أحمد رباص – حرة بريس

والآن سوف أفرد الحيز الأخير من هذا المقال للحديث عن التحديات الجديدة للممارسة السوسيولوجية في المغرب، فأقول إذا كان من الواضح أن علم الاجتماع هو موضوع اهتمام معين من جانب السلطات العمومية وأنه من المتوقع أن يساهم علماء الاجتماع في تحليل الطفرات الرئيسية التي يمر بها المجتمع المغربي، فإن تدخله، مع ذلك، لا يزال محدودا، كما تؤكد ذلك الدراسة الببليومترية لجميع البحوث في العلوم الاجتماعية المنشورة خلال الفترة الممتدة من 1960 إلى 2006 (الشرقاوي، 2009).
هناك عدة عوامل تفسر هذا الوضع: ضعف موارد التمويل، عدم وجود إطار قانوني لتحفيز الباحث، وغياب مجلة متخصصة في علم الاجتماع.
في غياب سياسة عمومية للبحث العلمي، تستند ممارسة البحث أساسا إلى مبادرات فردية أو “شبكات فردية”، تتم خارج المؤسسة الجامعية.
تعتمد موضوعات البحث على الطلبات الخارجية والداخلية؛ إذ هي مرتبطة بالمعايير الدورية بدلاً من استراتيجيات بحثية. اما البحوث الحالية المرتبطة بمشاكل التنمية (الفقر، التهميش، الاستبعاد، الصحة، البيئة) فهي تستجيب للمطالب السياسية والاجتماعية أكثر من استجابتها لاستدامة مشاريع البحث؛ الشيء الذي لا يشجع على التراكم العلمي.
من ذلك، نخلص إلى أن التحدي الرئيس المطروح على علم الاجتماع يكمن في إعادة تأسيسه على أسس جديدة تسمح بتعزيز التعليم العالي والإنتاج العلمي. كما تحتاج ممارسة علم الاجتماع، أكثر من أي وقت مضى، إلى تعريف دقيق لتوجهات البحث ضمن الإطار الوطني وبشكل عام ضمن الإطار الدولي.
وإذا كان الاتجاه، مع الإصلاح الجديد، هو تكثيف بنيات البحث، فإن الخطر، دون تعريف واضح لأهداف البحث، ودون دقة علمية، هو أن تصبح هياكل فارغة. ومن هنا يأتي العمل الأولي للتواصل بين علماء الاجتماع، وتداول المعلومات، وتنسيق وتقييم الدراسات، ما يعد أمرا ضروريا لتخطيط المستقبل العلمي لهذا التخصص.
هناك تحدٍ مهم آخر يتعلق بالمسألة اللغوية في المغرب. يعود تعريب علم الاجتماع إلى أوائل السبعينيات. إنه جزء من منظور السياسة العامة الذي يؤثر على جميع تخصصات العلوم الاجتماعية. من هذا المنظور، يشير تعريب العلوم الإنسانية إلى البعد الثقافي للمجتمعات في العالم العربي الإسلامي.
في الثمانينيات، كان نقاش علماء الاجتماع العرب مستقطبا حول مسألة خصوصية مجتمعاتهم. فقد “عارض بين أولئك الذين يعتبرون أن علم اجتماع العالم العربي يجب أن يساهم في علم “كوني” وأولئك الذين بالنسبة لهم العلوم الإنسانية والاجتماعية لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تدعي الكونية” (بن سالم، 2004: 91).
سينتهي هذا الوضع في المنطقة المغاربية، لا سيما في الجزائر وتونس، بانقسام بين علماء الاجتماع الناطقين بالعربية والفرنسية الذين يعملون في مجالات وقضايا مختلفة (المليتي؛ المدوي، 2007، محفوظ-الضراوي، 2008).
في المغرب تبدو سياسة التعريب الآن فاشلة. فوفقا لبعض المتخصصين في المسالة اللغوية في المنطقة المغاربية، يتموضع هذا الفشل في علاقة بالهدف الأولي وهو السماح للأطفال المغاربيين بالتجذر في لغتهم الثقافية المكتوبة، وهي اللغة العربية الفصحى وفي نفس الوقت إتقان لغة أجنبية. لكن الجماهير لا تتحكم في أي منهما “(معتصم ، 1993: 168).
وبينما تم تكوين الجيل الأول من علماء الاجتماع المغاربة على التقاليد السوسيولوجية الغربية، تكون توجهاتهم النظرية مستمدة من النماذج العلمية المصاغة في أوروبا، وتعكس أبحاثهم رغبة حقيقية في أن تكون جزءا من المناقشات النظرية والمنهجية للمجتمع الدولي.
إن مسألة وضع الأجيال الصاعدة هي مسألة ملحة للغاية. وتحت تأثير السياسات اللغوية سيئة الإدارة، تجد هذه الأجيال الجديدة نفسها معزولة “عن تراكم المعرفة الذي تحقق بالفعل في تخصصاتهم وعن مجال علمي”عبر وطني”، توفرت للمغاربة الناطقين بالفرنسية إمكانية الوصول الكامل إليهما، في تزامن مع إعادة تنشيط أنماط تنظيم الفكر التي يمكننا التوافق عليها، إن لم يكن وصفها بأنها “تقليدية”، على الأقل باعتبارها منفصلة عن الاتجاهات المعاصرة في العلوم الاجتماعية” (روسيون، 2002: 216).
إن قطع الجيل الجديد مع مصادر المعرفة السوسيولوجية هو عنصر رئيسي يلقي بثقله على مستقبل الممارسة الاجتماعية في المغرب وعلى إدراجها في المناقشات العلمية للمجتمع الدولي.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube