ترجمة أحمد رباص

لقد عاش الضحايا أنفسهم لفترة طويلة في حالة إنكار قبل ظهور قوة الكلمة واستيلاء المجتمع المدني والأدب عليها، في محاولة للتعريف بمدى هذه المأساة واستدعاء الذاكرة.
في عام 2014، نشر المهندس محمد الشرفاوي كتابا بعنوان “المسيرة السوداء: طرد المغاربة من الجزائر عام 1975″، ترجم مؤخرا إلى اللغة العربية.
كما يوحي عنوانه، يسترجع الكتاب من الداخل التمزق الذي عانى منه عشرات الآلاف من المغاربة الذين تم ترحيلهم في فترة زمنية قصيرة جدا من الجزائر التي فيها وُلد جزء كبير منهم وفيها عاشوا بشكل قانوني، أحيانًا خلال أجيال، وجد (الكاتب) نفسه في سن العشرين مطرودا بالقوة من الأراضي الجزائرية التي شهدت ميلاده.
العربات الخضراء والبيضاء لأتباع نظام هواري بومدين، المشغولين بالغارات بأي ثمن، نتجت عنها عام 2017 استعارة “النمل المفترس، أو مسار شخص طرد من الجزائر”.
هذا هو عنوان كتاب – شهادة آخر، من توقيع فتيحة السعيدي ومحمد مولاي عام 2017 ، كشف الحجاب بشكل عام عن حياة كل هؤلاء المزعزعين بعنف، بمن فيهم الناجون من حرب التحرير في الجزائر التي شاركوا فيها، والمرحلين إلى الحدود في أقل من 48 ساعة، في ظروف غير مقبولة، تاركين وراءهم ممتلكاتهم المنهوبة، وسندات الملكية المصادرة والأوراق الإدارية، وبلد يعتزون به، والأكثر مأساوية، أفرادا من عائلاتهم ، مع حالات مؤثرة لأزواج مختلطين منفصلين، وكذلك أبناءهم.

إعادة بناء مستحيلة

جروح مفتوحة وصدمة لا تمحى ووجهت لزمن طويل بالإنكار وبعملية إخفاء وكبت من قبل الضحايا أنفسهم قبل أن تنبثق الكلمة بالقوة وأن يستولي عليها المجتمع المدني والأدب بإرادة التعريف بحجم المأساة وانتداب الذاكرة.
“كم كان عددهم؟”، تسأل المستشارة فتيحة السعيدي.
“الآلاف بالتأكيد، لكن الأرقام تبقى مخفية: 20.000؟ 45000؟ 80000؟ 300000؟ أكثر؟ أقل؟ لا يهم على أي حال. لا يهم، لأن المأساة ليست إحصائية، واتساعها غير قابل للقياس الكمي.
على المستوى الأدبي البحت، لا يتعلق الأمر حقا بالعودة بالتفصيل إلى السياق السياسي لهذه الدراما التي تمثل ردا حاقدا وقاسيا من النظام الجزائري على نجاح المسيرة الخضراء.
إنها ليست حتى لائحة اتهام قانونية تتعلق بطبيعة هذا النقل القسري والهائل للسكان الذي ينتهك القانون الإنساني الدولي، ويخرق مجموعة من المبادئ العالمية الأساسية، أو حتى التشريعات الجزائرية.
بعيدًا عن أي بناء سياسي أو أيديولوجي، بعيدا عن خطاب الضحية، يتعلق الأمر ببساطة بتصوير الحالة الإنسانية لضحايا الكراهية والتعسف، الذين طردوا دون سابق إنذار ودون سبب قانوني، في غمرة الاحتفال بعيد الأضحى، ثم الترحيب المرتجل في المغرب، لبدء حياة جديدة راضين أو كارهين …
باختصار: حفريات في الذاكرة وإعادة استرجاع لحظة حاسمة عبر تمرين قوي في المرونة.
وبينما على الجانب الآخر من الحدود، لا يزال البعض يقللون من الحقائق أو يحولون نظرات وجه الجورجون الرهيب، فمن المهم النظر إلى إنتاج أدبي مثل إنتاج المحلل السياسي اختار الجزائري منصور قدير،
الكاتب والروائي، المؤلف للعديد من الكتب، لسجل الرولئي ليحكي عن هذه الحلقة الأكثر واقعية في إصداره الأخير، الذي نشر في الدار البيضاء، عن دار النشر (La Croisée des chemins)، والذي قدم اليوم في معرض الكتاب في الرباط في غيابه.
في (رواية) “Rafle au Couchant”، تم ضبط النغمة من صفحة الغلاف الرابعة. هكذا نتساءل مع الراوي عن بومدين: “كيف يمكنه أن يعترف بأن رجلاً بهذه المكانة، والذي أنجز أعمالاً مسلحة عظيمة انطلاقا من قاعدة وجدة، التزم إلى جانب إخوانه المغاربة بتحرير المغرب العربي؟ من يصدق أن الرجل الذي يخاطب الحشود ويوزع الأرض على الفلاحين الصغار ويؤمم استغلال النفط والتعدين التابع لشركات متعددة الجنسيات ويدافع عن حقوق الشعوب المضطهدة في محافل العالم الثالث كان يمكن أن يضع قدمه في المستنقع الآسن؟ أي كرامة كان سيتركها بعد أن أمر بترحيل آلاف الفقراء، بحجة خاطئة مفادها أنهم كانوا من أصل مغربي، بينما هم في مجملهم فتحوا أعينهم في الجزائر …
في ما يخص مسألة الكرامة، يكتب منصور قدير أيضا ، بطريقة أكثر عمومية، أنه من خلال استرجاع لفكر الكرامة، “كان الشعراء، الفنانون والفلاسفة أكثر حساسية حيال تمزق الإنسان، قبل أن يستثمره السياسيون. والمشرعون ويضعوه في مجموغة معيارية”.
ذلك أنه بعيدا عن نقل المعلومات أو التحليل الدقيق للوقائع أو عملية جرد الفظائع، تأخذ قوة الاستحضار بُعدا آخر باستخدام الكتابة الروائية.
في مواجهة الرهانات المظلمة للواقع وعنف التاريخ ،
ويبقى فعلا سحر الأدب ذا مفعول مباشر في القلب والروح، وخلف الصفحات المؤلمة، يقال المسكوت عنه، ويتخيل ما لا يمكن تخيله.
المصدر: Le360

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube