المنوزي مصطفى

حصل لنا شرف المساهمة ، خلال سنة 1979 ، في تأسيس ملامح ، بل لبنات ، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ، ورغم أن السن كان لا يسمح بتحمل المسؤولية ، فبحكم انتمائنا كشباب لعائلات المعتقلين والمختطفين السياسيين ، التحقنا في انتظار بلوغ سن الرشد الذي كان محددا حسب قانون الأحوال الشخصية في 21 عاما . وهذا ما حصل عندما انتخبنا منتدبين للمؤتمر الأول للجمعية المحظور . وقد سبق الحديث عن هذه الوقائع في حلقة سابقة ؛ غير أن المفيد هو التأكيد على أننا واكبنا مسار الجمعية منذ التأسيس وعايشنا في ظلها كل أشكال المعاملات ، منذ أن أسسها الاتحاديون الذين كانوا ينعتون بالإصلاحيين، إلى أن احتكرها من ينعتون أنفسهم باللاستمرارية لحركة الماركسيين اللينيين ، ومع ذلك لامناص من الإعتراف والإنصاف ، فقد كانت جامعة بامتياز ، من جهة جامعة لورشات للتربية والتكوين ، وجامعة لجميع مكونات الطيف والفعل المدني المدافع عن الحقوق الإنسانية وعلى الخصوص لقدماء المعتقلين السياسيين ؛ وتزامنت سنة 1979 بداية تصاعد المد المحافظ ، توج بانتصار الثورة الايرانية ” دينيا ” ، في حين تم تهريب اللون التقدمي وإعتقاله وإعدامه ، وهيمن الشيعيون على الشيوعيين ؛ و كرد فعل ، أيقضت الرجعية كل خلاياها النائمة على امتداد الجزيرة العربية ( الوهابية) والمشرق (تنظيم الإخوان بدعم من السادات )وجبال أفغانستان (المجاهدين من كل ارجاء العالم الإسلامي ) ، وظل عقد الثمانينيات عنوانا لورش اسمه اندحار المد التقدمي وارتكاسة المد التحرري ، وإنتعاش فكر التسوية والتصفية للقضية الفليسطينية ولقضايا التحرر والتقدم ، وبذلك يمكن الجزم بأن المدة الفاصلة بين سقوط جدار برلين وبين زمن انهاك اليسار المغربي بسبب القمع والحروب الإنشطارية والتخوينية الداخلية ، فكاد كل المؤسسين أن يتحولوا إلى انحرافيين وتحريفيين ومهرولين نحو عناق الجلاد ، حسب تقييم البعض الذي سيمر من نفس المحنة ويتعرض لوصم التخوين لاحقا ؛ كانت الملابسات والسياقات كافية لاستنتاج وتبرير جدوى تبجيل قيم العالم الحر ، من قبل اللبراليين الجدد الذين يعتمدون « حقوق الإنسان » المدنية والسياسية بديلا عن الصراع الإجتماعي والفكري ، و بإسم الدفاع عن حرية المبادرة والحق في التملك وحرية الإثراء ، تماهت الرسائل والوسائل وصارت « القوة الاقتراحية »بمثابة “الثورة” الهادئة التي ستفكك بنيات التقليدانية افتراضيا ، مادام التغيير شبيه بالتحويل عبر الإصلاح المتدرج ، من حيث النتائج وبكلفة أقل ، إنه كان يكفيهم خطاب قوي وواقعي ومتجذر ، بنفحة المزايدة والتخوين ، لكي يضمنوا السقوط السلس للحكومات المتعاقبة عن طريق التناوب التوافقي فيما بين الأصولية والمحافظة ، في حين سيتوهم فلول الجذريين أن الواجهة الحقوقية كفيلة بتعزيز المعارضة غير المؤسساتية . حقا إن الوقت قد حان منذ رفع الخوف إثر حركة الفبرايريين ، التي لم تكن سوى حالة نضالية لم تفلح في تحويل المطالب الاجتماعية والحقوقية إلى سياسية ، كما لم يفلح حراك الريف في التعويض و استكمال مشروع نقل الصراع من المجال السياسي المغلق إلى الفضاء العمومي ، لنقصان التأطير وغياب قيادة فكرية وسياسية، فانتقلت الحركة من اجتماعية إلى محض حقوقية منشغلة بالمحاكمة العادلة وإطلاق سراح المعتقلين على خلفيته ، مما يستدعي سؤال تأهيل الفعل الحقوقي حتى لا يتماهى مع العمل الحزبي أو يغامر بالحلول محله بديلا ،بعلة ” عياء الدكاكين ” ، وفي ذلك عودة لإشكالية العلاقة بين الأحزاب والمنظمات المدنية أو بين النضال السياسي والنضال الجماهيري .
وبالموازاة انطلقت عمليات المراجعات داخل صفوف الحركة التقدمية ، هنا وهناك ، توجت بانقساميات جديدة ، وتزيد في التجذر مقابل مزيد من التحريفية ، غير أنه في آخر التحليل لا يمكن إلا التأكيد على أن أسهل الطرق لاغتيال الخصوم والمخالفين رمزيا ، هي التخوين بمثابة الوجه الآخر للتكفير بمعناه الأصولي والانتهازي الشعبوي . وهنا أتذكر ورقة صاغها الأخ علي بوطوالة ، في بداية الثمانينيات وعرض علينا كمسؤولين في القطاع الطلابي ضمن لائحة المهدي وعمر من أجل الوحدة والديمقراطية عنونها ” النضال الطلابي بين الإلحاقية والذيلية ” ، وهي تلخيص لقاعدة ” إذا لم تكن معي فأنت ضدي ” ، تعتمدها الامبريالية الأمريكية ووصيفاتها لإرهاب الخصوم فكريا وإخضاعهم سياسيا واقتصاديا ولو بالقوة الناعمة .