حسن برما

                اللعنة .. غرقت في الحلم مكان الآخرين .. طالبت بنصيبي من الفرح، سخروا مني، اتهموني بالسذاجة والغباء وقالوا لي أنت تطلب المستحيل.

               مطر يبكي غيابه عن أرض اشتاقت لحناً

               يمضي بصمت الطفل التائه لتيارات الحلم المستحيل

               يروي عطش الفكرة بالقصر المنبوذ

               حضرت الفرس المتمنعة ببهاء

               طاوعت صيحات العاشق صهوة الحب

               وطقس الغروب المحتوم ينتظر خلف الأبواب

               خدر القُبلة عطاء، ورحيلي مع أوتار الشوق إسراء نبض في ملكوت الانتشاء، ومصباح الفجر المعطوب يستعجل قتل الحلم حتى لا تلد الظلمة فضائح جنيات يعشقن ظلال التيه الرعناء لإخفاء عهر الخيانات .

               إذا غِبْتُ عنك مارس حقك في اشتياقي .. عقارب شرودك لا تطارد سوى ذاكرة الدفء وتفاصيل عناقي!

                أكبر الأخطاء .. أنت وصقيعٌ يتناسى الاهتمام بشقوق غُفْراني، نجوتَ من الموت بأعجوبة، دخلت أزمة منتصف العمر، اتكأت على شجرة تين شائخة، سرقت منها عطرها النفاذ، تجاوزتها وعدت لمقبرة العشيرة.

               بحديقة الشاطئ المهجور، دمرت أسوار الذكرى، طردت نوارس الجوع المشاع، وعلى مرمى الخواء تمايلت أرجوحة الوقت المهزوم دون ندم.

               الدروب بلا منافذ، والمنحدرات المريبة تسرق ظلال الأجساد الغريبة، تقيم عرس الخسران خلف الأبواب، وتسخر من كوابيس الأغراب.

               مزقت طبقات الحرمان، انتظرت هدوء العاصفة، داهمني مخاض الولادة وترددات الزلزال الخرافي، رحلت عن موتي وصرخت للحياة.

               أوصلتني الدوامة للأسفل، أدركت قعر الظلمة، لم أستسلم للاختناق، حاولت الصعود نحو ضوء الحكاية، لا رجعة في القرار، لستَ نشيدي ولستُ حياتك!

              ارحل عن أوجاعي ولا تلتفت للخلف، انتهت مدة صلاحية القناع الشيطاني الرخيص .. وحان وقت الخشوع البليد!

              قالت: لا تبك الرحيل واحتفل بالحياة !

              قلت: لا عليك، سأسأل النسيان لعبة تهزم كل الأحزان !

              أكره سيف الانتظار الصدئ حين تمسك به ريح اليأس العمياء، كلما تلمست مصدر النور سهوا عادت بي فتاوى الظلمة لبرد العتبات الجرباء.

              حان الوقت لدفن السيف الأحمق بالمقبرة المغلقة ونسيان جنياتٍ تهوى أطلال مدينة تحكمها نوايا الأغبياء.

              أحمق من يبقى سجين الغياب، يطاوع الريح، يستسلم لسطوة الفناء وأمواج السراب، وللحياة ألف شهقة وحرقة.

              قالت .. لا تضع بيضك كله في سلة واحدة حتى لا تتداعى شقوق الجبل المظلمة تحت تأثير جرثومة أنفلوانزا الخيانات الخنزيرية وتصيبك بالندم!

               أهْربُ منّي كي أخرج منك ومن غبائي وأنسَى خساراتي فيك .. أحياناً، جحيم الصمت أقلُّ هواناً من حرائق الخواء المزمنة.

               قالت لي: اكتبني! قلت: عذرا، تلك حكايتي ليست جاهزة للاحتفاء بالسراب، وأنا أقلعت عن الحلم بما لا يُكْتَب.

               على هامش أنفاسك أراني رمادا فائضاً لا عنقاء فيه، انطفأت الجمرة ولا حق لي في انتظار تحرر بُرْكانك النائم من رقابة آلهة سرقت حِمَمه المفترضة وارتاحت.

               صدّقتُ أنني خرجت من الحلم وانتصرت على عشيرة تاريخ مغتصب، سجنوني في كابوس غامض، وراحوا يقرأون مناحاتي بحياد صقيعي وخشوع غريب.

                في كابوس تكرر اكثر من مرة بفعل جنّيٍ حقود، رايتك فراشة بجناحين من سراب، كلما اقتربت من الامساك بك يلسعني تيار مؤلم و لا اتوقف عن الرقص فوق الاشواك.

                 ولى زمن المعجزات، تركني أقرأ تضاريس الكابوس دون بوصلة تعفيني من التيه بين جبال مهجورة وصخور جارحة، أشفقت على نفسي واستسلمت لرعب الفراغات.

                 فوق أدراج  متآكلة، قادتني خطواتي الحائرة نحو حائط تحرسه عرافة سليطة اللسان، صدمني الدرب المسدود، قررت التكفير عن سذاجتي وكتبت بفحم مهمل، انتبهوا وابتعدوا، هنا فخ قبيح متاهب لاصطياد عطشى العتبات الزرقاء!

                نزلت المنحدر المخيف، تحاشيت الاحتكاك بالصخور المسننة، هجمت علي روائح عفنة افقدت الحواس قدرتها على مقاومة تداعيات التاريخ المزيف، وانتصب امامي ضريح دفين يحكم عشائر النميمة والخواء من تحت التراب.

               دروب بلا منافذ، ادراج بلا نهايات، كائنات بلا ظلال، بنايات تتكئ على بعضها مخافة السقوط في الهاوية، وخطوات محترسة تراوغ عين الرقيب.