محمد دينية

سترى بعد قليل، في مدننا وتجمعاتنا، أناسا يشاركونك الرصيف الذي تقف على حافته، ينتظرون معك إشارة المرور ليعبروا الى ضفة الشارع الأخرى، أو يناكبونك متجرا وحافلة وَتِراماً ومقهى ومطعما، ستعرفهم بسيماهم، يلصقون شاشية صغيرة القُطر فوق چُنَّةِ رؤوسهم، وقد أسدل بعضهم ضفائر على أكتافهم واعتمروا قبعات سوداء وارتدوا معاطف طويلة سوداء كذلك، وأرسلوا لِحىً شَعتاءَ تدلت من ذقونهم حتى الصدور، أولئك هم الذين سياتون سواحا الى بلدنا أو زوارا الى موطنهم الأصلي في مدن كالصويرة ودمنات وفاس وتاونات وغيرها.. فإذا ما دخلت مطعما لتناول غذاء أو عشاء، سيقدم لك نادل المطعم قائمة طعام، تحتوي على الرقاقة والسخينة والكاشير، ضمن اختيارات كنت قد تعودت على غيرها كالطواجين وقطبان الشواء والكسكس قبل أن يندس خلالها الهامبورچر والطاكوس والبيتزا، الآن حل بيننا زائر جديد، علينا أن نكرمه ونحتفي بأذواقه ووصفاته.. بل ستجد مقاهي بلافتات بيضاء موشحة بالزرقة، قد رسمت عليها حروف لم تكن تجرؤ حتى على رؤيتها بعيدا عنك في قنوات أجنبية، ستراها الآن أمامك وعن يمينك وشمالك تزين أبواب المقاهي والمطاعم معلنة أنها تقدم أشهى أطباق ملاوخ وميراف والكشروت، وقد تزاحم على طاولاتها اللاهتون منا وراء كل جديد، كيفما كان، وأيا كان صانعه وغايته، من شبان وشابات، بل وحتى كهولهم والشيوخ.. وبما أننا بلد متعدد الثقافات ومنفتح على كل الحضارات واللغات، فستنهض جمعيات ومنظمات منا، تنادي باعتماد العبرية في الدستور فهي على كل حال لغة أجدادِ مُكَوِّنٍ من مكونات أمتنا، فكفانا من التقوقع في لغة الجاحظ وابن الرومي وابن رشد والعقاد وأحمد أمين، والمختار السوسي وعبد الله چنون، التي لم يعد يفهمها أحد، والتي هي دخيلة علينا، هي لغة الجزيرة العربية وما حولها، فلنُدَرِّس لأبنائنا بدلا عنها إذن، بالإضافة إلى الدارجةِ والأمازيغيةِ، لُغتَي أمهاتنا، والفرنسيةِ، لغةِ العلمِ والتكنولوجيا والاقتصاد، لنضف إليها العِبرِيَةَ، لغةَ أجداد مُساكِنِينا التاريخيين أيضا، لِنُدَرِّسها لأطفالنا منذ نعومة أظفارهم حتى يُتقنوها، لأنها لغةُ فهم تراث التَّلمود والقراطيس وتوابيت لفائف الشريعة اليهودية المرفوفة في خزانات بيت الذاكرة المرمَّم حديثا، فقبيح بنا وإن قدم العهد هوان الآباء والأجداد. لكن إياك أن تُسوِّلَ لك نفسك أن تُذَكِّرهم بأن ما في تلك القراطيس واللفافات أكثرُه تحريفٌ للتواراة، فقد أخبرنا القرآن الكريم أن الله تعالى «… أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا….» الأنعام91، كما أخبرنا بالوعيد الذي توعدهم به عقابا على تحريفهم: «فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ»البقرة 79 ستتهم حينئذ بمعاداة السامية والعنصرية وإنكار المحرقة وأنت في الأصل سامي أيضا فكيف تعادي نفسك، ولا علاقة لك البتة بالمحرقة، فقد كان هتلر يكرهك أنت أيضا ويُعِدُّها لك أيضا، لولا أن مجرى الحرب سار ضد رغبته. وقد آويتَ اليهودَ وآجرتهم وحميتهم خوفا من بطشه، كما آوى أجدادُك أجدادَهم من بطش ايزابيلا وفييليبي حينما طُردوا من الأندلس أو لجأوا إليك واستغاثوا، خوفا من محاكم التفتيش والقهر والاكراه على التنصير.. أوالإبادة. لقد أحسنت إليهم لأن دينك يأمرك بذلك، لكنه أمرك أيضا أن ترفض تحريفهم لأنك مسلم مصدق لما جاء في القرآن خاتم الرسالات والأديان الذي يدعو الناس كافة للدخول فيه لينقذهم من الضلال إلى الحق، الحقِّ الذي جاء به موسى نبينا ونبيهم، ثم عيسى نبينا ونبي النصارى، وقبلهما أبو الأنبياء إبراهيم، بل نوح قبلهم، ثم محمد الرسول الخاتم رسول الله إلى الناس جميعا :«شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ…»الشورى 13.لأنه الدين الواحد الذي صدرعن الإله الواحد إلى الناس جميعا في كل زمان ومكان: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» آل عمران19 «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ»85 فتلك لعمري الثمرة المرجوة من الحوار بين الأديان، وغايتُه الوصول إلى الحق بالإقناع والاقتناع لا بالقسروالإكراه « قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ» آل عمران 64!! وتسير في الشوارع الرئيسية في مدينتك، وتتجه نحو بائع الجرائد والمجلات، فترى بينها “يدعوت أحرنوت” و”معاريف” جنبا إلى جنب مع “العلم” و”الاتحاد الاشتراكي” إخوانا على سرر متقابلين، ودون أن تكلف نفسك عناء تصفحها، فستأتيك الإذاعة والتلفزة المغربية، بآخر أنشطة الحكومة الإسرائيلية وإنجازاتها في تقوية جدار الفصل بين اليهود والعرب، وتجهيز مستوطنات سكنية لليهود، مقامة على أراضي الفلسطينيين، وأطواق الشرطة المانعة للمصلين من الوصول إلى الأقصى لعبادة ربهم، وقد يرفهون عنك بنقل صور لقصف طائراتهم الذكية المدججة بأحدث الأسلحة والذخيرة، لغزة العزلاء، المحاصرة بين العسكر والبحر، لأن المحاصَرين هناك قَذفوا إسرائيل بصواريخ من ورق وأشعلوا إطارات بالية وحملوا جثت قتلاهم جراء القصف والتدمير، هاتفين بالحناجر ضد الاحتلال الذي منع عنهم المساعدات بعد أن استولى على أرضهم وجرف حقولهم ودمر بيوتهم واقتلع زيتونهم ونخلهم وعنبهم..

وعليك وأنت تستمع إلى الأخبار وتشاهد التلفزة، أن تتفهم سلوك إسرائيل هذا، فهي لا تفعل سوى أنها تدافع عن نفسها ضد الذين يعتدون عليها من أهل الدار التي دخلتها عليهم عنوة، قائلة: إنهم يرفضون أن أحتل بيتهم، ويسعون إلى الحرية والاستقلال، وإلى ظل دولة ذات سيادة على ما تبقى من أرضهم وإلى العيش في أمن وأمان…. فهل يحق لهم أن يفعلوا!!!

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube