاقا من هذه الرؤية، ستكون الواجهة الأطلسية، بجنوب المملكة، قبالة الصحراء المغربية، واجهة بحرية للتكامل الاقتصادي، والإشعاع القاري والدولي.
فإضافة إلى ميناء طنجة -المتوسط، الذي يحتل مركز الصدارة، بين موانئ إفريقيا، سيساهم ميناء الداخلة الأطلسي، في تعزيز هذا التوجه.

سنواصل العمل على تطوير اقتصاد بحري حقيقي، بهذه الأقاليم العزيزة علينا؛ لما تتوفر عليه، في برها وبحرها، من موارد وإمكانات، كفيلة بجعلها جسرا وصلة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي.
وفي هذا الإطار، يتعين الاستثمار في المجالات البحرية، سواء تعلق الأمر بتحلية ماء البحر، أو بالطاقات المتجددة، عبر استغلال مولدات الطاقة الريحية، وطاقة التيارات البحرية.
وبموازاة ذلك، يجب مواصلة النهوض بقطاع الصيد البحري، لدوره في النهوض باقتصاد المنطقة، وإعطاء دفعة جديدة، للمخطط الأزرق، تجعل منه دعامة استراتيجية، لتنشيط القطاع السياحي بها، وتحويلها إلى وجهة حقيقية للسياحة الشاطئية.
1

ح.ب:
مما لا شك فيه أنكم تابعتم الصور المحزنة لألاف من الأطفال و الشبان المغاربة يخاطرون بأرواحهم من أجل العبور نحو الضفة الشمالية، ألا ترون جلالتكم، أن الوقت قد حان لإطلاق مشروع تنموي حقيقي يضمن النهوض بالمجال الإجتماعي و تحسين ضروف عيش المواطنين و المواطنات؟

ج.م.م.س:
إننا نحرص دائما على تلازم تحقيق التنمية الاقتصادية، بالنهوض بالمجال الاجتماعي، وتحسين ظروف عيش المواطنين.
لذلك، دعونا لتعميم التغطية الاجتماعية لجميع المغاربة.
وهو مشروع وطني كبير وغير مسبوق، يرتكز على أربعة مكونات أساسية:
– أولا: تعميم التغطية الصحية الاجبارية، في أجل أقصاه نهاية 2022، لصالح 22 مليون مستفيد إضافي، من التأمين الأساسي على المرض، سواء ما يتعلق بمصاريف التطبيب والدواء، أو الاستشفاء والعلاج.
– ثانيا: تعميم التعويضات العائلية، لتشمل ما يقارب سبعة ملايين طفل في سن الدراسة، تستفيد منها ثلاثة ملايين أسرة.
– ثالثا: توسيع الانخراط في نظام التقاعد، لحوالي خمسة ملايين من المغاربة، الذين يمارسون عملا، ولا يستفيدون من معاش.
-رابعا: تعميم الاستفادة من التأمين على التعويض على فقدان الشغل، بالنسبة للمغاربة الذين يتوفرون على عمل قار.
ولهذه الغاية، ندعو للتشاور الواسع، مع جميع الشركاء، واعتماد قيادة مبتكرة وناجعة لهذا المشروع المجتمعي، في أفق إحداث هيأة موحدة للتنسيق والإشراف، على أنظمة الحماية الاجتماعية. 2

ج.ب:
رغم أن هذا الورش الوطني يبدو واعدا في مضامينه، لكن ألا ترون جلالتكم أن الشباب المغربي أصبح يعيش على إيقاعات هوس الهجرة، فأين هو دور التعليم في إنتاج مواطن تملؤه الثقة بإمكانيات وطنه؟

ج.م.م.س:
لقـد أكـدنـا فـي منـاسبـات عـديـدة عـلى العنـايـة الخـاصـة التـي نـوليهـا للنهـوض بـالتعليـم، انطـلاقـا مـن إيمـاننـا الـراسـخ بـأدواره الحـاسمـة، كـرافعـة لتحقيـق التنميـة المستـدامـة، فـي مختلـف الميـاديـن الاجتمـاعيـة والاقتصـاديـة والثقـافيـة والبيئيـة.
فهـو الـركيـزة الأسـاسيـة لتـأهيـل الـرأسمـال البشـري، كـي يصبـح أداة قـويـة تسـاهـم بفعـاليـة فـي خلـق الثـروة، وفـي إنتـاج الـوعـي، وفـي تـوليـد الفكـر الخـلاق والمبـدع، وفـي تكـويـن المـواطـن الحـريـص عـلى ممـارسـة حقـوقـه، والمخلـص فـي أداء واجبـاتـه. المتشبـع بـالقيـم الكـونيـة المشتـركـة، وبـالإنسـانيـة المـوحَّـدة، المتمسـك بهـويتـه الغنيـة بتعـدد روافـدهـا، وبمبـادئ التعـايـش مـع الآخـر، والمتحصـن مـن نـزوعـات التطـرف والغلـو والانغـلاق.
وانطـلاقـا مـن هـذه الأهـداف السـاميـة، فـإن الفعـاليـة التـي ننشـدهـا لمـدرستنـا، ينبغـي أن تقـاس، بشكـل جـوهـري، بمـدى استجـابتهـا للحـاجيـات والانشغـالات الأسـاسيـة للشبـاب، بـاعتبـارهـم القـوة المحـركـة للمجتمعـات. وذلـك مـن خـلال تمكينهـم مـن المعـارف والكفـايـات والمهـارات والقيـم واللغـات والثقـافـة، التـي تُنَمِّـي وتُفَتِّـحُ شخصيتهـم، وتُعـزز استقـلاليتهـم، وتُسـاعـدهـم عـلى إبـراز مـؤهـلاتهـم وتحقيـق ذواتهـم، وتـرفـع مـن فـرص إدمـاجهـم الاجتمـاعـي والمهنـي، الـذي طالمـا اعتبرنـاه حقـا للمـواطنـات والمواطنيـن، وليـس امتيـازا لهـم.
كمـا يمكـن أن تقـاس فعـاليـة المـدرسـة، مـن جهـة أخـرى، بمـدى قـدرتهـا عـلى ضمـان التـربيـة والـرعـايـة فـي مـرحلـة الطفـولـة المبكـرة، وإدمـاج كـافـة الأطفـال، بمختلـف شـرائحهـم وفئـاتهـم فـي فضـائهـا، انطـلاقـا مـن مبـدأ تكـافـؤ الفـرص، والعـدالـة الاجتمـاعيـة والمجـاليـة، وخـاصـة فـي المجـال القـروي والمنـاطـق ذات الخصـاص، ولفـائـدة الفتـاة بـالبـوادي والقـرى والأريـاف، والأطفـال فـي وضعيـة هشـة، أو الـذيـن هـم فـي وضعيـات خـاصـة. فضـلا عـن أبنـاء المهـاجـريـن والـلاجئيـن، الـذيـن لهـم الحـق فـي تعليـم يلبـي متطلبـاتهـم الأسـاسيـة، المـرتبطـة بـالتنشئـة والانـدمـاج، سـواء فـي البلـدان المضيفـة، أو فـي بلـدانهـم الأصليـة. 3

ح.ب:
تعلمون جلالتكم أن الكثير من الأصوات تشكك بالمسار و تدعي غياب الإرادة في إنجاز المشاريع الكبرى، هل تعتقدون أن المغرب يسير وفق النهج الصحيح؟

ج.م.م.س:
العديد من المؤشرات تدل على أننا نسير وفق النهج الصحيح، بدليل الإنجازات التي حققها المغرب في السنوات الأخيرة، على أكثر من مستوى، فإن هناك رهانات أخرى يتعين علينا بذل المزيد من الجهود لكسبها.
وهو ما لا يتأتى إلا باعتماد أسلوب ناجع في حكامة وتدبير السياسات الوطنية المعتمدة في الميدان الاجتماعي، من خلال التركيز على الاستثمار في الرأسمال البشري والاجتماعي، الذي يعتبر منطلقا لاعتماد جيل جديد من المبادرات الإصلاحية، الهادفة إلى زرع الأمل وبناء مغرب الغد. 4






ح.ب:
تعلمون يا صاحب الجلالة، أن العديد من الأطفال المغاربة و الأفارقة يعيشون بالشوارع و يشكلون الضحايا الأساسيين لظاهرة الهجرة، ألا يستدعي الأمر وقفة جدية لمعالجة هذه المأساة الإنسانية؟ كيف هي نظرة جلالتكم لهاته المعضلة الإجتماعية؟

ج.م.م.س:

من بين 120 مليوناً من أطفال الشوارع في العالم، هناك 30 مليوناً يكابدون مرارة العيش في شوارع قارتنا. وهو ما يعني أن ربع عدد أطفال الشوارع في العالم هم أفارقة.

وبالإضافة إلى ما يثيره هذا الرقم المهول من قلق شديد، فإنه يعكس واقعاً يتعارض مع القيم العريقة لمجتمعاتنا الإفريقية، القائمة على التضامن وسمو الأسرة فوق كل اعتبار.
ومثل باقي دول إفريقيا والعالم التي تواجه التحدي المرتبط بمشكلة الأطفال بدون مأوى، فإن المغرب لا يحيد للأسف عن هذه الظاهرة.

ولا يمكن لأحد إنكار وجود هذا التحدي، إلا عديم البصيرة ؛ ولا يستهين به إلا فاقد الضمير.
فالقبول بتشرد الأطفال في شوارعنا، بدافع الإنكار أو الاستسلام أو اللامبالاة، هو في حد ذاته قبول بالتعايش اليومي مع شكل من أشكال الإهانة لآدميتنا. وهو موقف غير مقبول على الإطلاق !

وبالتالي، فينبغي لنا أن نوحد جهودنا من أجل التغلب على ما يلاقيه الأطفال من إهمال في كثير من الأحيان، داخل مدننا الإفريقية.
فحياة كل طفل يواجه مصيره وحده في شوارع المدن هي عبارةٌ عن مسار محفوف بالمخاطر، يضع وجوده على المحك في كل لحظة وحين.
وفي خضم هذه الدوامة من البؤس والظلم بمختلف أشكاله، يظل الطفل محط كل الأطماع. فهو غالباً ما يُنتزع قسراً من حضن الأسرة ليبقى عرضة للاستغلال، وسوء المعاملة، والانزلاق إلى مهاوي المخدرات ومخاطر هجرة الأحداث.
5

ح.ب:
ألا ترون أنه لمن المؤسف أن يفقد الألاف من أبناء إفريقيا الأمل في عيش كريم و إتخاذ قرار المغادرة نحو المجهول؟ هل إفريقيا جحيم أم أن المستقبل سيكون إفريقيا؟

ج.م.م.س:
قارتنا فضاءً للآفاق الواعدة، لكنها حتماً، أرض لكل الآمال.
بل إنها على وجه الخصوص، في مركز المشهد العالمي. لذلك، فإن رفع تحديات إفريقيا، سيكون له بالضرورة أثر على الرهانات الجيوستراتيجية الدولية والتحولات الجارية. لقد حان وقت إفريقيا، فالقرن الحالي ينبغي أن يكون قرن إفريقيا بامتياز.

إن ما يبرر هذا الاقتناع بالدرجة الأولى، هو ما تتسم به هذه القارة من حيوية ديمغرافية، إذ أن ساكنتها هي الأكثر شبابا. فتسارع وتيرة التحول الديمغرافي، يدعونا إلى إطلاق مشاريع تنموية كبرى، كفيلة بتغيير واقع القـارة، سواء في ميادين التعليم والصحة، والفلاحة والبنية التحتية، أو في مجال محاربة الفقر.
كل هذا يشكل تحديات يتعين على إفريقيا رفعها، من أجل ضمان بزوغها وانبعاثها. فمتوسط العمر في إفريقيا الآن، لا يتجاوز التاسعة عشرة. وهذا الجيل من الشباب، هو الذي سيبني إفريقيا الغـد، وهو الذي سيساهم في توطيد السلم والاستقرار، وفي تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية للقارة.
لكن شبابنا في حاجة إلى العناية به، وتكوينه، وتحميله المسؤولية، بل وإعطائه ما يستحق من قيمة.
أجل، ينبغي تكوينه من أجل تحويل ما هو متاح اليوم، من مؤهلات وإمكانات اقتصادية، إلى واقع ملموس غدا. فكل إخفاق في هذا المجال، سيكون وبالاً على قارتنا وعلى مناطق أخرى أيضاً.
فهجرة بعض شبابنا نحو آفاق أخرى، في ظروف محفوفة بالمخاطر، بحثاً عن غد أفضل، لا ينبغي أن تصبح قدراً محتوماً، ولا عنواناً لإفريقيا فاشلة.
إن مصلحتنا المشتركة، تقتضي العمل على تنزيل حلول وجيهة ومناسبة، حتى يرى شبابنا مستقبله في إفريقيا، ومن أجل إفريقيا. 6

ح.ب: هل يمكن أن نعتبر أن إنفتاح المغرب الإستراتيجي على العمق الإفريقي يأخذ بعين الإعتبار هذا الإستشراف للمستقبل الإفريقي الواعد؟

ج.م.م.س:
إن المملكة المغربية تدرك أن القارة الإفريقية تختزن الكثير في جعبتهـا، وأن لديها ما يكفي من القدرات والمزايا، للتطور والالتزام والانخراط، بكل جرأة وعزم، ولتحقيق التغير الجذري. فقارتنا سائرة على درب التقدم، ونهضتها أضحت واقعاً ملموساً.


لقد اختارت إفريقيا نهج الانفتاح، من خلال رفضها لمنطق النهب والاستغلال الصارخ لثرواتهـا، مع الحفاظ على قيم التقاسم والتضامن، التي تميز ثقافاتها العريقة.

إن التزام المغرب من أجل إفريقيا، ومن أجل تعاون جنوب -جنوب مثمر، ليس نتاج ظرفية معينة، ولا مصالح ضيقة. فمنذ اعتلائنا عرش المملكة، ما فتأنا ندعو إلى تضامن فعال وأخوي، ومفيد بشكل متبادل، لأننا نعتبر قارتنا الإفريقية واجبَنا ومسؤوليتَنا، وفرصتَنا.
فمنذ سنة 2000، قررنا إلغاء مجموع الديون التي قدمها المغرب للبلدان الأقل تقدماً في القارة. كما اعتُمدت تسهيلات لفائدة صادرات هذه البلدان إلى المغرب.
وكان من نتائج ذلك، ارتفاع حجم الصادرات الإفريقية باتجاه السوق المغربية. فقد أبى المغرب، من خلال هذا الإجراء، إلا أن يجسد على أرض الواقع، التزامه بمسؤوليته وواجبه، المتمثلين في انتهاج سياسة تعاون تعود بالنفع على جميع الأطراف.
فمن منطلق الوفاء بهذه المسؤولية، اختار المغرب نهج الانفتاح والتضامن، واليد الممدودة إلى كافة نظرائه الأفارقة ؛ بموازاة اختيار تعزيز ودعم السلام والاستقرار والأمن في إفريقيا.
وإننا على يقين، بأن هذه الشروط ضروريةٌ لإعداد وإنجاح سياسات اقتصادية واجتماعية، تضمن عيشاً كريما، وحياة أفضل لساكنة إفريقيا.
ذلكم اليقين الذي يسعى المغرب من خلاله إلى العمل، سوياً مع أشقائه الأفارقة، ومع أصدقائهم وشركائهـم، من أجل جعل إفريقيا قارة المستقبل. وهذا هو التصور الذي يؤطر عملنا، لاسيما بعد عودة المغرب إلى حضن أسرته المؤسساتية الإفريقية.
فمسؤوليتنا تقتضي وضع إفريقيا على درب التقدم والتحرر، فضلا عن مدها بالقوة التي تبوؤها مكانتها المشروعة في الساحة الدولية. كما يقع على عاتقنا أيضاً، ألا ندخر جهداً في حشد طاقات الفاعلين والقوى الحية، التي ستضطلع بتجسيد هذا المصير المشترك، الكفيل بتحقيق النهضة الفعلية لإفريقيا. 6

ج.ب:
إسمح لي جلالتكم أن أسائل نواياكم الحقيقية وراء العودة إلى أحضان العمق الإفريقي. هل يتعلق الأمر باستراتيجية تعكس إرادة حقيقة أم أنها مناورة مرحلية لكسب الدعم من أجل ملف الوحدة الترابية؟

ج.م.م.س:
رجوع المغرب إلى أسرته المؤسسية لم يكن فقط بهدف الدفاع عن قضية الصحراء المغربية، والتي تتقاسم معظم الدول الإفريقية موقفه بشأنها.

وإنما هو نابع أيضا من اعتزازنا بانتمائنا للقارة، والتزامنا بالانخراط في الدينامية التنموية التي تعرفها، والمساهمة في رفع مختلف التحديات التي تواجهها، دون التفريط في حقوقنا المشروعة ومصالحنا العليا.
ونود هنا، أن نشيد بالقرارات الأخيرة لقمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، المنعقدة بنواكشوط، وانسجامها مع المواقف والمبادئ الدولية ذات الصلة.
  فهذا الموقف البناء هو انتصار للحكمة وبعد النظر، وقطع مع المناورات التي تناسلت في رحاب الاتحاد الإفريقي، وأضاعت على إفريقيا وشعوبها وقتا ثمينا، كان أحرى أن يوظف من أجل النهوض بالتنمية وتحقيق الاندماج.
وبنفس الروح، سيعمل المغرب على الاستثمار في شراكات اقتصادية ناجعة ومنتجة للثروة، مع مختلف الدول والتجمعات الاقتصادية، بما فيها الاتحاد الأوروبي. إلا أننا لن نقبل بأي شراكة تمس بوحدتنا الترابية.
  وإننا حريصون على أن تعود فوائد هذه الشراكات بالنفع المباشر، أولا وقبل كل شيء، على ساكنة الصحراء المغربية، وأن تؤثر إيجابيا في تحسين ظروف عيشهم، في ظل الحرية والكرامة داخل وطنهم. 7

ح.ب:
ما هو رأي جلالتكم حول العلاقات المغربية الجزائرية؟

ج.م.م.س:
يجب أن نكون واقعيين، وأن نعترف بأن وضع العلاقات بين البلدين غير طبيعي وغير مقبول.


ويشهد الله أنني طالبت، منذ توليت العرش، بصدق وحسن نية، بفتح الحدود بين البلدين، وبتطبيع العلاقات المغربية الجزائرية.
وبكل وضوح ومسؤولية، أؤكد اليوم أن المغرب مستعد للحوار المباشر والصريح مع الجزائر الشقيقة، من أجل تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية، التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين.
ولهذه الغاية، أقترح على أشقائنا في الجزائر إحداث آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور، يتم الاتفاق على تحديد مستوى التمثيلية بها، وشكلها وطبيعتها.
وأؤكد أن المغرب منفتح على الاقتراحات والمبادرات التي قد تتقدم بها الجزائر، بهدف تجاوز حالة الجمود التي تعرفها العلاقات بين البلدين الجارين الشقيقين.
وتتمثل مهمة هذه الآلية في الانكباب على دراسة جميع القضايا المطروحة، بكل صراحة وموضوعية، وصدق وحسن نية، وبأجندة مفتوحة، ودون شروط أو استثناءات.
ويمكن أن تشكل إطارا عمليا للتعاون، بخصوص مختلف القضايا الثنائية، وخاصة في ما يتعلق باستثمار الفرص والإمكانات التنموية التي تزخر بها المنطقة المغاربية.
كما ستساهم في تعزيز التنسيق والتشاور الثنائي لرفع التحديات الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يخص محاربة الإرهاب وإشكالية الهجرة.
ونود هنا أن نجدد التزامنا بالعمل، يدا في يد، مع إخواننا في الجزائر، في إطار الاحترام الكامل لمؤسساتها الوطنية.

واعتبارا لما نكنه للجزائر، قيادة وشعبا، من مشاعر المودة والتقدير، فإننا في المغرب لن ندخر أي جهد، من أجل إرساء علاقاتنا الثنائية على أسس متينة، من الثقة والتضامن وحسن الجوار، عملا بقول جدنا صلى الله عليه وسلم : “ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه”. 7

ح.ب:
بعد الشكر الخالص، تفضلوا جلالتكم، كلمة أخيرة؟

ج.م.م.س:
وفقكـم الله، وسـدد خطـاكـم، وجعـل النجـاح حليـف أعمـالكـم.

المصادر:
1. نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك إلى الأمة بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة.
2. نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية العاشرة.
3. جلالة الملك يوجه رسالة سامية إلى المشاركين في المؤتمر الدولي الثالث والثلاثين حول فعالية وتطوير المدارس.
4. نص الرسالة السامية التي وجهها جلالة الملك إلى المشاركين في الدورة الأولى للمناظرة الوطنية للتنمية البشرية.
5. نص الرسالة السامية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة إطلاق “حملة مدن إفريقية بدون أطفال في الشوارع.
6. نص الرسالة التي وجهها جلالة الملك إلى المشاركين في الدورة السنوية الخامسة لمنتدى كرانس مونتانا بالداخلة.
7. جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء.

طبقنا نظرية كارل روجر عالم امريكي

“نظرية الخطاب الغير الموجه و المعتمد على اعادة صياغة خطاب المتكلم “

4 thoughts on “حصري العاهل المغربي الملك محمد السادس في حوار خاص مع مدير المركز الاوروبي للاعلام الحر “حوار من خلال الخطابات الملكية””
  1. لاشك أنكم لاحظتم أخلاق هذا الملك والنبل الأصيل النابع من وراثة أوامر جده الرسول محمد صل الله وعليه وسلم لن تجدوا في كلامه لا استفزاز والهجوم والتحدي لأي كان رغم مايتلقاه المغرب من خصومه ومن كلام لا يرقى الى المستوى فهو يعمل ثم يعمل وبالصمت ويدعوا للبناء والتشييد ويحقق لبلده ولشعبه كل مايمكن فعله والمزيد آت وقال الله سبحانه وتعالى ” وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون صدق الله العظيم ويقول كذلك من يعمل مثال ذرة خيراً يراه ومن يعمل مثقال ذرة شراً يراه فالجزاء من عند الله بقريب طالبين الله له الحفظ وطول العمر والصحة الجيدة مع كل العائلة الملكية الشريفة

  2. نشكر الأستاذ القدير المصطفى القادري و المركز لتقديمهم لنا هذا الحوار لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده،حيث كنا في أمس الحاجة لمعرفة بعض المواقف و التوضيحات المرتبطة بقضايانا الوطنية و الدولية . لا أستطيع التعليق عن كل ما دار في هذا الحوار القيم خوفا من الإطالة و لكنني وصلت إلى تعبير مختصر مقتنع به يجمع كل ذلك الكلام الطويل الذي كنت سأبوح به ألا و هو ” عاش الملك “موجه المملكة المغربية إلى العزة و الصمود و التنمية و التحدي .

Comments are closed.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube