إن مناهضة الفساد تقتضي شن الدولة ومؤسساتها المختصة حربا طويلة الأمد وليس فقط حملة تشذيب عابرة ، وإذا كان لابد من تدرج لتحقيق إنتقال ناعم إلى مفهوم جديد للعدل والسلطة ، فعلى المتضررين أن يتركوا مهمة تغيير المنكر باليد للدولة ومؤسساتها المختصة والقانون ، مادام الفساد يتجاوز نطاق المسؤولية التقصيرية ، وإلا فالتغيير باللسان ( التعبير والبوح والفضح) يمكن أن يدعم كل المعارك اليومية التخليقية والتأديبية والتحسيسية ، من خلال الطعن المسطري والنقد القانوني والسياسي ، فالتمرين على تجويد الفعل العمومي ، خاصة في مجال الأمن والقضاء ، يستدعي نشر الوقائع و الممارسات المشوبة بالأخطاء الجسيمة ، دون التورط في إصدار أحكام قد تمس بقرينة البراءة أوتؤثر على مسار التحقيق والحقيقة القضائية ، لأن الخطأ لا يصلحه الخطأ والجريمة لا تُصلح الجريمة . فحذار من الإنتقائية كوجه آخر لعملية جس النبض واستمزاج للرأي العام بغاية إمتصاص للنقمة والغضب .
إن مدونة الأخلاقيات القضائية ليست مجرد ميثاق معنوي ، وخطاب حسن النوايا ، بل هي دستور بمقتضيات تأديبية ، ولكن بنفحة زجرية ورادعة لكل انحراف وانزلاق يمس حق المغاربة في العدالة والنزاهة والمساواة ، فليس الفساد يقتصر على فعل إرشاء وعدم حياد فقط ، وانما يعني كل وساطة زبونية أو تدخل أو إستغلال نفوذ ، ولو كان بإسم الإحسان أو المساعدة أو الإسعاف الخيري . لذلك ينبغي التعامل مع وقائع التسريب بجدية ومسؤولية وعدم إنتقائية وعدم تعميم ، فبوادر الإنحراف هنا وهناك وهنالك ، ولا ينفع معها قصدية التواطؤ بذريعة الإصطفاف وبإسم التضامن الفئوي أو المهني أو الحياد السلبي ، فالصمت نفسه شرعنة للإفلات من العقاب ومساس بالعدل كأساس للملك وبالعدالة كموطن / ملاذ للإنسان . ولتكن البداية من أنفسنا ، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . فمن البسيط إلى المعقد يتدرج الإصلاح عميقا فجذريا ، أما التغيير بالقلب بالنسبة لضعاف النفوس والعاجزين عن الفعل والتفكير ، فيكفيهم التعليق على المنتوج القضائي الذي لا يروقهم ، أو على الأخطاء القضائية والقانونية المضرة بهم ، إن كان لها محل أو موجب ، وذلك بالنقد القانوني النوعي والبناء ، ونشره وتعميمه ، وذلك أضعف الإيمان بأخلاق العناية وبالأحرى بذلها .
مصطفى المنوزي
رئيس أكاديمية الحكامة الأمنية والأمن القضائي

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube