محمد المباركي

3 – عصر الأنوار

شكل عصر الأنوار الممثل في القرن الثامن عشر أساسا بأوروبا تجاوزا هاما للتصورات والمعتقدات القديمة عبر تحرير العقل. الأمر الذي نتج عنه حرية الفكر والمعتقد وانفتاح المجتمع للآراء الجديدة. إذا قارنا عصر الأنوار الأوروبي بالعصر الذهبي لحضارتنا أمكن القول أنه بالفعل كانت هناك ارهاصات وبدايات للتحرير العقل على يد المعتزلة عهد الأمين والمأمون و المعتصم، وكذا الفلاسفة الذين طوروا الفكر الفلسفي و الوضعي الذي جاء به اليونان، أمثال الكندي، الفارابي، الشهرستاني، ابن سينا…وغيرهم في المشرق الإسلامي. ابن باجة، ابن طفيل وابن رشد في عهد المنصور الموحدي عندنا بالمغرب والاندلس وغير هؤلاء العلماء كثيرون. الا أن الفارق بين عصر الأنوار الأوروبي وعصر حضارتنا الذهبي، كون فكر هذا الأخير لم يعمم ليشاع بين ففئات عريضة من المجتمع، كما حصل لفكر فلاسفة وأدباء عصر الأنوار الأوروبي، أمثال ديدرو، فلتير، روسو، أدم سميث، جون لوك… وغيرهم كثيرون. .

لم يكن عصر الأنوار طفرة عقلية أتت من فراغ، فهو نتاج صراع فكري واجتماعي طال كل العصر الوسيط والذي لعب فيه مفكري وفلاسفة حضارتنا دورا محوريا. فانطلاقا من المنتوج الفكري والفلسفي العربي – بمفهوم أن المنتوج الفكري المعبرعنه كان باللغة العربية – الذي ترجم الى اللغة اللاتينية خاصة، وباقي اللغات الأوروبية عامة. هكذا شاع المنظور العقلي للكون والوجود والحياة عند الغرب بينما ظل محصورا عندنا لينقرض مع عصور الانحطاط. لحد يمكن القول بألم شديد، في الحين الذي أقلعت النهضة الفكرية والعلمية ولثقافية بالمجتمعات الغربية، عرفت مجتمعاتنا العربية ردة ثقافية وفكرية مع شيوع الفكر الغيبي مكان الفكر الفلسفي المتحرر. هذا التقهقر الذي تعاني منه مجتمعاتنا العربية، لازال مخيما بجهله، عنوانه سيادة الاستبداد الفكري والسياسي. تروجه دول بدائية مستبدة بالحكم كما ينعت مثيلتها غرامشي.

الفلسفة الاغريقية التي حررت العقل، عرفت جميع مذاهبها الفكرية طريقها للغرب عبر تراثنا، الذي لم يكن قنطرة عبور فقط كترجمة لما سبقه من حكمة الفرس والهند وفلسفة الاغريق، بل شكل عنصرا منتجا على مستوى عال من الابتكار والتعمق في البحوث العقلانية. فكتاب ” الكوميدية المقدسة ” ل دانتي، الذي يعد المؤلف الأهم عند انطلاقة مواجه المرجعية اللاهوتية ليوم البعث، نجد مجمل فكرته موجودة في “رسالة الغفران ” لأبي العلاء المعري. وكتاب” الأمير” ل مكيافيلي الذي يعد مرجعا أساسيا في علم السياسية، لم يخرج في عمقه عن منظور ابن خلدون حول دور الحاكم المستبد في اثبات الوازع أي السلطة والحكم والعدل وكل ما يخص ضمان سلطته. فابن خلدون كان يحلم برجوع الإمبراطورية العباسية بالمشرق والموحديّة بالمغرب، وذلك بوجود حاكم عادل وحّد أجزاء الدولة لضمان ازدهار المجتمع. نفس الطموح نجده عند مكيافيلي الذي ينظّر بل يدعو لحاكم مستبد مستنير يضمن تحرير أجزاء ايطاليا المحتلة وتوحيدها في إطار دولة قوية مهابة يسود فيها الرخاء والعدل. هي نفسها النظرة التي نجدها عند غرامشي في صراعه ضد الحكم الفردي سواء عند الفاشي موسوليني أو أي دكتاتور آخر والذي رأى في كل منهما، صورة الحاكم المستبد الذي شخص طبعه مكيافيلي. هذا المستبد المستنير يماثله في حضارتنا ليومنا هذا المستبد الشرقي الحاكم بأمر الله أو الجيش أو هما معا. عوض الحاكم المستبد طرح غرامشي حزب الشعب الذي تمثله الطبقة العاملة لإقرار مجتمع يسوده المساواة والعدالة الاجتماعية. هكذا نجد سواء، عند ابن خلد أونمكيافيلي أو عند غرامشين، كل حسب منظورة، نظرا لاختلاف المراحل التاريخية ومعها نوع السلط والمجتمعات، أن الغاية عندهم جميعا، اقرار الدولة وتحقيق العدالة بين الناس لضمان لحريتهم.

إذا كان عصر الأنوار قد شكل ثورة ثقافية على الموروث اللاهوتي المجسد في الكنيسة أساسا، مكنه تحرير العقول، فان الثورة الصناعية بإنجلترا بداية القرن التاسع عشر، ثم في الفرنسية التي تبعتها لتعرف طريقها للمجتمعات التي عمها التصنيع، تولد عنها اجتماعيا تشكيل طبقة جديدة، هي الطبقة العاملة والتي ستلعب دورا أساسيا خلال المرحلة الصناعية والحضارة التي مثلتها. هذه الطبقة التي سيحتضنها الفكر والنهج اليساري ويبني على وجودها كل آمال التحرير والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. أي أن الطبعة العاملة أصبحت محرك التاريخ التحرري للإنسانية جمعاء. بدءا بالمجتمعات البرجوازية/الرأسمالية وعبرها باقي المجتمعات. مع تطور دور الطبقة العاملة وطليعتها البلوريتاريا ستتكون اتجاهات فكرية ونظرية وسياسية داخل اليسار والقوى المجسد له. منها من يرى التغيير عبر العنف كوسيلة لمواجهة العنف الذي تسلطه الطبقة أو الشريحة المستبدة بالحكم والتي تستغل الخيرات البشرية والطبيعية للبلاد عبر أداة الدولة. وهناك من يرى التغيير عبر صيرورة شاقة طويلة لتغيير موازين القوى السياسية كمدخل لترسيخ أسس الدولة الديمقراطية. نجد هنا النوعين من الصراع الطبقي الذي شبههما غرامشي بالحرب المتحركة مقابل حرب المواقع.

4 – الثورة الفرنسية

لا يمكن الحديث عن اليسار دون الوقوف عند الثورة الفرنسية التي أثبت شرعيته في تسيير دواليب الدولة وخاصة بعد القضاء على الحكم الملكي ووضع مكانه الحكم الجمهوري عام 1789. يمكن القول أن الثورة الفرنسية و مشروعها الانساني التحرري الممثل في وثيقة ” الحقوق الكونية للإنسان و المواطن ” تجسيدا للثورة الثقافية لعصر الأنوار. الذي جسد بوابة لثورة ثقافية واجتماعية على المستوى الكوني والتي لا زالت قائمة الى يومنا هذا. لأن الفكر اليساري هو أساسا ثورة ثقافية مستمرة يساير المجتمع من أجل تحريره من الموروث الثقافي العتيق لتعميم الوعي بالحقوق الطبيعية والاجتماعية الممثلة في حرية التعبير والمساواة بين كل البشر. كانت الثورة الفرنسية بزعامة البرجوازية المتنورة كممثلة للغالبية المقهورة آنذاك، من فلاحين الفقراء وحرفيين صغار. كان المجتمع قبل التصنيع في غالبيته يتكون من الفلاحين الفقراء الذين يعيش جلهم كأقنان عند النبلاء، ومن منتجين صغار وكذا باقي الحرفيين والتجار…

