سعيدة الكامل

من قال أن الصمت علامة رضى؟  الصمت علامة موت وجمود حينما يصير سيد الموقف في لحظة الحاجة إلى الموقف، وفي مضمار الحياة السياسية لا يمكن أن يكون الصمت سوى انسحاب، طواعية أو قسرا النتيجة واحدة، فالسياسة والشأن العام عموما هو مجال الكلام وإنتاج المواقف وصراعها باستمرار، وحين ترى نخبة قد انزوت للصمت فاعلم أن الصامت سلم صوته للاستقالة وللفرجة عن بعد، مرفوقة بالآه حينا وبالشماتة أحيانا. سابقا كنا نتحدث عن أزمة الوساطة وعن إضعاف آليات الوساطة وعن مصداقية الوسطاء، و كثُر هذا الحديث منذ اندلاع حراك الريف ومآلاته السياسية والحقوقية، لم نشف من الداء وانتقلنا من الأزمة إلى الجمود التام، أصيبت النخبة بالشلل المرفوق بالخرس، وليس أسوأ ما يصيب صحة النخب من أن تصاب بالخرس، من قبل كانت أصوات تتعالى هنا وهناك وتقول إن الضفة الأخرى لا تريد سماع سوى من يصب زيت “التغراق” على نار الغضب الاحتجاجي، وإنها تقول ل”المشوشين” على “فتحها” الذي فتح زمن جرح جديد بمنطقة لم تبرأ بعد من  ندوب التاريخ: صمتا دعونا نسمع صوت خطانا على الأرض، صوت مطرقة القاضي ومفاتيح السجون، صوتنا ونحن نخرس “ضجيج ” من استطيبوا الخطابة والكلام بلا حدود، وظل صوت السلطة يتردد بلا منازع، تسمع صداه، ويرجعه الصدى لآذانها، حتى ظنت أن جميع الأصوات تغني  نفس الموال، لا، هو الفراغ يوحي للمتحدث الوحيد أنه سيد الموقف وسيد الجملة والتفاصيل، ويوحي له أنه أقنع الجميع بصحة رؤياه، وهو لم يقنع سوى ظله في الفراغ.  إننا نشهد  أكبر مشهد فرجة بصمت، صمت تراجديدي، هل هناك حدث أكبر مما يعيشه المغرب في زمن الوباء من خطر يهدد استقراره الاقتصادي والاجتماعي؟ اختارت السلطة أن تنفرد بالرأي، وبسبب الدهشة الأولى هناك من سلمها جميع المفاتيح، في الحقيقة هي لا تحتاج أن تسلم المفاتيح بل هي من ينزعها إن شاءت، لكن، سمعنا أصواتا لم يسبق أن دعت لتسليم الأمر كاملا للسلطة حتى فعلت أمام دهشة الخوف من الوباء، فمن قال “نسلم الدولة شيكا على بياض”، ومن قال لا شيء يعلو على صوت الأمن، الأمن حاجتنا الأولى ثم انزوى للصمت، ومن قال إنه زمن الكمامة وها هم يلتقطون المزعجين واحدا تلو الآخر، الوقت غير مناسب للحديث، فهمنا الرسالة وسنبدل ساعة الكلام بساعات صمت إلى أن يجعل ربك مخرجا، فالكلام قد يخرجنا عراة أمام العالم، الكلام قد يعرينا من حميمية ما نفعله في صمت، ولكل جسد شيء ما يخفيه وراء الثياب، وإلا لما يستر الثوب والجدار حميمياتنا، ثم يتبعون هذا القول بحديث الساعة: رأيت ما حدث لفلان؟ كان جريئا ولا يسكت ومداده مدرار ولا يخاف، كأنه لم يسمع بالمثل المغربي  “اللي خاف نجا”، لم يخف وها هو لم ينج.           – مما سينجو ؟           – سينجو من الفضيحة، إنه زمن الفضائح، وباء آخر في المغرب أمسك بيد كورونا وراح يصول ويجول وينثر حبوب منع الكلام، ينثر الوعيد والتهديد ولا يعرف سوى لونين، لون الموالاة ولون غير الموالاة، وإن لم تكن مواليا فكأنك أعلنت العداء، هم يعلنون العداء..هؤلاء وما أكثرهم، لا يقولون ولا يكتبون أن سليمان مظلوم أو عمر تم التنكيل به أو توفيق تم تكميمه أو هاجر اعتدي على جسدها، ولا يخوضون في جدال ماذا فعلوا وماذا لم يفعلوا وما قد يكون قد حدث من الأساس، إنهم يلوذون بالصمت وينسحبون في صمت، ويعبرون عن اشمئزازهم بالصمت، هؤلاء لن يقدموا نصيحة أو مشورة ولن يدقوا حتى جدار الخزان، ربما يدقونه بالصمت، ومنهم عقول قد تنير ببعض ما اكتسبت ليل وبائنا المزدوج، ومنهم كفاءات قد ترى من الزاوية التي لا ترى منها السلطة أبدا الحفرة التي قد يقع فيها الجميع، الحفرة التي قد تنهي خطانا المتعثرة بالسقوط، نعم إنهم يدقون جدار الخزان بصمت، ربما، أو ربما منشغلون بتناول الجبن، ففيه ربما بعض ما يحمي من آفة التشهير.  وهناك طائفة “لم يستشرنا أحد  فدعهم يفعلون ما يشاءون”، هكذا يتحدث آخرون، يرون الإقصاء  لغة السلطة في إدارة الوباء، وهؤلاء  الصامتون مثل غيرهم هم كذلك غير راضين، وإلا فبعضهم كانت لا تفوته فرصة رمي الورد على بساط السلطة، فمن صار يخاف منهم على مصداقيته يصمت كي لا يقول ما لا يقنع بل وقد يثير السخرية، ومن يشعر بالحرج في الانتقاد علنا يصمت أو يتحدث في مواضيع باردة غير مواضيع الساعة الحارقة، ومن يفضل الصمت المطبق خوفا من الحديث في زمن لا تبدي فيه  السلطة إلا الغضب وضيق صدر تجاه غير المداحين، ومنهم من  يريد النجاة بما كسب وليأخذ الطوفان الآخرين، وإن كان بلدا، الآن كلهم يستقيلون، الدولة تقول إنه لم يعد لها ما تعطي، وتقييم  الأخذ والعطاء يحتاج مساحة طمأنينة ليقول كل ذي قول ما لديه، حتى يظهر من الذي أخذ ومن الذي منح، ومن يضع استقرار المغرب على كف عفريت، عفريت بحجم ڤيروس كورونا، وعفريت اسمه معدلات البطالة والفقر المتنامية وعفريت اسمه الاختناق، اختناق مرضى بلا أجهزة تنفس واختناق بلد مأزوم..  والصامتون منسحبون والمتكلمون وحدهم صوتهم لا ينفذ..مهلا لنسمع صوت الأمل علنا نخفف وطأة الموت ووطأة الانحسار، دعه يتكلم واسمعه، فقيمة السماع حينما تكون الحاجة للكلام، وهذا الصمت قاتل.

*نقلا عن أخبار اليوم