مصطفى المنوزي رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن

التنصت والاختراق مفترض في اي علاقة صراعية او صدامية وتناحرية ، وإن جزءً من الحملة الجارية هو إعلان تحصيل حاصل وليس إكتشاف للعجلة ؛ لذا وجب أخذه بعين الاعتبار دون السقوط في فخ تصدير الترهيب الفكري أو قانون القمع والردع الناعم . لذلك فليس جديدا ان يتم افتعال حملة التنصت على ” معارضين ” مفترضين أو حقيقيين ، خاصة وأن الجميع يمارس السياسة ، موالاة ومعارضة ، بعيدا عن طقوس الماضي القمعي السرية ، وبذلك فالدولة ومؤسساتها هي وحدها من يمارس التقية على المواطنين ، في حين تقبع تحت مجهر العيون المخابراتية الأممية ، تعاقدا بتمام سلطان الإرادة الحر والطوعي أو إذعانا . من هنا فإن ما يؤرقنا هو مصير الوطن لما بعد الدولة ، بعد تخلي القوى العظمى عن حلفائها وعملائها التقليديين ، وما يقلقني هو كلفة التحديات التي رفعتها الدولة تجاهها ، خصوصا بعد تولد إرادة لدى بعض دول جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط بالتحرر من دور دركي المنطقة او حارس الحدود والرساميل والمصالح الأجنبية . وباسم هذا التحول في خيار الدولة ذاع الخوف ، من جديد ، من عودة تحكم الملكية التنفيذية باعتبار أن مجال الأمن الخارجي وحماية الثغور ، مجال محفوظ ولا يهم الأحزاب السياسية ، رغم أن الأمن يعد أهم دعامة لاي مشروع سياسي والاحرى لاي مشروع مجتمعي ، فدون سلطة القرار الأمني المؤطرة لصناعة القرار التشريعي والمالي ، يصعب ديمقراطيا تفعيل المشاريع السياسية والخيارات التنموية المجتمعية ، لتطرح ملحاحية حاجة الوطن للأحزاب الدمقراطية ؟ وحاجة المجتمع إليها ؟ وعلى الخصوص حاجة الدولة لها ؟ وبنفس القدر حاجة الأحزاب الدمقراطية للدولة و للمجتمع ؟ فهل يغني التعاقد مع الملك عن الباقي ؟

تأتي أهمية هاته الأسئلة إثر كل كبوة مبتذلة وعبثية ، فعلى هامش بعض تداعيات خرمات انقسامية وانشقاقية من أعلى ، لا تعكس بالضرورة الحركية الاجتماعية ، وكنا نعتقد أن الغيورين على الوطن الديموقراطي سيمارسون قانون نفي النفي ، لكن يبدو أن هناك مخططا من أهم مظاهره تركيز بعض الأقلام والتصريحات على فقاعة “لدكاكين السياسية ” و تروم تبخيس العمل الحزبي مقابل نشدان وساطة المؤسسة الملكية أو تحكيمها لا فرق ، وعلى الخصوص المرتبط بهيئات سياسية منحدرة من الحركة ، الوطنية بهدف إبراز بدائل سياسية لا تعترف بالتنظيم والإنضباط والدمقراطية التمثيلية الوسيطة ، وذكرني بما جرى في بداية السبعينيات ، عندما رفع شعار ” لا رب ولا سيد ” ، والذي تبنته تيارات شبابية تغترف بعضا من مبادئها من نظرية وثقافة الشيوعية الجذرية والإشتراكية الفوضوية ، وإن كان الفرق شاسعا بين تلك التجربة وبين ما يجري حاليا ، لكون سياق اليوم يتغذى من تراكم فوبيا انقراض اليسار ، تعضدها ثقافة إنتهازية يمينية محافظة ، تؤسس لنظرية ” كم من حاجة قضيناها بتركها ” ، لا تعترف سوى بالعالم الأُخروي ، فأما الحياة الدنيا فمجرد ” لهو وعبث ” . ليبقى وجه التشابه والإشتباه هما عودة الإيديولوجيا بقوة ، مؤطرة بالفكر السحري و الأسطوري والأريسطي معا ، تروم بناء سلام ” عادل ” بين الأصوليات ، تقدس الإقتصاد السياسي المفعم بتجارة الخرافة والدين ، تحت يافطة وديماغوجيا تبجيل قيم الحرية ، حرية تنقل الإشاعة والبضاعة والخدمات والمبادرات وحرية تملك و احتكار ، سلطتي المال والإستغلال ؛ مع الحفاظ على الطابع الإحساني / الخيري للمسؤولية الإجتماعية ؛ ليتأكد إذن ، بنسبية طبعا ، على أن القائمين ومهندسي إنقاذ وتجديد المنظومة الرأسمالية يراهنون على استئصال كل ما له علاقة بالذاكرة الكفاحية والتحررية ، المناهضة للإستعمار ، أو ما له علاقة بالنضال الشبابي العالمي ، أو الحركة العمالية والثورات الثقافية ، وهذا يتجلى في تمثل بعض الرواد و الزعماء ” لمنطق ” لا رب ولا سيد ” ولكن بنفحة تستهدف أركان التفكير النقدي وسيادة العقل والعقلانية ، بذريعة وعلة أن كل ما هو جمعي كلياني وشمولي ، حيث تتماهى مشاعة الحرية مع شيوعية التحرر من الضوابط ، ليكون معيار الأخلاق هو الأساس ، بمعنى أن الفساد هو سبب الإستبداد وليس العكس ، هذا الفساد الذي يحتاج فقط الى حراك وقتي لتصحيح الأمور ، يحتاج الى تخليق وعصيان سلمي ، إلى قوة ناعمة تغلف عنفا لفظيا وقتلا رمزيا بطيئا لقيم التنوير والتغيير، بدل تبني استراتيجيا الصراع الاجتماعي والسياسي والقانوني ، الكفيل ، فريدا ، بتقويم الدولة دمقراطيا . من هنا فالقضاء على الاستبداد لا يعني في نظر دعاة التمرد ، في عصرنا ، سوى هد أركان الرأسمالية المتوحشة ، بكفاية مناهضة الريع والفساد ، دون المساس بالجوهر ، وحتى ولو شاءت الأقدار بثورة على الوضع فلن يحصل سوى إنقلاب على الأشخاص دون النظام ، وذلك باستيراد “دمقراطية “الخارج والخوارج ، دمقراطية لا علاقة لها بخيارات الحركة التقدمية المغربية المهددة بالإستهداف والإستئصال بمعناه الانطولوجي ، ليس فقط في مشروعها الدمقراطي ولكن بالأساس في شرط دمقراطية نضالها الاستراتيجي الذي يراد أن يختزل في الوكالة الانتخابية المأسوف على مصيرها أيضا ، لأن الدمقراطية اللبرالية / البورجوازية ، وعلى علتها ومحدودية وقعها الحقوقي ، ينبغي ان يكون لها نساؤها ورجالها متشبعين بالوطنية والمواطنة ، وإرادة التحرر من العولمة المتوحشة المغذية للفكر الوهابي والإخواني والشيعي حتى فما هي إمكانيات استدراك الموقف والزمن بتجديد التصورات والخيارات بأفق تقدمي ودمقراطي .

لقد ولى زمن التضامن ورصد الانتهاكات ، زمن كفى المؤمنين بالتغيير شر النضال . و بعيدا عن منطق عدالة المهيمنين اقتصاديا والمسيطرين سياسيا ، علينا محاولة بسط ووضع قصة هيبة الدولة على محك التقييم والتقويم ، فالهيبة دائما نسبية جدا ، فالوطنيون تنازلوا عن أولوية الاستقلال الشكلي مقابل عودة رمز السيادة في شخص الملك بن يوسف الذي كان سلطانا ؛ ولأن التاريخ الوطني مجرد تسويات ؛ على الجميع عدم الإغترار بالتعاقدات القديمة ، التي كانت تفرز شرعيات معينة ، ولنفكر في كيفية تفعيل كل الإلتزامات والضمانات القانونية والتعاقدية التي دسترت ضمن وثيقة فاتح يوليوز 2011 ، على حالتها أو علتها ، ونطرح سؤال يبدو إنه شبه وجودي: ألم يحن الوقت لإبرام بعض التنازلات التبادلية الإيجابية من قبيل رد الإعتبار للعمل الحزبي المستقل والمنتج لإرهاصات البناء الدمقراطي المؤجل منذئذ ؟

ولنبدأ من مصالحات بينية داخل الصف التقدمي وأيضا داخل مربع التحالف الطبقي الحاكم ، والذي تنعكس ” تنازعات ” مهامه واختصاصاته المتماهية على مصير المواطنين والوطن ، حقوقيا وسياسيا وامنيا ، ما دام لم تتم دمقرطة القوة العمومية وسبل إنفاذ القانون واستثباب الأمن ، ولم يتم إرساء ضمانات عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ، ومن ضمنها تدشين المجلس الأعلى للأمن ومجلس الدولة الضامنين شراكة ومؤسستيا للحكامة الامنية والأمن القضائي والرقابة الدستورية . فهل سيعلن الملك عن مجلس الدولة وفق ما التزم به في خطابه إلى السلطة القضائية بتاريخ 15 دجنبر 1999 ، موازاة مع المجلس الأعلى للأمن بعد عشر سنوات من دسترته طبقا اما ينص عليه الفصل 54 من دستور 2011 المنظم لهيكلة واختصاصات المجلس الأعلى بصفته هيئة للتشاور بشأن إستراتجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات والسهر أيضا على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة ؟

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube