أحمد رباص – حرة بريس

مباشرة بعد الانتهاء من تناول وجبة الإفطار ذات نهاية يوم رمضاني من سنة جرفتها سيول الزمن الماضي، ولجت إلى حسابي الفيسبوكي المنشئ آنئذ لأجد في انتظاري تحية عطرة من أحد زملائي وكانه يستدرجني إلى دردشة خفيفة.
من باب اللباقة أخبرت صديقي القديم بأني مشغول بفكرة تدشين جداري بموضوع عساه ينال تقدير باقي الأصدقاء الذين تهاطلت علي دعواتهم للترحيب بهم في نادي الأصدقاء.
هكذا عشت لحظات تردد بين تفعيل رغبتي في الكتابة لأول مرة على الفيسبوك وبين التعليق على بعض الأفكار التي جادت بها قريحة بعض الأصدقاء. وبينما أنا كذلك إذا بعزيز كوكاس يدعوني للرد على فكرته التي عبر عنها هكذا : ” برفقة أعز ما أملك مكتبتي الصغيرة فوق سطح المنزل، كما لو أني كنت اود أن أنشر باكرا، ولما لم أستطع حينها تعلمت أن انشر كالغسيل ذاتي وكتبي فوق بيتنا بحي الخير يوم هاجمتنا المياه ولم تسلم كتبي من الغرق في 1986.”
بعد الانتهاء من قراءة هذه التلميحة، تنفست الصعداء وكاني عثرت على ضالتي.
أعدت قراءة التدوينة باهتمام خاص وتفحصت الصورتين المرفقتين مليا ثم شرعت في الكتابة معلقا على فكرة الصديق العزيز كوكاس. من خلال الصورتين، يظهر أنك تفضح المستور وتنشر المنشور؛ بمعنى أنك وضعت الأصبع على الجرح وأن الكتب والمطبوعات المبللة الماثلة في الصورة نشرت – للمرة الثانية – على السطح حتى تتعرض لما يكفي من دفء الأشعة الشمسية وتتماسك من جديد. لقد أوحى لي صنيعك هذا بأشياء كثيرة سأحاول أن أخص منها بالذكر واحدة تتعلق بنمط ونظام الدراسة اللذين كنا نخضع لهما – نحن أبناء الطبقات الفقيرة.

لم يكن للواحد منا حجرة خاصة به تحتوي على سرير وتير ومكتبة تنتظم فيها الكتب والوثائق التي كنا في أمس الحاجة إليها لتوسيع آفاق معارفنا.
في ظل هذا الوضع كنا نكتفي بتدوين ما يلقى على مسامعنا من دروس ومحاضرات تمهيدا لحفظها عن ظهر قلب استعدادا للامتحان الذي يعز فيه المرء أو يهان. وعندما لا يجد الأساتذة أثناء التصحيح والتقويم لأوراق الامتحان أي بصمة خاصة بالممتحن من شأنها التأشير على ذكائه وكفايته يقولون : هذه بضاعتنا ردت إلينا.
كما لا زلت أذكر كيف أن الأستاذ علي أومليل ، لما لاحظ أن الطلبة يدونون في كراساتهم أي كلمة صدرت عنه في معرض تقديم محاضراته قال لهم : “الله يعفو عليكم من كتابة كل شيء”. ها أنت ترى كيف أصبح الطلبة الفقراء مسؤولين عن ظهور وإشاعة المقولة الأخيرة (بضاعتنا ردت إلينا) بعدما كانوا يظهرون في صورة أبطال من خلال المقولة التليدة التي مفادها : لولا الفقراء لضاع العلم!

لهذه الأسباب، نجد أن أغلب خريجي كلياتنا، خاصة كليات الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، يتوقفون عن القراءة وكأنهم لم يراهنوا خلال مسارهم الدراسي سوى على الوظيفة والسيارة والبيت والزوجة زائد الأولاد.
وإذا ما قدر لهم أن يجتازوا امتحانا للترقية نجدهم يلتجأون إلى الباشوطاج (Bachotage). وحتى أعفيك أخي عزيز من تجشم عناء البحث في القواميس عن معنى هذه الكلمة أرى من واجبي أن أشرحها لك. يعني الباشوطاج أن المترشح للامتحان المهني يكتفي بأن يستجمع بعض الوثائق ذات الصلة بالمواد التي سيمتحن فيها ويقوم بقراءتها خلال مدة وجبزة تفصله عن موعد الامتحان.
إذا كانت نتيجة الامتحان إيجابية فإن صاحبنا يودع القراءة إلى أجل غير مسمى. أما إذا كانت سلبية فلسان حاله يقول : إلى باشوطاج لاحق! كيف ننتظر من طالب فقير لم يتعود على القراءة “بقواعدها”وبشكل منظم أن يستمر في القراءة خلال حياته العملية؟ الدراسة المستدامة في المغرب بقيت حكرا على العائلات العريقة التي تحرص على أن توفر لأبنائها كامل الشروط المادية والمعنوية ليتشربوا متعة القراءة و يستمرئوا النظام منذ نعومة أظافرهم. لست أذكر الموضع الذي قرأت فيه أن أحد أقطاب الزاوية الكتانية كان شغوفا بالقراءة في مكتبته العامرة بنفائس الكتب. من خلال السياق المقروء ترسخ في ذهني أن تفرغ الكتاني للقراءة كان على حساب المريدين الذين يقدمون له الهدايا والعطايا بدون حساب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *