حرب الغذاء وضمان البقاء
بقلم: عمر بنشقرون، مدير مركز المال والأعمال بالدارالبيضاء

على غرار ما تقوم به الشركات الكبرى في بناء استراتيجياتها على مدى سنوات، تبرمج القوى العالمية استراتيجياتها السياسية والاقتصادية على مدى عقود من الزمن.
ربما نشهد اليوم حربًا عالمية ثالثة ليس لها نفس أسباب الحروب السالفة، لكننا على يقين من أن الحرب في أوكرانيا ليس لها على الإطلاق بعد إقليمي. فهي بالفعل حرب ذات أبعاد كوكبية تهدف إلى ضمان الأمن الغذائي لصالح القوى العظمى في هذا العالم، وخاصة الغرب وأوروبا بشكل خاص.
لقد أجمع الخبراء على أن روسيا وأوكرانيا وحدهما يعتبران لاعبين رئيسيين في إنتاج المواد الغذائية الأساسية وتصديرها عالميًا. حيث مثلا معا سنة 2020 أكثر من 53٪ من الإنتاج العالمي من الزيت وبذور عباد الشمس، و 27٪ من إنتاج القمح. ووفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة، فإن الانخفاض في الإنتاج والصادرات لهذين البلدين سيؤدي حتما خلال موسمي 2022 و 2023 إلى زيادة الأسعار في المواد الزراعية في الأسواق العالمية من 9 إلى 21 ٪ للقمح، و 13 ٪ للأسمدة، و 11 إلى 18 ٪ للبذور الزيتية.
وبالنسبة لأوكرانيا وحدها، التي تعتبر “سلة غذاء أوروبا” ، تظل أكبر دولة زراعية في القارة الأوروبية بمساحة 41.5 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة. وبذلك تستحوذ البلاد على أكثر من 15٪ من الصادرات العالمية للشعير، و 16 إلى 18٪ من صادرات الذرة و بذور أخرى و صادرات زيت عباد الشمس وكذلك 60٪ من مسحوقه، ما يدل على أهمية هذا البلد بالنسبة للأمن الغذائي الأوروبي في العقود القادمة في مواجهة الارتفاع المفاجئ في عدد سكان العالم الذي سيصل إلى 8 مليارات بين عامي 2022 و 2023.
و في مواجهة هذا العدد المذهل بالنسبة للبشر على كوكب الأرض، يجب أن يبدأ الطعام دون أدنى شك في طرح مشكلة خطيرة للسلام وبقاء الإنسان بسبب عدم التوازن بين كمية المنتجات الغذائية المعروضة وتلك المطلوبة في الأسواق الدولية ما سيجعلنا نشهد تدريجياً ارتفاعًا مثيرًا للإعجاب في أسعار هذه المواد الغذائية على المستوى العالمي مما سيؤدي بالضرورة إلى حرب الاستحواذ ليس من أجل راحة السكان ولكن من أجل بقائهم على قيد الحياة وربما يكون هذا أحد الأسباب التي تدفع أوروبا والولايات المتحدة حاليًا للإصرار على اندماج أوكرانيا في الفضاء الأوروبي أو حتى في الكتلة الغربية.
واستخلاصا للعبر ولخواتمها، يجب أن تدفع مملكتنا الشريفة بالاستثمار في إفريقيا حيث لم تتطور الزراعة بعد إلى أقصى مستوى من الربحية خاصة في البلدان التي يكون فيها المناخ مناسبًا تمامًا لجميع أنواع البذور دون أن نغفل على أن مغربنا الحبيب يلعب دورا عالميا كونه لاعبًا رئيسيًا في قطاع الزراعة، ليس بسبب طاقاته الإنتاجية من البذور الزيتية أو الحبوب، والتي لا تزال منخفضة جدًا ومرتبطة بهطول الأمطار، لكن بفضل احتياطياته من الفوسفاط التي لا تقدر بثمن. هذه المادة العضوية الضرورية في إثراء التربة ونمو النبات تمكن من مضاعفة مساهمة المناطق الزراعية بمقدار 2 أو 3. وبالتالي يصبح هذا السماد قيدًا أساسيًا لسد النقص في المواد الغذائية التي يواجهها عدد السكان المتزايد باستمرار على هذا الكوكب. ومن منظوري الخاص، لم يعد يتم تقييم العملة الدولية اليوم من حيث الدولار أو اليورو ولكن من حيث الفوائد والأرباح حيث القيمة المطلقة الوحيدة التي يجب أن نبقى ملتزمين بها هي المواطنة والأمن الداخلي و تحديات السنوات القادمة معروفة جيدًا اليوم: الغذاء والأسمدة والطاقة.
نعم، ستظل الصحة والتعليم والعلوم والتكنولوجيا بالطبع شروطًا أساسية للتنمية البشرية لكنها ستصبح تدريجياً سمات رئيسية لعالم Facebook أو Instagram أو Twiter او TikTok. لقد أصبح من الضروري في الوقت الحاضر أن تقاد الدول من طرف ساسة حكماء لا ينصب اهتمامهم الوحيد على ممارسة السلطة بل كذلك ضمان الأمن الجسدي والغذاء لمواطنيهم. و بدون هاتين السمتين لا يمكن النظر في أي تنمية بشرية أو حتى عيش على كوكب الأرض.
واعتبارا لهذا المعطى وما يقوم به صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، يجعلنا نفخر كمغاربة بما يسديه من خدمات فضلى من أجل التنمية البشرية والمستدامة لأمته.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube