أحمد رباص – حرة بريس

وبينما انا منشغل، كعادتي، بمتابعة ما جد على صفحة الاستقبال من حسابي الخاص في شبكة الفيسبوك، إذا بي اصادف أحدهم ناشرا وموزعا لفقرة من كتاب الراحل محمد عابد الجابري ” أضواء على مشكل التعليم”.
كتب الجابري يقول: “إن الغالبية العظمى من المتخرجين من مدارسنا – الثانوية والعالية- والذين يشتغلون في مختلف مرافق الوظيفة العمومية في التعليم أو في الإدارة أو في المرافق الاجتماعية والاقتصادية، يعودون هم أيضا بشكل أو بآخر، إلى ما يشبه الأمية، إذ لا يبقى لديهم، نظرا لانقطاعهم كلية عن عالم الثقافة والمعرفة، إلا الجزء من (العادات والخبرات) الذي يمكنهم من القيام بأعمالهم الروتينية الآنية، وكأنهم مجرد آلات…آلات رديئة الصنغ، تركت بدون صيانة أو رعاية.”
قبل الذهاب قدما في مناقشة فقرة مؤلف “نقد العقل العربي”، لا بد من توضيح بعض الأمور. منها أن بعض القراء قد يعيبون علي فضح إخواني وأخواتي في المهنة ممن لا يقرأون. ردا على هذا الانتقاد، أقول لو كان هذا الاعتراض صائبا لما أثار الجابري هذه القضية في كتابه سالف الذكر. وهل يجدر بمفكر مستقل أن يتعامل مع قرائه بسياسة الصمت لحفظ المسكوت عنه ولتجنب خدش مشاعر متعلمينا الكبار النافرين من القراءة؟ وبما أنه سبق لي أن تتلمذت على الأستاذ الجابري، فإني أعتبره قدوتي وإسوتي في الصدح بالحق دون الدوس على الخطوط الحمراء المرسومة في دستور الأمة.
لا أدعي أني قرأت هذا الكتاب الصادر سنة 1974 والذي اقتطع منه ألنص موضوع هذا المقال، ولكن صدقوني إذا قلت إن فكرته الرئيسية توصلت إليها ورسخت في إدراكي من خلال تجربتي في الحياة ككاتب متطوع ورجل تربية وتعليم قبل أن أقرأها تحت ريشة الجابري. لم أكتف بحفظها في ذهني مستضمرا إياها في ضميري، بل كنت أبحث لها عن الكلمات المناسبة للتعبير عنها علانية وتضمينها في بعض مقالاتي.
يظهر بوضوح أن كاتب النص أعلاه يتهم بالنفور من القراءة شريحة عريضة من الممدرسين والممدرسات الحاصلين على نصيب من التعليم واللذين حالفهم الحظ للحصول على وظيفة عمومية مهما كان القطاع الذي يعملون فيه. هل نقول: إذا عمت هانت؟ هذا غير صحيح بتاتا في هذا المقام. هنا يصح أن نقول بدلا من ذلك: إذا عمت هزلت.
وإذا أردنا الحديث عن ظاهرة العزوف عن القراءة لدى رجال ونساء التعليم بحكم التخصص، فيجب ألا يغيب عن بالنا التأثير السلبي للظاهرة ككل على الوضع الاقتصادي والاجتماعي لكل الدوائر ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بالصحافة والصناعة الثقافية والبحث العلمي، ناهيك عن العرقلة الناتجة عنها لمسارات التنمية المستدامة. وهل يمكن تحقيق التنمية البشرية بممارسة أنشطة مادية مذرة للدخل فقط دون التخطيط لممارسة أنشطة معنوية تقتل اللاإنسان في الإنسان؟ وكما قال المسيح عليه السلام: لا يعيش الإنسان بالخبز وحده.
