مصطفى المنوزي

( محاولة لإبرام توفيق بين فلسفة الحق في الحياة وبين حق تقرير المصير )

صحيح إنه من منظور حقوق الإنسان ، اختيار الحياة هو حق شخصي ، كما أن اختيار طريق قد يوصل إلى الموت هو حق شخصي أيضا لا دخل للآخرين فيه ، قد يكون احتمال الموت شبه مؤكد ، لكِن لا أحد له الحق في التدخل أو إجبار هذا الشخص لتعديل قراره .
وقياسا على هذا فإن الأمثلة كثيرة، فالذي يجند لحرب ضارية أو يختار خوضها كمن يدخل الهيجاء بدون سلاح ، فالموت ينتظره، إذن اختياره ولا حق لأحد في أن يثنيه عن ذلك، كما أن الذي يمتنع عن قرار التجنيد في الحرب خوفا من الموت او لاعتكاف ضميريٍّ ، فمن حقه أن يتصرف ملء إرادته دون إكراه . وكذلك الشأن بالنسبة لمعتقل لا يملك سوى ان يمارس حقه الكامل بإرادة حرة في التعبير عن احتجاجه وليس لنا الحق في مخاصمته أو منعه أو ثنيه عن المضي في خياره.
غير أنه على المستوى السياسي ( الواقعي ) علينا أن نساعده في التفاوض مع السلطة المختصة قانونا او المعنية قطاعيا ، التي يخاطبها بطريقته ، لإيجاد حلول دون لي دراع أحد ، وخارج منطق غالب ومغلوب او هيبة الدولةاو نزاهة الشخص ، وهذا ما أكدنا عليه في المقالة السابقة ذات الصلة ، وسطرنا على حقيقة أن هيبة الدولة واحترام المؤسسات والسلطات وتقدير استقلالية بعضها عن بعض في مثل هذه الأحوال ينبغي أن تكون ذات المصلحة الفضلى دون شطط أو تعسف في استعمال الواجب أو الحق أو القانون حتى .
لكن من الزاوية القانونية التي تلزمنا بضرورة بذل عناية دون أدنى تقصير ، بكل جدية ومسؤولية لتفادي أي سوء فهم لسياق تفعيل الحق بكل حرية وإطلاقية ، لأن المقاربة القانونية هي الكفيلة بحماية الحق في الحياة كأقدس وأسمى الحقوق ، فالإنسان هو حياته ، وحياته هي نفسه وذاته ، ليس إلا ، وبهذا لن نعرف قيمتنا إلا من خلال تمسكنا بالحياة من أجل أي حق أو حرية . وإذا طلب منا أن نمارس توفيقا بين الارادتين ، إرادة الشخص ومساحة سلطان هذه الإرادة ، فلا يمكن ان نخوض هذه المغامرة إلا بالاستعانة بفلسفة الحق كمصدر لتقنين وتاطير الحرية ، وعلى كل حال ، فالخطاب موجه للمحيط ( المؤازِر قانونيا وإنسانية ) ، والذي عليه تبيئة الأجواء وبلورة مخرجات الانعتاق من هذا المأزق الذي يتماهى فيه القانون والحق والتمثلات وأحيانا السياسة بمعناها وبعدها البراغماتي ، ولهذا ، وإذا وقفنا جميعنا نتأمل الموت كحقيقة مطلقة ، وبالنقابل ينظر بعضنا إليها كورقة للمساومة أو الخلاص ، استسلاما او تجاوزا ، تارة باسم الشهادة وأخرى بعلة نفعية أو الركوب ، فكما الحانوتي وحفار القبور وممون حفلات التأبين والمآتم ، ينظر بعضهم إلى المرشح كشهيد أو كفريسة لقضية محتملة ، وعلى عكسهم قد تكون للضحية كما الجلاد قضية ، مستعد للتضحية بحياته من أجل بلوغها ، فكيف نقيم جدوى وجودة وسيلة الضغط على الخصم المفترض او الحقيقي ، هذا الأخير لا ينظر إلى وسيلة التلويح بالتمويت الذاتي إلا انتحارا يحرمه الشرع وابتزازا يجرمه القانون ، ومهما قابلناه بالحق في استعمال آلية معركة الأمعاء الفارغة ، فإن ملاءة الذمة والمسؤولية ، الأخلاقية والقانونية ، تقتضيان من العقلاء التعامل مع ظاهرة تبني واختيار التمويت الطوعي مخاطرة او ارتهانا ، أو قربانا لآلهة لا قدرية تملكها ولا قضاء يحكمها ، لأن الموت ليس حدثا احتماليا ، كما يقول ميشيل فوكو ، وإنما هو حدث ضروري ، تنتهي بمقتضاه تلك الفترة الحقيقية من العمر الإفتراضي ، وبذلك وفي إطار نظرية المخاطر لا يمكن تصنيف الموت القسري إلا إعداما تعسفيا للحياة ، فهي جريمة إذن مطلقة في المكان والزمان ، وفي إطار قياس تناسب الاستسلام لهذا الخطر المطلق مع نسبية الغاية ؛ فإنه مفروض في من يقارن ويوازن او يرجح ، أن يختار أهون الضرر، ورغم اختلاف المرجعيات فيبقى ” درء مفسدة افضل بكثير من جلب منفعة ” ، فهل نحن مؤهلون للتأمل في معنى الموت الاعتباري لوجودنا أمام جبرية تبخيس قدراتنا وتحقير إرادتنا على مواجهة الظلم ، والذي ليس بالضرورة مصابا جللا مقارنة مع المنية وبقية المصائب والشرور ، كعوامل لإنهاء يومنا الحياتي الاوحد والطويل ، في ظل دنيا شرع لنا أن نستعد لها وكأننا سنعيش أبدا ، وبنفس القدر أن نستحضر بأنه ليس بالانتحار سنفلح في تحقيق متلازمة لكل بداية نهاية ، وندخل إلى اليوم الآخر باغتيال النفس التي حرم الله ؟ ومن نخاطب يا ترى ، في الضفة الأخرى بقضيتنا ، على فرض أننا نمارس تمرينا في التعبير والاحتجاج ، في ظل بنية تعيش أزمة قيم ، حتى لا نقول ازمة ضمير ، في جميع الاتجاهات و المواقع والمحيطات والمناخات والدوائر ، تتماهى فيها الانتماءات والولاءات والمسؤوليات ، وتتخبط فيها البوصلات والإرادات ؟ ولماذا يهرول بعضنا ، من الاقارب والأصدقاء ، إلى استعجال زمن الفناء من أجل نزوة تضامن ومْضِيَّةٍ ونشوة عزاء عابرة ( * ) ؟ ألم يحن الوقت للقطع مع طقوس التصوف السلبية وتكريس الزهد عن الحياة كحق مكتسب ، لأن الحياة ما عشناه وسنعيشه بحسنا وكرامتنا ، لماذا تغرينا الحرية غير المقترنة بالحق في الحياة ؟ ألا نتحمل جميعا مسؤولية معنوية أوجنائية في حالة قصورنا عن إسعاف شخص في خطر ؟ ألم يقل حكماؤنا بأنه على من يحب الحياة ان يصارح حبيبته بالحقيقة ، بأنه لا يعقل ان نواجه القمع الناعم بالاستشهاد السائل ؟
(*) نرجىء التفصيل إلى ما بعد الانفراج !

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube