إن نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين سترتبط تاريخيا باندلاع جائحة كورونا التي تسببت في زعزعة العالم اقتصاديا وفضحت خلال أسابيع محدودة مدى هشاشة الإنسان في محطة متقدمة من العولمة جراء الصدمة الاقتصادية التي أفرزتها عالميا.ً

وعلى الرغم من أننا مازلنا غير متحكمين في الخروج من هذه الأزمة الصحية فإن كل المتتبعين يتفقون على أن مسار العولمة سيتأثر حتماً بعواقبها نتيجة الانخراط العالمي في الحجر الصحي الذي فرض نفسه كظاهرة معولمة. فهذه الأزمة ستؤدي مستقبلاً إلى مراجعات عميقة للتدبير الاقتصادي والسياسات العمومية، بل للمنظومات السياسية والمجتمعية وللعلاقات الدولية بين الدول والأقطار.

إن أزمة فيروس كورونا ستفرض وبقوة الحاجة إلى الصحة ومعها ضرورة إنقاذ البشرمستقبلاً ضمن الاختيارات الإستراتيجية للسياسات العمومية، بل ستصبح الصحة ضمن الخيارات المشتركة للإنسانية على غرار الاستقرار والسلم.

ومأساة الفيروس التاجي تعكس أحد تجليات عولمة القرن الواحد والعشرين بانحرافاتها، وبسبب حدة التبعية المتبادلة القائمة بين الأنسجة الإنتاجية في العالم، وأقول: “إن اندلاع الوباء من الصين يمثل أحد أوجه العولمة الجديدة باعتبار هذا البلد أصبح قاطرة الاقتصاد العالمي، فهو يغطي وحده 30 في المائة من ديناميكية نموه و20 في المائة من مبادلاته”.

إن تموقع جائحة كورونا ضمن العولمة المتقدمة في القرن الواحد والعشرين يرجعنا إلى تاريخ البشرية الذي يبرز أن انتشار الجائحات والأمراض الفتاكة لم يكن يأخذ بعين الاعتبار الحدود الوطنية لكنها تعكس أكثر من سابقاتها ظاهرة العولمة، لأنها أدت، في بضعة أيام إحداث خلل في دينامية الاقتصاد العالمي، فارتبطت بالعولمة من خلال عواقبها السلبية على كل أبعادها، من إنتاج وتجارة وتنقل للبشر.

دروس الجائحة

لقد بينت الجائحة مدى هشاشة المجتمع المُعوْلَم، كما فرضت على الجميع إجبارية العمل الجماعي من أجل التغلب على الإكراهات والعواقب التي أفرزتها، وأدت إلى بروز حاجة الإنسانية إلى مزيد من التضامن وتوحيد الصفوف بين الدول وداخلها.

فالهشاشة التي اتضحت بفعل الوباء تسائلنا جميعاً نحن المغاربة والمغاربيين وجنوب المتوسطيين والأفارقة، أن نكون أكثرالمطالبين بإعلاء وعينا بقيمة الجوار كخيار مشترك، ما يفرض فتح الحدود المغلقة وخلق أسس المصالحة والتقارب في موقعنا التفاوضي في تدبير عولمة ما بعد 2021، والتفكير في المشروع المغاربي الغائب منذ عقود.”

وتكشف الجائحة أيضاً، مدى محدودية المغالاة في التوجهات والمقاربات الليبرالية، وتؤكد أن ضوابط السوق لا يمكن أن تدبر العالم وحدها، وأن الدولة الحامية لها دور إستراتيجي للحد من الانحرافات والانزلاقات التي تتعدد في مجالات تدهور الطبيعة والبعد الاجتماعي ومواجهة الأوبئة والجائحات.

وأظن أن المستلزمات الثلاثة (الصحة والبيئة و التضامن) تقتضي إقرار مساعدة ضخمة على المستوى العالمي من أجل تحقيق انطلاقة نوعية جديدة للاقتصاد العالمي على غرار ما حدث عندما وُضع برنامج مارشال بعد نهاية الحرب العالمية الثانية الذي ساعد على بناء أوروبا.

من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر

مقولة اعتبرها سارية المفعول الى يومنا هذا. فكل المتتبعين اعتبروا أن “المغرب نجح في تدبير الأزمة الصحية رغم ألا أحد يمكن أن يؤكد متى وكيف سيخرج العالم من هذا المنغلق الصحي”؟

فالمغاربة شعروا بالثقة في أن الدولة عازمة على القيام بدورها لحماية الذات، وبأن وراء ذلك ريادة ملكية مؤكدة سمحت بتعبئة العمل على مختلف الجبهات.

وإذا كان الأوروبيون استعملوا مفهوم الحرب في مواجهة الجائحة، فباستعمالنا لمفهوم الجهاد بالمعنى الإيجابي سيكون علينا كسب ما بعد كورونا بتحقيق انطلاقة للاقتصاد الوطني، وهو موضوع الجهاد الأكبر.

الدور الإستراتيجي للدولة

إن المغرب مُطالَب بوضع برنامج لإعادة الحياة للاقتصاد على المدى القصير والمتوسط والبعيد يأخذ بعين الاعتبار كذلك ماوصلت إليه أعمال اللجنة الوطنية المكلفة بمراجعة النموذج التنموي، والتي حتما استخلصت الدروس من الأزمة الحالية وهذا ما أفرزه التقرير الذي خرجت به والتي تناقش مضامينه حاليا مع الفرقاء السياسيين.

فعلى المدى القصير، سيكون الهدف تحقيق إعادة جديدة للنشاط الاقتصادي، مع إعطاء الأولوية للقطاعات المنكوبة، مثل السياحة والنقل الجوي، ووحدات الإنتاج والخدمات الصغيرة والقطاع غير المهيكل.

أما على المديين المتوسط والبعيد، فسيكون على المغرب، استيعاب التحولات المنتظرة وأن يسعى للاستفادة منها، لأن عالم ما بعد 2021 سيعرف بشكل تدريجي تحولات مؤكدة استمراراً للتحولات التي ظهرت ملامحها منذ سنة 2010 حيث:

* ستعرف وظائف الدولة اقتصادياً تغييرات تفرض الاهتمام بقضايا حماية الذات والصحة والبيئة، وقضايا التوزيع والعدالة الاجتماعية والتكافؤ، إضافة إلى التكنولوجيا الجديدة والبحث العلمي.

* المتابعة عن قرب للتغيرات التي سيعرفها العالم في توازن القوى بني الأقطاب الكبرى (أميركا والصين وأوروبا)، ضمن حركية تتقاطع فيها المواجهات والتطاحنات من جهة مع إمكانيات التفاوض والتعاون بالنظر لارتباط مصالح كل الأطراف.

* الاستعداد من أجل توظيف إمكانية تراجع ديناميات شبكات القيم العالمية لصالح شبكات القيم الإقليمية، أي إعطاء الأهمية للقرب على حساب البعد، ما يقتضي فتح نقاش مع القارة الأوروبية من أجل تطويرعلاقة الشراكة لتستند على الإنتاج المشترك وليس على مجرد تحرير المبادلات.

سيكون لزاما على المغرب تنزيل النموذج التنموي الجديد والعمل على برمجته ضمن إطار إقليمي أفرو-أورو-متوسطي، للانتقال من الجهاد لحماية الذات إلى الجهاد الأكبر جهاد ما بعد 2021.

عمر بنشقرون

مدير مركز الدراسات والتدقيق المالي