مع غرامشي(7)

حـول مفهوم اليسار

محمد المباركي

تمهيد

كما جاء في تقديم هذه النصوص التي هي مبادرة وفاء للفقيدين العزيزين بلعباس المشتري وعبد الله زعزاع، اللذين جسدا في حياتهما ممارسة تتماشى والمنهجية البراكسية/العملية/الميدانية لغرامشي، أي منهجية الفكر الذي يربط الممارسة بالنظيرة والنظرية بالممارسة ضمن جدلية دائمة التطور. لذا نجد العنوان الذي اختير هو “مع اغرامشي”. ما معناه معاينة منهجية غرامشي العملية، وليس الوقوف عند سيرته الذاتية ومسايرة أعماله الفكرية ومواقفه السياسية. لقد نبهني بعض الأصدقاء الى كون الحديث الجاري ينطلق وكأن كل القراء على بينة من مفهوم وتاريخ اليسار الفكري والكوني. والحال أن هناك فجوة قد حصلت في المد اليساري واشعاعه الفكري، لحد أصبحت فيه نخب شعبويّة مهترئة فكرية وانتهازية سياسيا تشوه تاريخ اليسار ومواقف اليسار المبدئية، كل ذلك باسم اليسار. مما يحتم الرجوع باستمرار للثوابت الفكرية والنضالية لليسار مع رصد أشواط تطوره للتشبع بحيويته الفكرية وديناميته النضالية. لمجابهة مختلف الاتجاهات التي تحاول اقباره أو السطو عليه بدريعة كون الفكر المادي الجدلي قد انهزم ولم يعد أنصاره قادرين رفع التحديات المجتمعية والسياسية المنوطة بهم. في الفصول اللاحقة سنراجع بعض البديهيات التاريخية والفكرية لليسار كونيا ووطنيا، ليتضح جليا قيمة المفاهيم التي بلورها غرامشي.

لقد شكل انهيار التجربة السوفيتية، كنموذج للمجتمع الاشتراكي وللدولة التي سادته في طابع بيروقراطي هجين وما نتج عنه من تفرقع داخل ما كان يسمي المعسكر ألشرقي، صدمة مؤلمة لعامة اليسار في العالم. مما نتج عنه بشكل ملح معاينة العوامل التي أدت الى هذا الانهار المفاجئ واعادة النظر في صيرورة اليسار، كفر علماني وكنظرية متحررة وكنمط انتاج اشتراكي تسود فيه المساواة والتعادلية الاجتماعية، أساسه لكل حسب احتياجاته وعمله. كون نمط الانتاج الاشتراكي هو الشكل الاقتصادي الوحيد الذي يستطيع تحرير الانسانية من الاستغلال والاستلاب بمختلف أشكاله وهو النهج الوحيد الذي يطرح البديل الناجع لنمط الانتاج الرأسمالي والعلاقات الاستغلالية الناتجة عنه.

اليسار أساسا، وهذا منذ نشأته، صرخة ضد العبودية والاستبداد والاضطهاد بمختلق أنواعه. وهو بذا انتفاضة وثورة سلمية وان اقتضى الحال يلجأ الى العنف كوسيلة لمجابهة عنف التسلط والاستبداد. وهو بذا يطالب ويجسد الحرية والكرامة. إذا كان الانسان مخلوق حر بالفطرة، فانه عند التطور المجتمعي نتيجة الاستقرار والتمدن تولد عنه تعدد المصالح وتعقد العلاقات الاجتماعية وأصبح هناك حاكم ومحكوم وغالب ومغلوب ومتسلط ومستعبد ونتج عن كل هذا تشكيل طبقات اجتماعية ذات مصالح متضاربة ومتناقضة ومتصارعة بين أقلية متربصة بالحكم تريد استمرا الاستبداد والاستغلال والأغلبية من الناس التي ترير نفسها من قيود الاستيلاب و الاضطهاد من أجل كريم.

كيف نشأ وتطور اليسار من وضعيته الحسية الفطرية الى الوعي العلماني والانساني الذي هو عليه اليوم؟ ما هي المراحل التي مر منها عبر التاريخ؟ ما هي الركائز الأساسية التي يمكن الاعتماد عليها لتجاوز المعضلات الفكرية والنظرية والسياسية والتنظيمية التي يعاني منها من تطور اليسار في المرحلة التاريخية الراهنة؟ أسالة تطرح نفسها بإلحاح ومنه رسم ملامحها بإيجاز.

1 – تجديد مفهوم اليسار

مفهوم اليسار بمعناه السياسي لا علاقة له وما نحت اليه الكتب السماوية، التي تنعت أصحاب اليمين بالصدّقين المبشّرين بالجنة وأصحاب اليسار المبشّرين بغضب أليم. مفهوم اليسار واليساريين في القاموس الاجتماعي، هو مفهوم حديث العهد عرف به ممثلي الشعب الفرنسي في البرلمان الملكي قبل ثورة 1789، ولقد كانوا ينعتون بثلث الدولة حيث أنهم كممثلين لمجموع الفئات الشعبية كان حضهم ثلث أعضاء البرلمان. أما الكنيسة والنبلاء، فكان لكل منها الثلث. وبما أن الكنيسة متحالفة موضوعيا مع النبلاء، فان الأغلبية كانت دائما لصالح الحكم الاستبدادي وما الواجهة البرلمانية سوى تزييف للديمقراطية التمثيلية. داخل قبلة البرلمان، كان ممثلي الشعب، وجلهم من الطبقة البرجوازية المثقفة، يجلسون عن اليسار، فسموا باليساريين ومجموعتهم باليسار.

تطور مفهوم اليسار عبر المراحل التاريخية المتتالية ليأخذ البعد السياسي الذي نعرفه اليوم والمتعدد المشارب والغايات. فهناك اليسار الجدري والثوري، التقدمي، المعتل، الاجتماعي الديمقراطي… بعد نجاح الثورة الفرنسية التي قام بها اليسار الثوري بزعامة البرجوازية وقضائه على النظام الملكي، تم ارساء نظام جمهوري ببعد يساري ثوري وزع أراضي الاقطاع بين الفلاحين الفقراء الذين كانوا يشكلون غالبية الشعب الفرنسي يعيشون كأقنان، مفردها قن، وهو وضع شبيه بالعبودية الفلاحية. كما نهج اليسار الثوري سياسة تأميم الصناعات الأساسية وخاصة مصانع السلاح. تماشيا مع إرادة تحرير كل الشعوب الأوروبية من الاستبداد الاقطاعي دخلت الثورة الفرنسية في حروب أنهكتها وخرجت منها بحكم إمبراطوري عسكري يتعارض والمبادئ التي قامت من أجلها الثورة في بناء نظام جمهوري ذا أبعاد انسانية تسوده المساواة وحقوق الانسان والمواطنة.

انطلاقة اليسار بمفهومه الاجتماعي كان في الأساس ثوريا، ومنه ساد الاعتقاد بأن التغيير لن يأتي سوى عن طريق العنف الشعبي. ما يعني حسب التعبير الغرامشي، عبر حرب متحركة. مع ظهور الثورة الصناعية أولا في بريطانيا بداية القرن التاسع عشر، ثم بعدها بفرنسا قبل أن تعم باقي مجتمعات أوروبا، تطور منظور اليسار وتتعدد اتجاهاته مع دخول الطبقة العاملة وطليعتها البلوريتاريا حلبة الصراع المجتمعي. هكذا بدأت تتأسس جمعيات وتنظيمات سياسية تركز على دور الطبقة العاملة كقوة اجتماعية طليعة التغيير السياسي. لذا فهي قائدة المعارك الاجتماعية ومولدة الثورات السياسية. لحد يمكن القول معه، إذا كان التغيير في المجتمعات اللاهوتية يأتي من السماء، فان التغيير المجتمعي على أرض الواقع أصبح منبعه الطبقة العاملة. هكذا، مع تطور المجتمع تبنت مجموع الاتجاهات اليسارية مصلحة الجماهير الشعبية عموما والطبقة العاملة المجسّدة في طليعتها البلوليتاريا خصوصا. التباين الذي حصل بين مختلف الاتجاهات اليسارية مرجعه نوعية التغيير والتحالفات الطبقية وكيفية ومراحل تطبيق المجتمع الاشتراكي ومن يقوده.

قبل التطرق الموجز لتجارب المكونات اليسارية وامكانيات تطبيق المشروع الاشتراكي سواء في العصر الصناعي أو الذي نعيشه اليوم كمجتمع ما بعد الإنتاج الصناعي. مجتمع الثورة التكنولوجية والفضاءات الالكترونية وما تولد عن هذا من فائد رأسمالي باهر هيمن بشكل فضيع على المنتوج الصناعي والفلاحي والخدماتي وغيرها من العلاقات الاقتصادية. من المفيد قبل مناقشة المرحلة الراهنة، التطرق، ولو عبر لمحة وجيزة، لمراحل تطور اليسار. الهدف من هذا السرد هو التركيز على المهمة الأساسية لليسار التي تتجسد، أساسا وقبل كل شيء، رد الاعتبار لحرية وكرامة الانسان التي فطر عليها منذ النشأة و التي سلبت منه مع تطور الاجماع البشري.

2 – المراحل البدائية في نشأة اليسار

الانسان حر بطبعه. فمنذ العصر النيوليتيكي، 12000 سنة قبل الميلاد تقريبا، اكتشف فيه الانسان الفلاحة وما نتج عنها من استقرار واجماع بشري. تم التمدن وتقسيم المهام بين الأفراد وظهرت فوارق طبقية ذات مصالح معينة. وهكذا تشكلت طبقات اجتماعية وتعددت حسب تطور وسائل الانتاج والعلاقات الناتجة عنها. ولضبط هذه العلاقات التي تجاوزت حيز القبيلة تشكلت الدولة كأداة لاستمرارية السلطة بين أيدي الطبقة السائدة التي يمثلها الخواص وضمنها العائلة الحاكمة التي تستمد سلطتها من القوة التي تملكها ومن المعتقد الروحي الذي يوحي أنها تستمد تلك السلطة من آلهة غيبية، ان لم يتأله الملك أوالأمبرطور كما حصل في حضارات ما بين النهرين وعند الفراعنة والآشوريين والحضارات الشرقية وكذا اليونان. الى جانب الطبقة السائدة نجد طبقة رجال الدين الذين هم أساسا في خدمة الأولى. أما الطبقات الدنيا، كانت مشكلة من التجار والحرفيين والفلاحين والجيش الى جانب العبيد الذين كانوا في أسفل سلم ومنه نعت مجتمع تلك المرحلة التاريخية الطويلة بالعبودي.

لم يكن المجتمع العبودي جامدا بل كانت هناك ثورات سواء للتسلط على الحكم أو لمواجهة الغزاة. ولقد ظهر من صلب الاعتقاد الغيبي دعاة يبشرون بعالم آخر بعد عالمنا الدهري ويشرّعون لعلاقات أساسها الاعتقاد الروحي وهذا في حد ذاته يعد ثورة اللاهوت على الحكم الدهري البدائي الذي كان يستخدم الغيبي لصالح الدهري لكن لا يحتكره. أما المنظور الديني الجديد، الذي ظهر في الشرق الأوسط والهندي، جسد السلطة في شخص الوالي الأعظم كبودا عتد الهنود والحاخام عند اليود والبابا عند المسحيين والخليفة أو أمير المؤمنين عند السنة والامام آية الله العظمى عند الشيعة.

لم يكن الانسان البدائي الذي عمر لآلاف السنين بحاجة للاستقرار، نظرا لقلة عدده وكثرة الخيرات التي توفرها الطبيعة. لذا ظل حرا يتنقل أين ما أراد، يصطاد ويقطف ما طاب وما وجد. هذه الحرية البدائية قد طبعت فطرته التي ظلت كامنة في وجدانه اللاشعوري، يمارسها بكل حرية داخل المجموعات الصغيرة المتنقلة، أو داخل القبيلة التي تعد المجتمع الحضاري البدائي أو الأول. لكن لما بدأت القبيلة تكبر وتروم نحو التراتبية في العلاقات، بدأت بوادر التمرد والخروج عن طاعة القبيلة ورئيسها، كما حصل للصعاليك وقطاع الطرق. هذا في المجتمع القبلي أما عند قيام النظم في شكل دولة مقننة، كانت هماك ثورات طبقية ذات أهداف تحررية مثل ثورة العبيد بزعامة سبارطكوس ضد الإمبراطورية الرومانية. وثورة القرامطة والزنج بالعراق ضد الخلافة/الإمبراطورية العباسية. الأمثلة عديدة لثورات تحررية في مختلف المجتمعات البشرية، والتي كانت تقوم وتحرض ضد النظام العبودي أو الاستبدادي القائم وتبشر عبر دعوتها بمجتمع جديد تسوده الحرية والعدالة.

يتبع