مصطفى بودغية

لا يكشف الاستبداد عن وجهه أبدا، إنه يوصل إلى جهنم عبر طريق مفروشة بالورود وبالنوايا الحسنة، ومهما قاومه البشر ورفضوه فهو يتمتع بقدرة خارقة على التخفي وراء أقنعة متعددة ومتنوعة،وإذا رمي بألف سهم فأنه يعود ليظهر في ثنايا حياة من قتلوه تحت قناع الشهيد وإذا أحرق بالنار عاد إلى الحياة مستعيرا ملامح الضحية.ليس الاستبداد “شخصا” ولا مجموعة “أشخاص” إنه “نظام” يقوم على الإخضاع والقهر والاستعباد،”نظام” له آليات اشتغاله وأساليب تضمن ترسيخه واستمراريته.يفرش الطريق إلى جحيمه بـ”الورود”. للاستبداد “أقنعة” تساعده على التخفي فيما وراءها،وله أيضا “أسلحة” يستخدمها بدرجات متفاوتة حسب خطورة المأزق الذي يسقط فيه.إن “أقنعة” الاستبداد و”أسلحته” هي التي تشكل ما يمكن أن نسميه “ثقافة” الاستبداد.هذه “الثقافة” تتغير من مجتمع إلى مجتمع حسب “الموروث الثقافي” لكل مجتمع،وحسب سياقه التاريخي،فثقافة “الاسنبداد” في المجتمعات المعاصرة تختلف عن ثقافته في المجتمعات التقليدية المتخلفة..

أقنعة الاستبداد :

قد يحمل الاستبداد اسم “الوطنية” ويرمي خصومه بالخيانة، ويمنعهم من حب الوطن محتكرا هذا الحب لنفسه دون غيره، كما قد يتخفى الاستبداد في لباس “القومية” معلنا الحرب، باسمها، ضد معارضيه تحت شعار “الوحدة القومية”. للاستبداد أقنعة متعددة ومتنوعة قد يكون هو “الأب” أو “المدرس” أو “الزعيم” أو “الفقيه” أو “الداعية الديني”،وقد يظهر تحت أقنعة رمزية مثل “القانون” أو “العرف” أو “الأخلاق” أو “الدين”. هذه كلها أقنعة يطارد بها الاستبداد ضحاياه.

غير أن قناع الأقنعة الذي يخفي وراءها لاستبداد وجهه هو “اللغة” لأن كل ما ذكرنا يتم داخل اللغة وبواسطتها، فإذا كانت “اللغة مسكن الوجود” كما قال أحد الحكماء المعاصرين ، فإنها أيضا “مخبأ الاستبداد”، إن “اللغة فاشية” كما أشار حكيم معاصر آخر،فكل “نص” يبدأ ب”كما يعرف الجميع” أو “الجميع مقتنع ب…” وما شابه ذلك من العبارات،فهو نص استبدادي، نص يعادي “الاختلاف” و “التعدد”، لأن “المطلق” وإن كان “إثبات” للنسبي فهو أيضا قتل له وإعدام للزمن من حيث هو حركة ودينامكية مولدة للفوارق والاختلافات.

إن لغتنا تعج بكلمات مثل “مجرم”، “منحرف”، “منحل”،زنديق”، “ملحد”، “كافر”، “مرتد”…وهكذا عوض أن تكون “اللغة” مجال تواصل وتناغم وانسجام،فإنها تمسي سوطا وأداة اضطهاد.المفارقة الكبرى هي أن الاستبداد استطاع أن يحول “اللغة الدينية” نفسها من لغة هداية ودعوة عن طريق السجال والمناظرة والإقناع في جو من التسامح والثقة في النفس،كما كانت في محطات من مراحل التاريخ الإسلامي أوج رقيهم وعزهم،أصبحت “اللغة الدينية” مجرد تصنيف للناس إلى “مؤمنين” و”كافرين” مع التشفي في “الكافرين” طبعا،وأصبحت باسم الدين تدافع عن تأويل معين للدين، وليس هذا التأويل سوى قراءة بشرية نسبية للنص الديني باعتباره مقدسا ومطلقا.

لذا سكن الاستبداد اللغة وفصلها عن حركة التاريخ باسم “الأخلاق” تارة وباسم “الدين” تارة أخرى،وأيضا،باسم “الحفاظ على الهوية” من التلوث والانحلال تحت تأثير الثقافات الأخرى. وبما أن “الأقوياء المستبدين” هم من يملكون دائما حق الكلام وحق صياغة “نظام الخطاب” وحق ترتيب “سلم القيم الأخلاقية”،فإنهم بذلك يمنعون “المختلف” و “المتعدد” و “المفارق” من حق التعبير عن نفسه، ويتم هذا القمع كما لو كانت “الأمة” جمعاء هي التي تتكلم وتأمر بذلك. إن قمة السيطرة هي التي تجعل المسيطَر عليه يتكلم كما لو كان هو المسيطِر،قمة السيطرة هي أن يصبح الضحية يتقمص شخصية الجلاد ويتكلم لغته ويلبس قناعه أيضا.

أسلحة الاستبداد :

يتخفى وجه الاستبداد خلف أقنعة متعددة حتى لا يرى المستهدفون بشاعة ملامحه، لكن الناس لا يتمتعون بنعمة البصر فقط، وإنما ينعمون أيضا بملكة البصيرة التي ترى ما لا تراه العين، فيتحسسون ملامحه وقسماته القاسية المنفرة. وحتى لا يتحرر الناس من قبضته الفولاذية، ليتنفسوا هواء الحرية وحب الحياة، فإن للاستبداد أسلحة لا تقل تعددا وتنوعا عن أقنعته. أبزر هذه الأسلحة وأكثرها سفورا هو سلاح القمع المباشر بما يعنيه من استعمال مفرط للقوة خلال الانتفاضات وأشكال العصيان المدني وبما يلي ذلك من اغتيالات وعمليات خطف واعتقال وأحكام قضائية بمدد خيالية.

لكن “النظام المستبد” لا يلجأ إلى هذا السلاح إلا عند “الضرورة” القصوى،وفي ما عدا ذلك يستخدم أسلحة أخرى أكثر فتكا.إذ ليس صدفة أن يحتمي “المستبدون” عبر التاريخ “بالمقدس”، والارتباط الغامض بالسماء، كلهم مفوضون سماويون وأصحاب “رسالات” آتية من فوق السحاب ومؤمنون أشد الإيمان بالقول “الإلهي” المقدس، ويجندون طابورا من الفقهاء واللاهوتيين لتفسير “النص المقدس” وتأويله حسب هواهم وتفصيله على مقاس نظامهم السياسي الاستبدادي ومقامهم العالي بالله.وبما أن “المستبد” له تفويض قادم من الـ”ما وراء” الذي لا يدركه أحد، فإنه يضفي على شخصه صفات مطلقة مثل صاحب “الرأي السديد” و “الأفكار الرشيدة” و “الفكر الثاقب” و “المعرفة الملمة بكل شيء”. إنه سلاح التعالي الذي يجعل “المستبد” “شمسا” تنير كل الزوايا المظلمة في المجتمع. فحذار من انطفائها ومن الظلام الدامس!… ليس صدفة أيضا أن يتضمن الخطاب السائد أدلة وحججا منطقية وأخرى غيبية تشعر الإنسان بضعفه الشديد ووهنه الكبير أمام هذا الكون الشاسع وأمام بأس إرادة القوة التي تتحكم في مصيره بصورة مطلقة،مع الإيحاء طبعا أن المستبدين جزء أساسي من “الكون الشاسع” المحكم في صنعه والذي يبدو فيه الإنسان مثل حشرة تافهة وتائهة إن لم يتمسك بـ”القول المقدس” الذي يفسره له “فقهاء السلطان”.ولهذا يصبح لزاما على “الرعية” أن تمد عنقها لسيف الطاعة المطلقة وتتعلم واجب الخضوع وضرورة الاستسلام منذ نعومة أظفارها وتحفظ عن ظهر عبودية ما يرد على لسان فقهاء “المستبد” من قول يوحي بأن “الطاعة” المطلقة “واجب” ينص عليه ويدعو له “الكتاب المقدس”.

لضمان الخضوع التام يلجأ الاستبداد إلى سلاح الوشاية حيث ينتشر المخبرون في كل مكان بحثا عمن “جحد وكفر” ! ولإتمام دائرة السيطرة المطلقة يحجب الاستبداد نور العلم والمعرفة عن ضحاياه لأن الجهل سلاح المستبدين الذين يعمدون إلى “اعتقال” و”حبس” المعلومة والخبر ويخططون ويقررون فيما يهم الوطن والمواطنين في الدهاليز المظلمة، وفي “غياب ” المعلومة يتركون الإشاعة والالتباس والغموض أسلحة تطيل أمد النظام الاستبدادي وتزيد في عمره.

يلجأ “الاستبداد”،أيضا،إلى سلاح “الإفساد” وتعميم الفساد،تطبيقا لقول ذلك الفيلسوف الانجليزي الشهير : “السلطة تفسد والسلطة المطلقة تفسد بشكل مطلق”. لأن نشر الفساد وتعميمه يؤدي إلى تنفير المواطنين من السياسة والسياسيين وإلى تيئيسهم وتحسيسهم أن “ليس في الإمكان أحسن مما كان ومما هو كائن” وأن “شمس الغد لن تحمل أي جديد” و”نفس المياه تجري دائما تحت نفس الجسر”. إن سلاح تعميم الفساد طعنة قاتلة في قلب حلم وأمل “التغيير” نحو غد أفضل.

هذه هي بعض من أقنعة وأسلحة الاستبداد التي يستخدمها لأجل بقائه،لكن ماذا يحارب بها !؟ من نافلة القول إن الاستبداد قوة غامضة تسكننا وتتسلل باستمرار عبر أبواب ونوافذ التاريخ، إنه بنية فكرية وسلوكية، عبارة عن أفكار مترابطة ومتناسقة رسخها تراث طويل وعميق من الممارسة الاستبدادية. لكن في المقابل هناك بنيات فكرية وسلوكية لا تقل عراقة وتجذرا عن التفكير الاستبدادي، فإذا كان الاستبداد يقف على أرض الميتافيزيقا الثابتة فإن التفكير التحرري المناهض يتحرك في الهامش في فضاء “فكر الاختلاف”. وإذا كان الاستبداد عنوان نمط من التفكير الغيبي والممارسة المحكومة بالخضوع والإخضاع، فإن “الحرية” هي عنوان نسق آخر من التفكير والممارسة أنتجا أفكارا مثل : “الحرية” و”المساواة” و “العدالة” و “النزاهة” و “المواطنة” و”المحاسبة” و “الحق في الاختلاف” و “حرية التعبير والرأي والمعتقد”… هذا النسق من التفكير والممارسة هو بالذات الذي تستهدفه “أسلحة الاستبداد”،وتعتم عليه أقنعته.