مع التصنيع كبرت الحواضر عبر النزوح من البادية لإمداد المصانع باليد العاملة. نظرا لظروف العمل المضنية في المعامل والمناجم وساعات العمل التي كانت تتجاوز 12 ساعة في اليوم و6 أيام في الأسبوع طيلة السنة. هذه الوضعية الشاقة والمهينة المضنية جعلت الشغيلة تلتف حول التنظيمات اليسارية التي تطالب بانعتاقهم وتحريرهم من العبودية الجديدة التي هم فيها، عبودية الرأس المال. حينها ظهرت نظريات داخل اليسار كلها تدعي تحرير الطبقة العاملة وعبرها مجموع الشغيلة والمواطنين. وأن ذلك لن يحصل سوى في مجتمع اشتراكي تسوده العدالة الاجتماعية وحقوق المواطنة الكاملة. أمام تعنت الطبقة الرأسمالية الجديدة والمسيطرة على دواليب الدولة والتي وجدت في السياسة الأمنية والقمعية الوسيلة الوحيدة لضمان استمرارية هيمنتها الاقتصادية والسياسية وان كان ذلك على حساب الأغلبية الساحقة من الشعب، لم يكن لليسار العمالي الناشئ سوى خيار التظاهر واللجوء الى العنف الثوري المنظم كما حدث في ثورة 1830 و1848 بفرنسا، التي أطاحت مرة ثانية بالملكية، التي عادت للسلطة بعد انهزام جيوش نابليون عام 1815. خلال القرن التاسع عشر عمت الثورات والانتفاضات كل البلدان الصناعية، لكن التجربة التحررية والاجتماعية لكمونة باريس/ بلدية باريس 1870 ظلت معلمة خالدة في تاريخ اليسار الذي عرف كيف يواجه الغازي بعد اندحار جيوش ألإمبراطورية الفرنسية أمام الجيش الألماني وخاصة كيف تم خلق مجالس شعبية لتسيير شؤون ساكنة الباريس، العاصمة الثقافية والسياسية للعالم آنذاك.

5 – كمومة باريس الشعبية

جاءت ثورة كمونة باريس مغايرة للثورات التي سبقتها في1789، 1830 و1848، وكذلك الانتفاضات الشعبية في مختلف بلدان أوروبا، وهذا راجع لنوعية قيامها وتنظيمها القاعدي عبر مجالس شعبية في كل القطاعات. خلافا للديمقراطية التمثيلية شكلت تجربة كمونة لباريس تجربة لديمقراطية مباشرة في نمطها العام مما التي ألهمت عقول وتصورات اليسارين ليومنا هذا ومنه كان نعت ثورة 1905 بثورة المجالس الشعبية/السوفييت وكذلك ثورة أكتوبر 1917 الروسية الكبرى التي أطاحت بالاستبداد وضعت مكانة جمهورية المجالس الشعبية/السوفيتية المتحدة. لكن سواء تجربة مجالس 1905 أو 1917 لم تكن في المستوى الديمقراطي الواعي الذي وصلت اليه التجربة المجالسية لكمومنة/بلدية باريس.

إثر انهيار الإمبراطورية الفرنسية الثانية جراء هزيمة جيوشها أمام جيوش ألمانيا قامت مكانها الجمهورية الفرنسية أواخر عام 1870. أمام حصار جيوش ألمانيا لباريس في شهر مارس 1971، غادرت الحكومة، التي كان يتشكل أغلب أعضائها من الرأسمالين الكبار، بجيشها وبولسيها وبرلمانيها وادارتها. هكذا بقي مصير العاصمة بين أيدي أهاليها. هنا ستظهر العبقرية الخلاقة للجماهير الشعبية حيث ستنظم نفسها عبر مجالس الأحياء والقطاعات المهنية والعسكرية تحت قيادة موحدة أغلبها من العمال والحرفيين أعدت لنفسها اسم “كمونة باريس” كممثل ثوري شرعي للجمهورية عوض الحكومة الهاربة. مما تولد عنه نظامين في فرنسا. الأول تمثله الحكومة البرجوازية للجمهورية الثالثة، وفي المقابل حكومة باريس، التي تمثل المجالس الثورية والتي تعد أول تجربة ثورية ببرنامج اجتماعي بقيادة عمالية. لم تدم ثورة كمونة باريس الا شهرين وبضعة أيام، لكنها ظلت علامة تضيء طريق ثوار العالم كون الشعوب قادرة خلق المعجزات. لقد انهزمت كومنة باريس بعد مقاومة مثالية نظرا لتفوق جيوش الحكومة البرجوازية التي وقعت الهدنة مع ألمانيا لسحق تجربة عمالية ستفتح آفاق قيام نظام اشتراكي ديمقراطي المناقض للنهج الرأسمالي البرجوازي.

من أهم خلاصات كمونة باريس:

– تسليح كل من يستطيع حمله في وجه الغزاة الألمان الذين احتلوا جزء من المدينة وكذا جيش الحكومة البرجوازية،

– القيام بانتخابات حرة لاختيار مجلس قيادة المعركة وتسيير المدينة المحاصرة،

– الى جانب اختيار قيادة التسيير بالانتخاب التمثيلي، بقيت مجالس الأحياء والقطاعات المهنية والعمالية تدار حسب الديمقراطية المباشرة،

– المسؤولين عن أي مهمة كانوا يحاسبون مباشرة وعلى الدوام،

– كل الاتجاهات اليسارية كانت ممثلة في جبهة موحدة، سواء في المجالس القاعدية أو مجلس المدينة التي كان أغلبه من العمال.

– خلق مجالس خاصة لمختف المجالات: صحة، تعليم، عدل، إدارة، جيش، علاقات خارجية، شغل، خدمات اجتماعية، شؤون إدارية… المهم كل الميادين لإدارة الدولة الاشتراكية الفتية، الدولة الديمقراطية الشعبية. من تجربة كمونة باريس تمّ نعت التجارب الاشتراكية للدولة بهذا الاسم.

– لعب النساء دورا أساسيا وكنّ يقمن بكل المهام، منها العسكرية والصحية والإنتاجية. حينها برز اسم لويز ميشارل التي ستعرف السجن والأعمال الشاقة بعد سقوط كمونة باريس.

– أول ما قام به مجلس كومنة باريس هو تنظيم المقاومة الشعبية والتعبأة لمزاولة الانتاج،

– انشاء تعاونيات لتسيير المعامل الصناعية بين العمال،

– تنظيم الشغل مع الغائه ليلا

– تقرير فصل الكنيسة عن الدولة وعدم تمويل العمل الديني كما كان سابقا، مع تحويل كل ممتلكات الكنيسة للمال العام،

– فرض تعميم التعليم.

بالنسبة لليساريين كل مفهوم يمكن إعطائه لدكتاتورية البروليتارا يعني ديمقراطية كمونة باريس. أي قلبت ديكتاتورية البرجوازية بديمقراطية شعبية يقودها العمال.

هناك من يأخذ على كمونة باريس أنها تركت الحكومة البرجوازية تخرج من باريس بجيوشها ذوون ملاحقتها. هذا الحكم يطيح عندما نعلم أن باريس كانت محاصرة بالجيوش الألمانية وجزء منها كان تحت احتلاله وأن مواجهة بلدية باريس لجيوش الحكومة يعني الدخول في حرب أهلية مما يسمح لجيوش ألمانيا احتلال العاصمة والبتاي القضاء الثورة واحتلال فرنسا كلها.

ملاحظة أخرى كون كمونة باريس لم تعبئ باقي المدن والمناطق الفرنسية. نفس الحكم يطيح لما نعلم أن كمونة باريس كانت محاصرة حصارا شديدا ولم يكن لها الوقت الكافي لتستقر وتقوم بالتنسيق مع باقي المناطق والمدن التي كانت لازالت تحت هيمنة الحكومة البرجوازية.

خلاصة القول، كانت تجربة كمونة باريس ملحمة الهمت كل ثوار ويساري العالم منذ دلك الحين ليومنا هذا. مثلها في هذا، مثل الثورة الريفية التي تشابهها فيما يخص التنظيم الشعبي، ومراعاة الإنتاج الفلاحي أساسا مع خلق مجلس حكومي ممثل للقبائل. مع خلق دواوين تخص تنظيم الجيش، المحاكم، العلاقات الخارجية…. سيكون من المفيد القيام بمقارنة لكل من كمونة باريس والثورة الريفية، طبعا مع الفرق الزمني والثقافي الحضاري وخاصة التطور الاجتماعي في كل منهما.

يتبع

.

File Name: -غرامشي-8.pdf