من الجانب المضيئ الحاوي لإيجابيات القراءة في مهنة التعليم، حصل لدي اليقين أن عادة ممارسة القراءة كفعل يومي كفيلة بتمكين المدرس من الإبداع في حياته اليومية وفي عمله التربوي داخل حجرة الدرس، وقد يكفيه إبداعا أن يكتب لمتعلميه على السبورة كلمات صحيحة ويقدم لهم عنها شرحا شافيا للغليل. أما زملاؤه النافرون من القراءة، فتجدهم يرتكبون أثناء رسم الكلمات أخطاء يندى لها الجبين ويترتب لدى مقترفها الخجل من نفسه. إن القراءة المنتظمة تعصم القارئ من الوقوع في الخطإ أثناء كتابة الكلمات.
منذ ولوجي لمتاهة الفيسبوك – ولهذا سموه شبكة – وانا ألاحظ اللغة العربية واللغة الفرنسية تتعرضان من بعض المدرسين والمدرسات لمجزرة رهيبة على شكل أخطاء لا تعد ولا تحصى. وهناك من يقول: الامر طبيعي، الكل يخطأ. ولكن مثل هذه الأخطاء تدل على أن الإنسان إذا كتب كلمة ما خطأ فأكيد أنه لم يقرا تلك الكلمة منذ مدة وأنه نسى “الاورثوغراف’ ديالها.
وانا اعتبر الكلمات مثل الأفراد الذين نعرفهم نبقى عاقلين عليهم إذا كان لنا بهم اتصال مباشر وغير مباشر ولكن دائم ومنتظم. وإذا انتفى هذا الشرط ننسى أساميهم، وكذلك الشأن مع الكلمات في أي لغة نحفظ رسومها مع معانيها ظهرا عن قلب إذا كنا نقراها دائما في لغتها الأصلية..
وليس هذا الأمر السيئ مقتصرا على المدرسين وحدهم، بل يقع فيه حتى المديرون والمفتشون وغيرهم من العاملين في القطاع.
والحقيقة التي تفقأ العين هي أن من لم يكتسب القراءة كعادة يومية في صغره وشبابه يصعب عليه اكتسابها وهو كهل ظهره مشرف على التقوس. فاتك التران يا فلان!!!
ومما لا شك فيه أن ممارسة القراءة من طرف الإنسان أيا كان عمله تورثه الذكاء المتقد وتبعده عن التفاهات وتحميه من السقوط في براثن البلاهة. ولا يخفى عليكم أن الأذكياء أبعد الناس عن الشر وما يستدعيه من جرائم وانحرافات، في حين يظل البلداء مصدر الشر المستطير. وها أنتم تلمسون مدى أهمية القراءة في محاربة الجريمة وتقليص عدد النزلاء في السجون.
القراءة اليومية تشحذ الذكاء وإن كان القارى ذا ذكاء متواضع يصير مع مرور الوقت شديد الذكاء ويصبح بالتالي بعيدا عن السلوكات والأفعال الشريرة، أما الأمي الذي لا يقرأ فيظل بليدا وتتفاقم بلادته فيصبح بهذا الحال شريرا لا يؤتمن جانبه..لهذا يجب الاحتياط من إسناد مسؤولية تدريس الأطفال لأشباه الأميين ومن منحهم التمثيلية في المؤسسات المنتخبة حتى لا تتضرر مصالح الشعب من شرورهم.
وفي الختام، أرى أنه من المناسب إدراج تعليقات بعض أصدقائي في الفيسبوك على ما قاله محمد عابد الجابري في الاستشهاد المنطلق.
في هذا الصدد، اكتفى جمال السيد بطرح سؤال اختار له هذه الصيغة: “هل السبب يعود للدولة لعدم تطويرهم ثقافيآ وتقنيآ كل وفق مجاله ام ثمة عوامل اخرى؟”
من جهته، قال زميلي الكاتب الروائي الذي لم يفرط في القراءة منذ نعومة أظافره، وإلا لما كان مبدعا في السرديات: “والأغرب من كل هذا أن من يكونهم ويدرسهم قبلا هم أساتذة محرومون تماما من كل مواكبة وتكوين مستمر وتشجيع على الإبداع والتكوين الذاتي وغيرها من متطلبات مهمات التدريس والتكوين.”

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube