صلاح بوسريف
لا تستقل يا رئيس الوزراء، فنحن لا نستطيع أن نعيش بدونك، ولن نحتمل شخصاً آخر غيرك، والبلاد لن تسير إن تركتها واستجبت للمغرضين ممن طالبوك بالتنحي. أنت الأمل المتبقي لنا، لإخراجنا من غرقنا، وما بلغ حلوقنا من ماء. ففاقد الشيء لا يعطيه، وأنت الشيء الذي إذا ما فقدناه سنحتاج إلى قرون، ربما، لنجد شبيهاً لك، أو من يتمثل حصافتك، وما تتسم به من حكمة وبُعْد نظر، كما توسَّم ذلك سقراط في السياسيين، مَنْ يديرون شؤون الدولة. أنت لا تعرف سقراط، لكن سقراط تكلَّم عنك، كان يعرف أنك ستأتي لا محالة، في زمننا هذا، رغم أن سقراط حُوكِمَ على فكره، وعلى ما كان يبثُّه من وعي في الشبان في أسواق أثينا، وفي ساحاتها العامة. ثمة من اعتبره جدف في حقّ الآلهة، وهذا جُرْم، أنت وحزبك لن تغفروه له، رغم أن زمن سقراط كان زمن آلهة كُثر، وليس زمن إله واحد أحد، وأنه كان فيلسوفاً، وأنت، من يستهويك بن تيمية، تعرف ما قاله عن الفلاسفة، وهو ما حرَّضْتُم على وضعه في الكتب المقررة بالمدرسة المغربية، لأن الفلسفة، كما تراها أنت وحزبك، لا تجتمع مع الشريعة، نكاية في ابن رشد، الذي طالما سعى أن يقنعكم برجاحة العقل، سواء تفلسف أو آمن، أو جمع بين الاثنين، لأن التعارض لا يوجد إلا في عقل من قَصُر نظره، ولم يكن ممن رأى سقراط أنهم أصحاب بعد نظر، أو أن بصرهم حديد، كما جاء في سورة ق الآية 22.
معذرة، أخَذَنا سقراط إلى ما لا ترغبُ فيه، لكننا، يادولة رئيس الوزراء، ونحن، نتمسَّك بك، ونرغب، بلا هوادة، أن تبقى على رؤوسنا، لا يمكننا أن نُحاجِج خصومك، ممن تجرؤوا على مطالبتك بالاستقالة أو التنحي، إلا بالجمع بين الفكر والذِّكْر، ربما تستطيع بعقلك الحادّ، أن تدرك ما أوقعناهم فيه من مَطَبّ، فنحن نسعى أن نثنيهم عن غَيِّهم، وندعوهم أن يعتذروا لك، لأنك أنت الصواب، ونحن جميعاً شطّ بنا رأينا، وفقدنا صوابنا، وهذا أمر طبيعي، لأن من يتَّسِم، بتعبير سقراط، ببعد النظر، هو شخص يضربها وهي تطير في السماء، قبل أن تلمس مخالبها الأرض، أعني، طبعاً، الحَجَلَة، التي لحمها، شيِّق ولذيذ، وفيه شفاء للبصر.
لا تستقل، ابْقَ جاثماً على رؤوسنا، لا تترك أعناقنا، حتَّى والحبل يَشْتَدّ عليها، فأنت حكمت بما أمر به الله، والعبد جاحد، ناكر للجميل، ولا يعترف بما أدخلتموه فيه من نعم، ومن جنَّة على الأرض، لم ير مثلها قبل مجيئك، بعد أن تمَّ شَفْطُ صاحبك الذي كان قبلك، مَنْ وضع أسس هذا النعيم، وهذه الجنة.
يَدَّعُون، يا معالي رئيس الوزراء أنهم الـ «معذبون في الأرض»، ولا شك أنك لم تقرأ الكتاب، وهو لطه حسين، وأنت نفسك لا تميل إلى مثل هؤلاء ممن في عماهم، أزعجوا المبصرين، لذلك، فهم لا يرون ما تراه من نعيم، لأنهم تعوَّدوا على الجحيم، فصاروا حتَّى والكأس ممتلئة، يُقْسِمُون أنها فارغة.
نشهد لكم أن الكأس ممتلئة عن آخرها، حَدّ التُّخْمَة، كما يُقال، ولكن العمى ليس في الأبصار، بل في القلوب، وأنت، كما عرفناك، بصرك، ليس اليوم، فقط، بل منذ نزلت على رؤوسنا كالطير، كان حديداً، لا حِدَّة تصل إلى حدَّتك، في الكلام وطول اللسان، وما تسعى لإقناع خصومك به من حُجَج، ما شاء الله عليك.
لا يمكن أن نستغني عنك، ولا يمكن أن نستغني عن حزبك، فأنتم، من عرفتم من أين تؤكل الكتف، وأكلتم ما في الكتف من لحم، ما نضج منه، وما بقي في سطح القِدْر، نيِّئاً. اقْبَلْ اعتذارنا نيابة عن خصومك، وابْقَ حيث أنت، هذا ما فعله ترامب في أمريكا، رغماً عن خصومه ممن صوَّتُوا لغيره، ونَحَّوْهُ مُرْغَماً، لأن السلطة أكلت دماغه، ورأى أن المِرآة لا تليق إلا به، ولا مكان لغيره على مائها.