محمد بوبكري

ما يزال جنرالات الجزائر لم يهضموا هزائمهم المتتالية أمام المغرب، حيث استطاع هذا الأخير، بحكمته وتبصره وسعة أفقه، أن يقلب موازين القوى لصالحه، فصار ممكنا أن يعترف الرأي العام الدولي بأجمعه بشرعية سيادة المغرب على صحرائه، كما باتت صيغة ” الحكم الذاتي”، التي اقترحها المغرب، هي الحل الأمثل، لقضية الصحراء المغربية، في نظر أغلبية بلدان العام، لأنه الحل الأكثر توازنا وواقعية وانسجاما مع المعطيات التاريخية والجغرافية. وهذا ما أصاب جنرالات الجزائر بالجنون، حيث وظفوا كل وسائل الإعلام التابعة لهم من أجل الدعاية لحرب وهمية لصنيعتهم “البوليساريو”، ضد المغرب، بل إن أوهامهم، قد جعلتهم يروجون لمشاهد مفبركة تتحدث عن هجمات وانتصارات وهمية لميليشيات “البوليساريو” على القوات المسلحة الملكية المغربية. وهذا ما يؤكد أن حكام الجزائر لا يخجلون من ممارسة الكذب في واضحة النهار، حيث إن الوكالة الروسية الرسمية تحدثت عن الإغلاق التام لملف الصحراء، كما تحدثت عن نهاية البوليساريو، لأن القوات المغربية أكثر عددا وأقوى عدة وعتادا وتقنية من “جبهة البوليساريو”، ما لا يسمح لها بالدخول في حرب مع المغرب من المؤكد أنها ستخسرها.
وتعبيرا عن تمادي جنرالات الجزائر في ممارسة التضليل، فقد كلفوا “عبد المجيد تبون” باستقبال المدعو “إبراهيم غالي” زعيم مليشيات الانفصاليين. وهو لم يحضر من مخيمات تندوف، لأنه لا يقطن بها، بل إنه يقطن مع أسرته في إقامة فخمة خصصها له الجنرالات بالجزائر العاصمة قرب متحف De Bardo، ما يعني أنه يعيش حياة البذخ على نمط جنرالات الجزائر، كما أنه يتردد صحبة المقربين منه من الانفصاليين على نادي الصنوبر، حيث يعيشون ويمرحون في البذخ والمجون، وتركوا المحتجزين في مخيمات تندوف يعانون من قساوة الطقس، بدون تغذية ولا رعاية صحية، ولا تعليم، ولا مستقبل، ولا وطن…
لقد التقى “تبون” والمدعو “إبراهيم غالي” في مقر الرئاسة الجزائرية. ولما انتهى “الاجتماع”، خرج غالي وحيدا يتيما، وقدم تصريحا لوسائل الإعلام التابعة للجنرالات تحدث فيه عن استمرار ميليشياته في “حربها” الوهمية ضد المغرب، وعن “انتصاراتها” الوهمية على قواته…
ويبدو أنه من المستبعد أن يكون “تبون” قد تصرف مع “غالي” بناء على قرار شخصي، لأنه جبان يخاف من العسكر. وما دام قد قام بهذا التصرف الذي يشكل احتقارا لما يسمى بـ”جبهة البوليساريو”، بإيعاز من جهة عسكرية، فإن هذا يدل على وجود صراع داخل الجيش انحاز فيه “تبون” لجناح معين على حساب جناح آخر… ما ينذر بقرب اندلاع حرب بين الجنرالات، أي بقرب حدوث انقلاب بعضهم على بعض.
ويرى بعض المراقبين الجزائريين أن “تبون” قد أهان “غالي” وما يدعي تمثيله، لأنه كان عليه أن يحترم التقاليد والطقوس ويرافق “غالي” إلى خارج مكتبه، حيث كان عليهما أن يقوما بتصريح صحفي يعلنان فيه عما اتفقا عليه وما صادقا عليه من قرارات. وبعد ذلك، يقوم بتوديعه أمام أنظار وسائل الإعلام. ونتيجة ذلك، فقد خلص هؤلاء الملاحظون إلى أن “تبون” قد عامل “غالي” كما عامل “زعماء” الأحزاب الكارتونية الذين سبق له أن استقبلهم بقرار من الجنرالات. وإذا كان “غالي” عميلا للجنرالات، فإن ما لا يدركه، هو أنهم يعاملونه باحتقار لأنه خائن، والخائن لا يستحق الاحترام، كما أن الجنرالات ليسوا مؤسسة إحسانية، بل إنهم قد اشتروه ليكون عبدا في كنفهم…
هكذا فإن مواضيع هذا الاجتماع وقراراته لم يتم الإعلان عنها، وكأن الاجتماع لم يحصل، أو أنهما التقيا فقط لتبادل التحية، من أجل إيهام الرأي العام بأن شيئا ما يتم التحضير له، لأن الجنرالات يتوهمون أن ذلك سيشكل استفزازا للمغرب. ومع ذلك، فإن تصرف “تبون” هذا لم يحترم غالي، ولا ما يتوهم أنه يمثله، لأن عمالته للجنرالات هي التي جعلتهم يفرضونه على رأس مليشيات “البوليساريو”.
وما يتجاهله هؤلاء الجنرالات هو أن أغلب رؤساء أفريقيا لم يعودوا يستقبلون “غالي”، لأنهم لا يرون أي فائدة في ذلك. فكيف يمكن استقبال رئيس جمهورية وهمية، ليس لها أرض، ولا عاصمة، ولا مدن، ولا مؤسسات… وإذا كانت الجزائر قد ضمنت اعترافا وتمثيليات لـ “البوليساريو” في مختلف القارات، فإن ذلك قد كلف العسكر جبالا من ملايير الدولارات من أموال الجزائريين، على حساب القوت اليومي للشعب الجزائري وتطبيبه وتعليم أبنائه ومستقبل وطنه… ومع ذلك، ونتيجة لمجهودات المغرب، فقد بدأ كل ذلك ينهار، حيث صارت الجزائر تفقد بشكل مستمر مواقعها لصالح المغرب، بخصوص هذا الملف.
إضافة إلى ذلك، لقد أكد الحراك الشعبي الجزائري أن الشعب الجزائري يرفض “تبون” والجنرالات معا، حيث يرى أنهم جميعا بدون شرعية. فالشعب الجزائري يريد إقامة دولة وطنية ديمقراطية حديثة، من أجل تكريس المواطنة والاستقلال عن استعمار الجنرالات الذين هم، في نظر الجزائريين مجرد امتداد للإدارة الاستعمارية، حيث وصلوا إلى السلطة منذ الاستقلال عبر ثورة مضادة لثورة التحرير الجزائرية ورجال حركتها الوطنية.
لذلك، فإن الشعب الجزائري يريد تقرير مصيره. ويؤكد سلوك الجنرالات الرافض لحق الشعب الجزائري في الاستقلال وتقرير مصيره، أنهم يطالبون بذلك الحق لصالح “البوليساريو” فقط، لا لصاح الشعب الجزائري أولا. فهم يريدون انفصال الصحراء عن مغربها حتى يتمكنوا من احتلالها بعد ذلك، ويحولوها إلى ملحقة جزائرية!!
لذلك لا يمكن للجنرالات أن يعبؤوا الشعب الجزائري ضد المغرب، لأن هذا الشعب أصبح يدرك مراوغات الجنرالات وتحايلاتهم، ويجهر بأنه لا يريد التدخل في الشؤون الداخلية للمغرب، ولا تهمه الصحراء المغربية في شيء، بل إنه يريد فقط الحفاظ على أخوته مع الشعب المغربي الذي يعتبره شقيقا له. كما صارت النخبة المستنيرة الجزائرية تتجنب الانخراط في مؤامرة الجنرالات ضد المغرب، لأنها تعي ألا يد للمغرب في الأزمة الجزائرية؛ فالمغرب لم ينهب أموال الجزائريين وخيراتهم، بل إن الجنرالات هم من ارتكبوا ذلك، ما يعني أن المغرب ليس مسؤولا عن الأزمة الاجتماعية التي تفتك بالشعب الجزائري.
وإذا كان حوالي 21 مليون جزائري وجزائرية قد قاطعوا الاستفتاء على الدستور الذي لا شرعية له، فإنه لا دخل للمغرب في ذلك، كما أنه ليس وراء الحراك الشعبي الجزائري الذي شارك ويشارك فيه ملايين الجزائريين. فالمشكل كامن في النظام العسكري لأنه هو سبب ضعف ومآسي الجزائر والجزائر، بل إنه لن يهدأ بال هذا النظام حتى تفتيت الكيان الجزائري. فالجنرالات ونظامهم مرفوضون شعبيا ودوليا، ما سيؤدي حتما إلى زوالهم. وليس مستبعدا أن يتأثر الكيان الجزائري نتيجة الأزمة الراهنة، حيث بدأنا نشاهد جهات جزائرية تدعو إلى الانفصال عن نظام العسكر، لأنه لم ينفتح عليها، فعانت من التهميش والإقصاء… وهذه جريمة نظام العسكر، لا يمكن تحميل غيره مسؤوليتها.