أحمد رباص – حرة بريس

منذ عدة سنوات، ترددت كلمة “التحكم” على ألسنة عدد لا يستهان به من الفاعلين في المشهد السياسي المغربي واتخذت بعدا جديدا انطلاقا من تاريخ ميلاد الكتلة الجديدة.
أصبحت هذه الكلمة تتردد على ألسنة جزء هام من النخبة السياسية المغربية واتخذت بعدا جديدا منذ أن قرر حزب الاستقلال، حسبما أعلن عنه أمينه العام حميد شباط، تشكيل تحالف مع حزبي “العدالة والتنمية” و”التقدم والاشتراكية” في أفق الانتخابات التشريعية التي جرا يوم سابع أكتوبر من سنة 2017.
لهذا نجد كلمة التحكم حاضرة في أغلب خطابات السياسيين المجتمعين في إطار هذا الحلف الجديد. ما طبيعة محتده؟ لماذا اكتسى مثل هذه الأهمية؟ ما ذا يعني؟ من يجسده؟ كيف يمكن محاربته؟ للإجابة عن هذه الأسئلة التي يعود الفضل في طرحها بهذه الصيغ لجريدة إكترونية مغربية فرنكفونية، تمت الاستعانة بإفادات من خبراء ونساء ورجال سياسة.
1- ما طبيعة محتد التحكم؟
تعود هذه الكلمة إلى سنوات 1960، وهي تنتمي أصلا إلى معجم اليسار. يقول مصطفى السحيمي المختص في العلوم السياسية: “في تقرير توجيهي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أشار المهدي بن بركة إلى “قوى غامضة” مرتبطة بمصالح تعرقل الدمقرطة والتحرر الاقتصادي والسياسي”.
من خلال هذه الإشارة إلى “القوى الغامضة”، أراد الزعيم الأسبق لليسار أن يميط اللثام عن طريقة في الحكم “إقطاعية وشخصية”.
بعد الانتخابات التشريعية التي جرت سنة 1977، والتي فاز فيها “التجمع الوطني للأحرار”، كشف عبد الرحمن اليوسفي، زعيم “الاتحاد الاشتراكي”، النقاب عن حزب سري وذلك لمهاجمة “جهاز في الدولة من وظائفه التحكم في لعبة سياسية لاديمقراطية” على حد تعبير مصطقى السحيمي.
فيما بعد، تسلم “الاستقلال” و”الاتحاد الاشتراكي” المشعل وهاجما، عبر خطاباتهما ومواقفهما، “الإدارة” في إشارة إلى إدريس البصري وزير الداخلية وإلى القصر الملكي اقتضاء.
بعد ذلك، استعمل “العدالة والتنمية” كلمة “التحكم” في إحالة إلى الكتلة (الجديدة)، إلى معجمها وإيديولوجيتها؛ حسب ما قاله مصطفى السحيمي الذي اعتبر هذه الكلمة إحالة على شكل من أشكال التحكم.
إن التحكم، في نظره، كلمة حركية تعني طريقة في تسيير الحكم. لكن المعني في نظره بهذه الكلمة في خطاب البيجيدي هو حزب “البام” وليس الإدارة”. من هنا يستنتج الخبير في العلوم السياسية أنه ضمنيا يمكن أن نرى في توظيف الكلمة إشارة إلى أن الحزب الخصم يندمج في منظومة التحكم.
2 – لماذا اكتست كلمة “التحكم” مثل هذه الأهمية؟
لأن الانتخابات التشريعية لعام 2017 كانت قريبة على الأبواب. فعلا، الانتخابات التشريعية السابقة جرت يوم سابع أكتوبر من نفس السنة وحزب “العدالة والتنمية”، حسب مصطفى السحيمي، يسعى لإضفاء المشروعية على نتائج هذه الانتخابات.
يقول شارحا: “تلكم استراتيجية فعالة. في حالة الفوز إبان هذه الانتخابات القادمة، سوف يقولون إن الهبة الشعبية كانت أكثر قوة من التحكم. في حالة ما إذا مني “العدالة والتنمية” بالخسران في هذه الانتخابات فسوف يكون في مقدورهم إدانة نتائج التحكم”.
3 – ما ذا يعني “التحكم”؟
3 – 1- التسلط
بالنسبة لممثل “العدالة والتنمية”، عبد العزيز أفتاتي، الذي يستعمل مرارا هذه الكلمة، يعني التحكم “التسلط” من خلال إضعاف “المؤسسات العمومية” ل”المؤسسات السياسية”. فحسب أفتاتي، هناك مؤسسات عمومية تسعى لمهاجمة مؤسسات سياسية. يذكر كمثال على ذلك “مسخرة الداخلة”، في إشارة إلى قضية ينجى خطاط، الرئيس الاستقلالي لجهة الداخلة-واد الذهب الذي تم إعفاؤه من مهامه من قبل وزير الداخلية بمبرر أنه مقيم في موريتنانيا. تم أخيرا إلغاء هذا القرار من قبل المحكمة الإدارية في أكادير.
من أجل مباشرة هذا “التسلط”، يلجأ فعلة “التحكم”، وفق عضو الكتابة الخاصة للبيجيدي عبد العالي حامي الدين، إلى عدة ممارسات مثل “زعزعة سلطة القرار لدى الأحزاب، التخويف، الرشوة، تعتيم الحقل الاقتصادي أو كذلك تحريف المعلومات حتى يستفيد فعلة التحكم من سمعة حسنة في نظر الشعب”.
يمكن كذلك لهذا التسلط أن يمارس، في نظر الاتحادية حسناء أبو زيد، من خلال خلق مشاريع موازية للحياة السياسية. كمثال على ذلك، تأتي المنتخبة عن حزب الوردة على ذكر “الفديك” وأضا “التجمع الوطني للأحرار” اللذين كان الهدف من ورائهما هو ان يصبحا “حزبين للتحكم”. الجدير بالذكر هنا أن “الفديك” تم إنشاؤه من قبل أحمد رضا كديرة، صديق ومستشار سابق للحسن الثاني، فيما تم تأسيس “التجمع الوطني للأحرار” من طرف أحمد عصمان، صهر الملك.
من جهته، أعتبر الأمين العام لحزب “التقدم والاشتراكية” أن التحكم يذهب إلى ما هو أبعد من التسلط وأنه يتناسب و”تحقير الحياة العامة والسياسية للمؤسسات”.
3- 2- تجميع السلط
يمكن للتحكم أن يكون نتيجة لتركيز السلط ( السياسية، التشريعية والقضائية) حسب وجهة نظر الكاتبة العامة ل”اليسار الاشتراكي الموحد” نبيلة منيب. بالنسبة لزعيمة حزب اليسار، أدى هذا التركيز للسلط إلى إقامة “نظام سياسي برأسين، من جهة لدينا الحكومة المعينة ولدينا من جهة أخرى حكومة الظل التي تسير وتوجه فعلا سياسات البلاد”.
رئيس الفريق البرلماني لحزب “الاستقلال” بمجلس النواب، نور الدين مضيان، اعتبر أن التحكم يمثل ” تعريض استقلالية السلطة للخطر”. مثل نبيلة منيب تماما، لاحظ ممثل حزب الميزان كذلك ثنائية الرأس في الحقل السياسي؛ فهناك “طرف يحاول الدفع بالمسار الديمقراطي إلى الأمام وطرف آخر يسعى إلى فرض اختياراته بدون أي احترام للمسار السياسي”.
3- 3 مفهوم للتواصل
بالنسبة للمنتخب عن “البام” مهدي بنسعيد، ليس التحكم شيئا آخر غير “مفهوم للتواصل” من أهدافه تجريد خصوم “البيجيدي” من أي سمعة والسماح لهذا الأخير بتجنب كل نقاش يتعلق بالحصيلة الحكومية. بالنسبةالمنتخب “الأصالة والمعاصرة’ دائما، يكون هذا المفهوم قابلا لأن يقارن مع مفهوم “محور الشر” الذي استعمله جورج وولكر بوش لتعيين أعداء الولايات المتحدة.
4- من يجسد التحكم؟
4- ا- 1 البام
بالنسبة لعبد العالي حامي الدين، الحزب الذي يقوده الياس العمري يقف وراء الاختلالات التي يشهدها الحقل السياسي والتي كشف عنها حزبه وفضلا عن ذلك فهو احترافي في التحكم. وهذا الرأي يتقاسمه الأمين العام لحزب “التقدم والاشتراكيية” نبيل بن عبد الله الذي سبق له، في مقابلة صحفية أجريت معه غداة الانتخابات الجهوية، أن أدان “الضغوطات التي مارسها البام على العديد من الفاعلين في الحقل السياسي”.
4 – 2 المؤسسة الملكية
حسب نبيلة منيب، “يكفي أن نقرأ الدستور” لنجد أن المؤسسة الملكية وراء التحكم. فعلا، “المؤسسة الملكية تهيمن على مجموع المجالس العليا، هناك 29 فصلا من الدستور تنص على هذه الهيمنة. الملك يترأس المجالس ويقوم بدور الحكم الأسمى”.
3-4 شبكة مصالح
هذا هو رأي عبد العزيز أفتاتي الذي يرى أن هذه “الشبكة” تستعمل التحكم للدفاع عن “بعض المصالح والقرارات”. إنها شبكة مكونة من شخصيات تتواجد في “مراتب سلطزية عليا” إذا أردنا تصديق ممثل حزب المصباح.
5- كيف يحارب التحكم؟
5- 1- عن طريق توضيحه
بالنسبة للبيجيديست عبد العالي حامي الدين، يجب أن يقع فضح الممارسات المرتبطة ب”التحكم” لأن “المجتمع مطالب بمعرفة الاختلاسات التي تشهدها الساحة السياسية”.أما زميله في الحزب عبد العزيز أفتاتي فيعتقد أن الحكومة المقبلة مطالبة بإنجاز عملها بأكبر قدر ممكن من الصواب و الشفافية.
5- 2- من خلال صناديق الاقتراع
بالنسبة لنور الدين مضيان، يتعين على مقاومة “التحكم” ان تتم عبر صناديق الاقتراع بالتصويت على الأحزاب التي تحارب هذه الممارسة. نسجل هنا أن حميد شباط أعلن، في كلمة له أمام المجلس الوطني لحزبه، عن كونه يحارب “التحكم” من خلال تشكيله للكتلة مع البيجيدي والتقدم والاشتراكية في أفق الانتخابات التشريعية المقبلة (7 أكتوبر 2017). نفس الرأي عبرت عنه نبيلة منيب التي نوهت بالتصويت المقاوم للتحكم.
5- 3- عن طريق تفعيل مبادئ الملكية البرلمانية
يجب على المغرب أن يباشر “تحديث ودمقرطة” نظامه السياسي من أجل محاربة “التحكم” حسب نبيلة منيب. وفي نظر الأمينة العامة ل”الحزب الاشتراكي الموحد” ينبغي “فصل السلط بكيفية واضحة” و”التعاون من أجل تحقيق الانسجام”. وتلك غاية يمكن الوصول إليها عندما “يسود الملك ولا يحكم وتتمتع الحكومة بصلاحيات واسعة ومحددة جيدا” وتكون خاضعة للمحاسبة.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube