مصطفى الزِّيــن :
عقلُ مَنْ؟ العقل الذي يقول: “كان علمه أصغر من عقله”؟:
عن المقتولَيْن:ابن المقفع والسهروردي

 "كان علمه - رحمه الله-أصغر من عقله" ؛ جملة طالعتني أكثر من مرة، عند قدمائنا، وعند مجترِّي أقوال القدماء، في سياقات مختلفة. 
وأول ما طالعتني، كان  الضمير فيها يعود على الكاتب المفكر الأديب الكبير عبد الله بن المقفع(106-142هـ/724-759م)، تبريرا لبشاعة قتله، على يد والي الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور-ثم المهدي من بعده-على البصرة، المجرم سفيان بن معاوية بن المهلب بن أبي صفرة، بعد أن استصدر، هو وآخرون، من المنصور أمر إعدامه، بتهمة الزندقة؛ فسجر فرنَ تنورٍ حتى التهب، وأخذ يقطع أطرافه،  وهو حي ينظر، ويلقي بها لتحترق، كما يصور هذا المشهد العصيب المفكر العراقي المؤرخ عالم الاجتماع الكبير الراحل الدكتور على الوردي (1914-1995)في كتابه عن تاريخ العنف..؛كما كان ابن معاوية، من قبل ، أعدم ، بنفس البشاعة والوحشية ، صديق ابن المقفع عبد الحميد الكاتب سنة 150هـ، وذلك بأن أخذ يُحمي طاسة نحاسية ، فيضعها على أم رأس عبد الحميد ،حتى أتلف دماغه؛ ودائما،بتهمة الزندقة الجاهزة، دون محاكمة أو حق في الدفاع.
  وقد يكون عنف وبشاعة مقتل ابن المقفع عائدين إلى حقد وانتقام  الوالي عليه، لما كان قد تراكم من احتقار وسخرية الكاتب الكبير من الوالي، ربما قبل توليه، من بلادته وغباوته ، ومن أنفه الكبير، حتى أنه كان يلقاه بتحية "السلام عليكما"؛ أي عليه وعلى أنفه، وتعييره إياه بغلمة أمه وشبقيتها الجنسية ؛ ولكن أمر إعدام ابن المقفع،  صدر عن الخليفة، و بإيعاز وتحريض من بطانته الفاسدة التي ساءها كثيرا تحذيرات ونصح ابن المقفع السلطان بالحذر منها، وبحسن اختيارها،  وإلى أن صلاح السلطان إنما يكون بصلاح بطانته، وفساده إنما يكون بفسادها، سواء في قصصه الرمزية الألغورية "كليلة ودمنة" التي ، من لباقته وتقيته، زعم أنه ترجمها عن الفهلوية إلى العربية، وقدم لها بتلك المقدمة الرائعة،  إحدى العلامات الكبرى في الأدب العربي على مر الزمان؛ أو في كتابه "الأدب الكبير والأدب الصغير"،والكتابان معا يندرجان فيما يسمى بالأدب السلطاني، الذي يعتبر ابن المقفع أحد أهم رواده، في التاريخ العربي الإسلامي،  إلى جانب الماوردي وغيره. ولكن تلك البطانة الفاسدة المفسدة ضاق صدرها أكثر، عندما كتب ابن المقفع "رسالة الصحابة"، يضطلع فيها، مرة أخرى، بمسؤولية المثقف المفكر العالم، بتوجيه النصح إلى السلطان، وهي مسؤولية استشهادية، ومغامرة قاتلة، في أزمنة الاستبداد والمستبدين ،  والصغار، الذين يعتبرون أنفسهم وذواتهم مقدسة فوق نصيحة الناصحين، مهما غلفوا رسائلهم بالرمز والكناية،ومهما تأدبوا وانحنوا أمام "الأعتاب الشريفة".
  ولوقلَّبت و فلَّيتَ، أيها القارئ الكريم، سيرة  عبد الله بن المقفع، ، كما فلًّاها القدماء، لما وجدتَ، كما لم يجدوا،  شائبة أو شبهة تثبت أثر زندقته أو كفره أو إلحاده أو هرطقته أو ماشابه؛ سواء في كتبه الثلاثة في العربية، وقد أوردت أسماءها،أعلاه، أو فيما كتب ، و جله، في الفارسية، علما أن الرجل الذي قُتل شابا، كان يقرأ ويكتب، ويترجم، في ومن لغات متعددة: العربية، والفارسية ، واليونانية ، والهندية والفهلوية. وهو، وإن ولد ونشأ في أسرة تدين بالمجوسية، إلا أنه أسلم ، وتَسمَّى عبد الله، وتكنى بأبي محمد، وحسن إسلامه، ولكن أعداءه أثاروا عليه الريبة، وذهبوا ما وراء قلبه الذي لا يعلمه إلا الله.
وكان الرجل مستقيما سمحا متخلقا كريما..، حتى إذا ما سألوه كيف حصَّل حسن أخلاقه ؟ ومَنْ أدبه؛ قال: أنا نفسي؛ فما رأيت من امرئ حَسَنا إلا اتبعته،وما رأيت من امرئ قبيحا إلا تجنبته. فكيف،وهو العاقل المتعقل الحكيم، يكون علمه أكبر من عقله؟ أو يكون عقله دون علمه؟ .نعم، ربما كان يعتريه بعض الطيش، وبخاصة، في شبابه المبكر، كما في احتقاره قاتله الحاقد الكاشح ابن معاوية بن المهلب.؛ فمن منا، من بني الإنسان، من لا تعتريه لحظات طيش..؟! ولكن صاحبنا كان كما ، يشهد أعداؤه ، نموذجا في سماحة الخلق وحسن التأدب؛ وبالتالي، فإن مقولة أوصِفة كون علمه أوسع من عقله صاغها ، وروَّج لها المتخاذلون الجبناء الذين يعتبرون شجاعة توجيه النصح إلى السلطان تهورا وحمقا وافتقارا إلى حكمة الجبناء. وهمُ من اختلقوا هذه الحكاية التي يبدو فيها التلفيق صفيقا عندما زعموا أن الفراهيدي ،الخليل بن أحمد(100-170هـ)، صاحب علم العروض، ومعجم العين-أول معجم في العربية- والذي ينعت بأذكى العرب؛ لم يلتق بابن المقفع إلا مرة واحدة، قبيل مقتله، فتحادثا على انفراد، وعندما انصرفا ،كل إلى سبيله، سئل الفراهيدي:كيف وجدت ابن المقفع؟فقال: رجلا علمه أكبر من عقله. وبالمقابل، سئل ابن المقفع:كيف وجدت الفراهيدي؟ فقال-ويا للمصادفة!-، قال:[رجلا عقله أكبر من علمه]؟!،وليس يخفى أن تلفيق القولين يعود إلى عصر تغليب النقل على العقل، فيما بعد عصر الرجلين .فأصبح الجوابان جملتين مسكوكتين تطالعاننا في أمثلة البلاغة المدرسية: علمه أكبر من عقله/عقله أكبر من علمه، مع الحكاية خلفهما،والتي كأنما تبرر مصير ابن المقفع المأساوي بخفة عقله وطيشه!.
                                           *****
  ومرة أخرى، تطالعني هذه الجملة أو النعت:كان  علمه أكبر من عقله،لتبرير جريمة قتل لا تقل بشاعةوإسرافا عن مقتل ابن المقفع وعبد الحميد الكاتب..؛ ستحدث بعد أربعة قرون تقريبا، وهذه المرة ليس في البصرة والعراق، وإنما بالشام ومصر؛ تطالعنا تلك العبارة في "عيون الأنباء" لابن أبي أصيبعة، وعند ابن الوردي في تاريخه، وهما يتحدثان عن السهروردي المقتول، ويقولان:كان، رحمه الله، علمه أكبر من عقله، مستعيدين نفس تأبين ابن المقفع، فكيف كان، أيها السادة، علم السهروري أكبرَ من عقله؟
 في ثمانينيات القرن السادس الهجري، موافق ثمانينيات القرن الثاني عشر الميلادي ،نزل إلى الشام الأيوبية من شمال فارس شاب طبيب صوفي حكيم، هو يحيى السهروردي(549-586هـ/1155-1191م)، أدهش الناس بعلمه الغزير العميق، وبقدرته الكبيرة على المناظرة والحجاج، وإفحام الخصوم، وبخاصة من الفقهاء، وبجمعه بين الطب و"حكمة الإشراق"،أحد أهم كتبه، وهو بعد ذلك، شاعر عرفاني كبير. قد حظي هذا الشاب بإعجاب الملك الظاهر ابن السلطان يوسف صلاح الدين الأيوبي، وكان ابن صلاح الدين فتًى يافعا، ربما دون سن الرشد..، مما جعل فقهاء الشام يتحالفون ويتواطأون ضد السهروردي ، مشككين في علمه وفي عقيدته، متهمينه بالباطنية، وهي التهمة التي كانت تعني ، آنذاك، تأييد الفاطميين ودولتهم التي أسقطتها دولة الأيوبين في مصر والشام، واختلق أولائك الفقهاء/العلماء مسألة كلامية بئيسة، لعلهم يحرجون بها السهروردي، ويقيمون بها عليه حجة الكفر والزندقة؛ ألا وهي:هل في قدرة الله تعالى أن يخلق نبيا رسولا بعد محمد (ص)،ورغم بؤس السؤال أجاب السهروردي بما يقتضيه الإيمان بقدرة الله المطلقة،والإيمان بإرادته، وبكتبه..لكن فقهاء الظلام حرفوا إجابته واجتزأوا منها ما اعتقدوه يقيم الحجة على زندقته، فألبوا عليه العامة والغوغاء، وحاولوا تأليب الملك الظاهر، واضطروه، واضطروا  القاضي الوزير عبد الرحيم بن علي السعدي أن يكتب صك إدانة السهروردي بالكفر والزندقة،ومطالبة السلطان صلاح الدين بإعدامه لما يشكله من خطر على الناس بفتنتهم في عقيدتهم ودينهم،واضطروا الملك الظاهر،إلى إرسال السهروردي أسيرا في الحديد، إلى أبيه بالقاهرة، ليقتله مقيما عليه حد الزندقة.
 ولم تنفع ضراعة، ولا شفاعة، الإبن عند أبيه السلطان، سيما وأن القاضي الوزير قد صور السهروردي شيطانا يدعو إلى الفتنة الداخلية، في وقت تستعد فيه الدولة لمواجهة أعدائها الصليبين. لم يتردد صلاح الدين، في إعدام الشاب الصوفي العالم الشاعر، فكان جهده أن خيره كيف يموت؛ أضربا بالسيف؟  أم صبرا؟ أي بمنع الماء والطعام عليه في سجنه حتى تزهق روحه؟فاختار السهروردي أن يموت صبرا، صائما محتسبا. فلزمت اسمه صفة المقتول، ولم تلزم صفة القاتل البطل صلاح الدين، لأن التاريخ يكتبه المنتصرون.

وهكذا قتل الرجلان شابين كلاهما دون سن الأربعين.
*
فهل، بعد هذا، نظل نردد أن كلا من ابن المقفع والسهروردي كانا علماهما أكبر من عقليهما، ونحن نعلم أن العقل المقصود هو عقل الخضوع والإذعان والجبن، وتخلي العالم أو المثقف عن شجاعة قلبه ونفسه. وحتى لو كان عقل ابن المقفع، أو عقل السهروردي،أصغر من علمه؛ فالأكيد أن نفس وقلب كل منهما كان أكبر من علمه و من عقله، وأن نفوس وقلوب أعدائهما كانت صغيرة حقيرة ؛وإلا اعتبرنا الحكيم الفيلسوف سقراط، أيضا، عقله أصغر من فلسفته، وهو الذي فضل مواجهة حكم الموت،بتجرع سم الشَّكْران، على أن يفر من سجنه، بعد أن تدبر له بعض تلامذته سبيل الهرب بإرشاء الحراس؟
يقول المتنبي الذي مات مقتولا هو الآخر:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبتْ في مرادها الأجسامُ
وهاهو يحيى السهروردي يحيا بيننا، وسيظل يحيا كما يحيا ابن المقفع، بآثارهما الجليلة ،وعلميهما وعقليهما وقلبيهما ونفسيهما الكبيرتين:
وأحب أن أختم معكم هذه المقالة بهذه الأبيات الشعرية الرائعة في الحب الإلاهي ،لشهيد العشق الإلاهي السهروردي المحبوب،يقول:
أبَــداً تَحِــنُّ إلَيْــكُمُ الْأَرْواحُ وَ وِصَالُكُمْ رَيْــحانُها والرَّاحُ
وَقُلُــوبُ وِدادِكُمْ تَشْتاقُــها وإلَى جَلالِ لِقَــائِكُمْ تَرْتـاحُ
وا حَسْرَتا للعَاشِقِينَ تَحَمَّلُوا سِرَّ الْمَحَبَّةِ والْهَوى فَضَّاحُ
بِالسِّرِّ بَاحُوا تُسْتَباحُ دِماؤُهُم وَكَذا دِماءُ الْعاشِقِينَ تُباحُ
وَإذا هُمُ كَتَمُوا تَحَدَّثَ عَنْهُمُو فِيها لِمُشْكِلِ أَمْرِهِمْ إِيـضَاحُ

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube