ترجمة وتقديم: أحمد رباص

“رحلة إلى الشرق ” هو ذا عنوان كتاب جرار دي نرفال الكاتب الفرنسي (1808- 1855). يضم هذا الكتاب بين دفتيه يوميات سفر مؤلفه الى الشرق. هل تأخذ هذه اليوميات شكل استطلاع إثنوغرافي أم جاءت على شكل سبر للمتخيل؟ يتأرجح الجواب على هذا السؤال بين مفاجآت التجربة المعاشة وبين الجمال العجيب للسراب. فاذا كان الكاتب يستدعي في آن واحد المؤرخين والشعراء والحالمين والمستشرقين، فلأنه يلاحظ أكثر مما يخرف.
انجز هذه الدراسة ميشال جانوريه كمقدمة لكتاب نرفال الصادر في طبعة جديدة ( في جزئين ) بباريس سنة 1980 عن دار النشر غارنييه- فلاماريون. ونظرا لما تكتسيه هذه المقدمة من أهمية على المستويين الأدبي والمعرفي، أقترح ترجمتها الى العربية تعميما للفائدة..
1) الشرق التائه
إن ما يتأصل في الشرق يعرفه الرحالة الغربي منذ الحروب الصليبية؛ الإنسان، الإيمان والحقيقة. نفس البحث، الذي بوشر منذ الأبد، يقود الحجيج والمجوس نحو نقطة أصلية، فيها ينعقد ( من العقدة ) كل شيء. بتوجيه محكم، جعل كل من شاتوبريان ولامرتين سفرهما يدور حول الأرض المقدسة. للعالم، بالنسبة لهما، مركز، كما لخط سيرهما معنى. فلوبير نفسه، وهنو متهم قليلا بالتعصب، سجل خلال مساره المحطة الضرورية للقدس.
في قلب الشرق النرفالي، ثمة، على العكس، فراغ. بين قطبي رحلته، القاهرة واسطنبول (القسطنطينية)، توقف جرار بلبنان وأشرف على فلسطين. إنه يوجد على بعد إثنين وثلاثين كيلومتر من الناصرة، لكن، كما يعلم كل واحد، الملائكة نقلوا بيت العذراء الى”مكان يدعى “لوريت” بالقرب من البندقية (…). لا داعي للذهاب الى هناك لأنك لن تجد شيئا من هذا القبيل!” (ص. 121، الجزء الثاني). فليذهب الآخرون ليتم استقبالهم من طرف مهد المسيحية. أما هو، فقد عرج ( بفتح وتشديد الراء ) على الضاحية، وسجل، في الأماكن المقدسة، غيابا. سير منحرف بعثر قوانين الجغرافيا والدين.
هذه الثغرة في الرحلة، صحيح أن السرد ملأها؛ بأسطورة أدونيرام، بتاريخ سليمان وهيكله بالقدس، هو ذا فضاء الانجيل المرسوم بلا مجال للمنازعة والعالم الذي ، فيما يبدو، يعاد توجيهه. ففي مركزه، يا ترى، تترنح الأورثودوكسية أكثر من أي وقت مضى. تم تقديم سليمان كألعوبة وتحول ربه الى خالق مسكين؛ كاريكاتيرات ساخرة، فيها تغيرت، قبلا، سلطة الكتب المقدسة. بدلا من التقليد المسيحي، ابتدع نسخة هرطقية، فيها يتقاطع الإسلام مع الماسونية الفرنسية ومع كثير من التأملات الباطنية. لقد عاين شعبا بكامله من الأرواح التحت-ارضية، المعادية لكل إيمان، أرباب النار ومبتكري الحياة.
باعتناقه لمعتقدات كشف مواز، ابتهل إلى جنيالوجيات محتجبة، إلى قوى متوارية، بحيث أن إله اليهود، في هذه الأسطورة، ليس سوى عبقري ضمن عباقرة آخرين، وأن خلقه كارثة معزولة ضمن تاريخ أكثر طولا وأكثر قدامة، تضيع بدايته، بالرغم من سفر التكوين، في ليل الأزمنة. إذا لم يتم أبدا التعرف على إله وحيد، إذا كمنت الحقيقة في مكان ما، فذلك غير موجود لا في الإنجيل، ولا في القدس، وإنما في كتب أخرى للطلاسم، أكثر خفاء، وخارجها، في جنة ما أكثر شرقية من الشرق. رغم ما يوحي به الظاهر، لم ترد قصة أدونيرام للعالم – ولا للسرد- مركز ثقلهما؛ انها بالأحرى تعجل بانحرافهما.
لهذه الحكاية، التي هي حكاية الرفض، تستجيب الأسطورة الأخرى في الرحلة؛ تاريخ الخليفة الحاكم. السياق يتغير – القاهرة و السنة – لكن قطيعة، هنا أيضا، جاءت لتكسر وحدة المعتقدات؛ خليفة ارتجل له إلها، أسس مذهبا، وأقام هو أيضا شعائر موازية تمثلت في الطائفة الدرزية. مثل الحدادين المتمردين المتحدرين من قابيل، أسس له شرعيته الخاصة، وضذا على إله واحد، طالب بحقه في الاكتفاء الذاتي، مثل أدونيرام، تهيأ لاقتراف زواج محرم، لأجل ادامة صفاء عرقه وإثبات الموهبة الفوق-طبيعية لسلالته. بيد أنه من كلا الجانبين، زعزع هؤلاء الخالقون الدين القائم – اليهودية، اإاسلام – دون أن يكونوا على قدر من القوة لإجلائه. تحت ضرباتهم، تعدد الإيمان وأفسح المجال للايقين. أين توجد الحقيقة؟إلى أي رسول نستمع؟ الحاكم، بالأخص، شك في نفسه وغذى اللبس. مريض بجنون العظمة تحت تأثير الحشيش، حبيس مستشفى المجانين، هل هو إله أم دجال؟ صاحب مهمة حقيقية أم مستسلم لأوهامه؟ سوف ينقل لاطمأنينته الى أتباعه وسوف يؤسس لمعتقد ضال، معرض لكل المؤثرات، يرفض الآخرين كما يرفض ذاته.
من خلال هاتين الأسطورتين الكبيرتين عن الرحلة، يضاعف نرفال إذن من مواطن روحانية ملتبسة. باطلاق العنان لنزوعه الى ثورة برومسيوس، هو الذي اتهمه الأطباء بهوس مخاطبة الرب، لم يعمل سوى على تضخيم كاتالوغ الديانات الممكنة، كلها جديرة بالتصديق، ولا واحدة منها نهائية.
إذا بدت العقيدة اليهودية والأورثودوكسية الإسلامية هكذا متصدعتين، فهل يتعين البحث في مكان آخر عن مركز أكثر مقاومة؟ هل العالم يتمحور حول محور آخر؟ عندما حط الرحال بمصر – أول اتصال له مع سحر الشرق – علم جرار أنه يلمس معين الثقافة القديمة والتقاليد الخبيئة؛ وتمنى الولوج، عبر هذه الطريق، إلى لب الفكر الغربي؛ “أليست دائما، من جهة أخرى، الأرض القديمة والأم هي التي تشعر قارتنا الأوربية، عبر العالم الإغريقي والروماني، بأن بداياتها تعود إليها؟ الدين، الأخلاق، الصناعة، الكل انطلق من هذا المركز الغامض والمفتوح، الذي نهل منه عباقرة الأزمنة الأولى الحكمة من أجلنا؟” ( ص. 241 ).
الرحالة، وهو ملتزم ببحثه، يقلد، منذ بداية إقامته قي القاهرة، طقس مسارة. محتجبة خلف لبل يشبه حلما، تبدو له المدينة، كما نساؤها، مغطاة بحجاب؛ لغز تم وضعه، وحي أعلن عن نفسه، الشيء الذي يكون الغموض مدعوا لحل رموزه. عبر متاهة الأزقة، حيث تجري احتفالات غريبة، حيث يظهر وسطاء ملائمون، يقطع مراحل صعود إلى الينابيع الأولى ويعرض نفسه هكذا لنفس العراقيل، لنفس الاكتشافات، التي ( خبرها ) أنصار ديانة إيزيس، ذوو السيرورة المسارية، من الهرم إلى الناووس، التي أعيد تشكيلها مطولا في موضع آخر من النص. وراء كثافة الحجاب، فيما وراء تقهقرات الزمن، ثمة كائن يختبئ، ثمة حقيقة تتراءى، فيهما تستريح، ربما، القوى الجوهرية للشرق.
حول ثيمة العودة إلى الأصل، بدأ جيرار مجددا، عند وصوله إلى لبنان، سيناريوها آخر، ممفصلا وفق نفس نموذج الفردوس المفقود والوحدة الأولى؛ ” لقد أحسست حقا من قبل بأنه بمجرد وضع القدم فوق هذه الأرض الأم، بمجرد غوصي في (عمق) الينابيع المقدسة لتاريخنا ومعتقداتنا، سوف أوقف توالي سنوات عمري، سوف أعود طفلا الى مهد العالم، فتيا كذلك في حضن هذه الفتوة الخالدة ” (ص. 51 ، الجزء الثاني).
من أجل تملك هذا العنفوان البدائي، رتب، في بيروث كما في القاهرة، مشروعا للزواج. ذلك أن الارتباط ببنت من البلد، سوف لن يكون فقظ بمثابة استمداد لمركز العالم، بل بمثابة ارتباط بتناغم العصر الذهبي والمشاركة في انبعاث القوى الحيوية. مع هذا البحث الميتافيزيقي عن الحقيقة يتقاطع، في هذا البحث عن جنة عدن، حلم ، أكثر حميمية، بالولادة مجددا، بالعودة الى الحضن الأم.
لكن الرحالة غادر مصر، ثم لبنان، دون الاستمتاع بالزواج ودون اكتشاف الوحدة الموعودة. الحجاب في القاهرة لم يكن في نهاية المطاف إلا قناعا؛ إنه يخفي واقعا رديئا، وبعيدا عن الايحاء بالجنة، يكشف عن مدينة بابلية، منذورة للغبار، للتعددية وللغموض. لقد فقدت الهرمسية المصرية قوتها القديمة؛ تبدو متناثرة و لا تعطي للمستكشف أي يقين متماسك. أما فيما يخص لبنان، فقد خيب، هو أيضا، الأمل الذي كان يحدوه. بقايا الصفاء الأول هناك تم طمسها بالحرب، بتطاحن الديانات والمؤسسات التي تكاثرت في (إطار) الفتنة. وعلى افتراض أن هذا البلد شكل دائما مهدا للثقافة أو مصدرا للحياة، فإنه اليوم لا يمنح من كل ذلك سوى انعكاسا باهتا.
إذا كانت الأرض المقدسة لم تعد تستعمل كنقطة استدلال، فإن المراكز الأخرى الممكنة تبدو إذن بدورها ضعيفة، غير وفية لموهبتها. الشرق لا يلتقي في مكان وحيد، إنه يتوزع الى عدة مواطن، كلها غير كافية، بحيث أن المرشح للمسارة مرغم على الاعتراف بأنه لم يبق مما يتم استكشافه سوى بقايا حقيقة، بدائل منحطة عن الفردوس، آثار باهتة من الوحدة المفقودة. الامتلاء دائما في مكان آخر، مؤجل دوما؛ “في أفريقيا، نحلم بالهند كما نحلم بأفريقيا في أوربا؛ المثال يشع دوما بعيدا عن الأفق الراهن” (ص. 262). كيف نهتدي الى قول أحسن من كون البحث ليس له نهاية وأن الحضور المشتهى ليس أبدا سوى انعكاس، استثمار خيالي؟
ليس هناك بالنسبة للرحالة محطة نهائية. لأن الوجود تبخر في غبار من البقايا المبتذلة. بقدر ما يدفع باستكشافه بعيدا، في الزمان أو في المكان، يكتشف جيرار أن الشرق مطبوع منذ الأزل بالسقوط والتفرقة. مرة أخرى يعاش هذا القانون الخاص بالتشتت وفق نمط مخصوص جدا. بوصفها محرومة من نموذج أصيل يضمن هويتها، تطفو الأشياء والأفكار في وسط غير محدد؛ إنها تتمنع عن أن تختزل إلى الواحد، لكنها لا تتمكن كذلك من إخضاع فرادتها. متعددة، غير متجانسة، نعم، لكنها مع ذلك مجردة من هذا “الاختلاف د” الذي يؤسس لميزتها. المنظومات والكائنات النرفاليةليست لا متشابهة ولا متمايزة. إنها لا تحيل على ذاتها ولا على نموذج مثالي وحيد، لكنها تنعكس بعضها في الأخريات، وفق حركة لا تهدأ من التكرارات.
في الشرق التائه لنرفال، يكون الشر اذن مدركا، بنسبة أقل على شكل تشظي وانفصال منها وفق أنماط من المبهم والفضفاض. ففي مكان النواة الأساسية يدور سديم فسيح، سرعان ما تمدد، ثم تكسر، ثم تشتت، وهو يحافظ، بين أجزائه، على ترابط إشكالي. إذا كانت فكرة مركز واحد وممتلئ، بحسب القانون الميتافيزيقي، قد تم إجلاؤها بشكل نهائي، فقد أحل محلها متغيرة منحلة.؛ المركز النرفالي فضاء لانهائي، بخاري، فيه تتجاور جميع الأشياء، المتمايزة نسبيا، المتمازجة نسبيا، وهي تنفلت من (قبضة) قانون الوحدة وقانون الغيرية. يتمثل وصعها الفعلي في التشابه. هذا يعني أنها تتعرض لخطر رائع، يعرفه نرفال معرفة فائقة؛ مشاهدة هويتها تتلاشى في اللامتميز. خطر القابل للتبادل وخطر فقدان الذات.
هي ذي المتعة، الغامضة، التي سوف يتلقاها الرحالة في انسياقه من مركز الى آخر. لقد اكتشف فيه عدة مراكز مضادة، حيث الموجودات والأفكار، المجتمعة في تكافل مشبوه، تتجاذب و تتغاير بشكل متبادل.
كثرة الكنائس والأسرار في الشرق تخذل على نحو فظ رواج المقدس، لكنها تشهد أيضا على الامتداد النهائي للتشابهات. وهو مشغول البال كثيرا بتعدد الديانات، عمل جيرار مع ذلك على أن يحدد، من بينها، قرابات وان يقضي، حيال وضد الكل، على هذا التشتت. رفض أن يختار، محى الاختلافات وراقت له الفرضيات التوفيقية الأكثر مجازفة. وإذا كان قد انتهى من ذلك الى أن ينفي، مرارا وتكرارا، انتماءه للمسيحية، – “كاثوليكي، حقا نسيت ذلك ” (ص. 139 ) – فلم يكن ذلك من أجل فسح المجال لمعتقدات أخرى، بل من أجل أن ينفك من إيمان حصري واختزالي. المبشرون والدعاة الذين التقى بهم هنا وهناك يؤبدون عنف الرب الغيور في الإنجيل؛ لأجل هذا تجنبهم. في مقابل متغيرات التعصب، وضع تسامح المسلمين، المستعدين لقبول تعايش الديانات المختلفة وتعددية المعتقدات.
عندما وصل الى الصفحة الأخيرة من حكيه، خصص نرفال الكلمة الأخيرة لحكاية عن تسامح الدراويش، الذين يمزجون بين المعتقدات، ويمارسون، دون انحياز الى ولاء ملزم، نوعا من الديانة الكونية. هذا النموذج، اختاره جيرار عن طيبة خاطر، هو الذي أعلن أنه “مستعد للايمان بكل شيء”( ص. 381)
” نعم، لقد أحسست بأني ملحد في اليونان، مسلم في مصر، حلولي وسط الدروز ومتشيع فوق البحار للنجوم-الآلهة في بلاد الكلدان؛ لكن في إسطنبول، استوعبت عظمة هذا التسامح الكوني الذي يمارسه الأتراك” (ص. 381 ، الجزء الثاني).
إذا تبنى أي ملة كيفما كانت، فلأنه يعتبر أنه من الممكن استبدال أحدى الملل بأخرى. تدينه واسع جدا، فضفاض جدا، بحيث أنه يحتضن – ويوشك أن يمزج – جميع المذاهب؛ “بالنسبة لي، الله في كل مكان، أيا كان الاسم الدي نطلقه عليه” ( ص. 191، الجزء الثاني). لكن هل لهذا الإله الكوني الموسع بشكل لانهائي وجود وتناسب؟
يفضل جيرار بطبيعة الحال، في بحثه، الديانات-الملتقيات ويعتبر الطقوس كذلك عقدا تلتقي فيه عدة عبادات. لا شيء يبدو بسيطا على الإطلاق. ففي احتفال معاصر، يتعرف على ممارسة ما عنذ القدامى؛ وفي رأي ما، يتعرف على بقية وتأثير… الانجذاب الذي مارسه عليه لبنان يعود – كما يقول – إلى “خليط من هؤلاء السكان، الذين يختزلون في ذواتهم كل المعتقدات والخرافات الموجودة على الأرض. موسى، أورفيس، زراداشت، عيسى، محمد، وحتى بودا الهندي، لهم هنا أتباع كثر نسبيا” ( ص. 382 ). صرح من المعطيات اللامتجانسة التي تنزع الى الانصهار؛ ها هنا يشعر جيرار بأنه في بيته. واذا قدر له، في عويلم لبنان، أن يعبر رغم كل شيء عن أفضلية، فسوف تكون لصالح الدروز، ذوي الديانة ” المشكلة من بقايا جميع المعتقدات السابقة، الديانة التي تسمح لمعتنقيها بأن يتقبلوا كل الأشكال الممكنة للعبادة” ( ص.371 ). اختيار ليس واحدا لديانة ليست واحدة؛ هل مرد ذلك إلى كون نرفال، العاجز عن وضع حد لتيار التشابهات، غير قادر على الإمساك بأية هوية ثابتة، ولا يعرف، بالضبط، حقيقة ذاته؟
نفس التوفيقية – أمكنة مركبة ومتقاطعة للتأثيرات – حددت جغرافيا “رحلة الى الشرق “. لا أمة واحدة، لاسلالة واحدة حققت كمالها بشكل تام. المواقع التي يعشقها جيرار هي فضاءات مفتوحة ومنضودة، فيها يسري مجموع العالم وكلية التاريخ. عند كل محطة من محطاته، انبهر باكتشاف كل المشاهد وكل الثقافات، كل الإثنيات وكل اللغات، وهي بشكل تلقائي حاضرة وكما لو كانت منذورة للتعايش. المدن الأربعة التي تتخلل مساره هي ماثلة، بانتظام، كمدن متلونة، مدن عالمية وبدون وجه خاص. باعتبارها لوحة دوارة لأوربا، مركزا موزعا على الجهات الأربع، تبدو فيينا كمكان تلتقي فيه” سبع أو ثماني أمم” ( ص. 94 ). القاهرة ” بزار” لغات وأعراق، هي مدينة شاسعة مثل العالم. في بيروت تمر كل العصور والشعوب. في إسطنبول، لا يعرف المسافر بالضبط أين يوجد؛ في الغرب أو في الشرق، لاهو في وطنه ولا هو في الغربة. أوربا في آسيا وآسبا في أوربا. وكل بلاد ليست سوى توازن غير قار لكل البلدان الأخرى في نفس الوقت. تماما كما في الدين، يسكن نفس نموذج الاختلاف جغرافيا الشرق.
انطلاقا من هذه الأمثلة، ندرك جيدا إلى أي رؤية مشوشة تماما، إلى اي رحلة باعثة على الدوار يؤدي ضياع المركز. وما دامت المعتقدات والأمكنة متكافئة وقابلة للتبادل، فليس هناك سبب معقول للرحيل؛ كل شيء معد دفعة واحدة وحتى الجدة، أسيرة التكرار، صارت مسبقا منهكة. مع ذلك، انطلق الرحالة، وبمجرد تحركه، لم يكن له أي داع للتوقف. ذلك أن أي بلاد، أي فرجة تبدو له متكاملة. ليست للظواهر في حد ذاتها معنى قار ووحيد، انها تصادر على حقيقة تستدعي بدورها حقيقة أخرى، في هروب إلى الأمام لا حظ له في العثور على حاجزه. نرفال لا يدرك دلالات وإنما علامات، تهدي إلى شيء آخر؛ فالأشياء ليست سوى مظاهر فارغة، في بحث عن امتلاء مؤجل دوما. عوضا عن الجواهر الصامدة، لم تلتقط العين سوى علاقات، ومن تشابه الى تشابه، من عبور الى عبور، تركت نفسها تنساق في تسلسل مذهل من الإبدالات.
هذه العلاقة المرتبكة مع الواقع ازدادت تعقيدا بواسطة الكتب. حسب قاعدة عامة لدى نرفال، تكون التجربة مدركة – أو في كل الأحوال مروية – من خلال ذكريات القراءة. تتوسط ستارة من المعرفة المستقاة من الكتب بين الذات والعالم، بحيث يكون غالبا من المستحيل الحسم في طبيعة المرجع؛ معاش ام مقروء؟ مباشر أم نصي؟ هذا المشكل ليس نرفاليا بنوع خاص؛ إنه يمتد الى كل خطاب أدبي. كذلك يكون حادا بوجه خاص في “رحلة الى الشرق”، الذي يعبئ كمية من المصادر المكتوبة من أجل إغناء الملاحظة المباشرة. يمارس نرفال المحاكاة بنفس القدر أو اكثر مما يمارس التقليد. جزء كبير من المعلومات يأتي من الوثائق المتراكمة في المكتبة ومن الثابت أن فصولا بكاملها، مهما كانت شخصية، تسعيد على نحو مضمر كتابا آخرين، الى درجة تكون معها محاولة إقامة لائحة نهائية بالمراجع المستعملة محكوم عليها بالفشل. كيف، والحالة هاته، يمكن تحديد موضوع الخطاب بشكل دقبق؟ كيف يمكن عزل “الواقع” عن مسوخه الكتابية؟ لا جواب عن هذه الأسئلة، لأن كل جملة تستند إلى إحالة مبهمة؛ ربما تكون مؤسسة على التجربة أو مقتبسة من الكنب، وبدون شك بكلتا الطريقتين في نفس الوقت، بحيث أن دال النص يكون بلا هوية محددة.
التشوش الناتج عن تداخل مرجعيات الكتب يتضاعف مرة أخرى عندما يغادر نرفال مجال الوقائع الإيجابية – التاريخ، الإثنوغرافيا، الجغرافيا – ليغامر على أرض الأساطير الشرقية. لا وجود هنا لأية تجربة حية؛ اللبس موجود في مكان آخر. إنه يقيم في تعددية المصادر الممكنة وفي المتغيرات ذوات التقليد الأوحد ظاهريا التي تزيد ها ( المصادر ) غنى. من بين النسخ، كان يتوجب الحذف والاختيار. لكن كيف يمكن فرز الحقيقي عن المزيف، التأملات الجيدة عن الرديئة؟ في باريس ثم في القاهرة، استوعب نرفال كما هائلا من المعلومات الشرقية والباطنية. تكشف كراسته التي دون فيها ملاحظاته على هامش رحلته الى الشرق عن مدى الصعوبة التي اعترضته وهو يحاول تنظيم فيض النظريات المتضاربة. كتابه ذاته عن رحلته الى الشرق، مهما بذل فيه من جهد لضمان الوضوح، لا يتبنى دائما طريقة بسيطة؛ فأسطورة الأجيال التي أتت بعد آدم والفرضيات حول بناء الأهرامات، مثلا، وردت اعتمادا على روايتين. فبين التصور الإسلامي لسليمان كأمير للعباقرة وبين المسلك السحري الذي نسبه إليه في أسطورة أدونيرام، لم يحسم نرفال أبدا بالكلمة الفصل. كيف يقوم بذلك والكتب لا تستمد ضمانتها إلا من كتب أخرى، والتأويلات لا تحيل إطلاقا إلا على تأويلات أخرى؟ ففي الحقل الذي رسمه لنفسه، والذي اجتازته ألعاب التناص، لاتملك أية وثيقة بدائية سلطة؛ الحقيقة تتنقل والخطاب يكدس التخمينات.
هذه الحركة المزدوجة من الاستيعاب اللامحدود للأشياء ومن الفقدان المتزامن للذات، تشخصها التيمة المتكررة للحفل على نحو نموذجي. اذا كانت هناك وضعية تبحث عنها الشخصية وتكثر منها، فهي حقا هاته. انطلاقا من مأوى ” دليندو”، كان الاحتفال سيد الموقف، وفي فيينا استمتع جيرار بحفلات شعبية من الأبهة بمكان وشارك الحشود تسلياتهم، أما في القاهرة، التي تتخللها عدة احتفالات، فقد حضر احتفالين – زواج وإعذار؛ وإذا كانت الأفراح معلقة مؤقتا في لبنان، فهي جارية على قدم وساق في إسطنبول، التي يقدمها السرد كمدينة للاحتفال بامتياز، خاصة في ليالي رمضان. فمن بين النماذج التي تؤسس لتشابه المدن فيما بينها، يلعب نموذج الاحتفال دورا حاسما.
بيد أن الانغماس في الحفل، بالنسبة لجيرار، يعني القيام بتجربة ملموسة للانصهار. تقاسم الأطعمة، تشارك الرقص، حرارة الاستقبال، كل ذلك يعزز المشاركة الوجدانية ويختصر المسافات، في العلاقة بالعالم المحيط. الاحتفال يملأ الفجوات، يحفز التواصل وينقل الى المشاركين غبطة الاجماع. تدمج الحشود الجدلانة الغريب وتستوعب الاختلافات الفردية. في كل واحدة من التسليات التي حضرها، شاهد جيرار بتلذذ الأعراق والطبقات وهي تتصالح، ناسيا تماما ذاته، كخلية متميزة، من أجل التلاشي في الجماعة.
2) السرد الذي يتدارك الأخطاء
هذا الحكي الجميل عن الرحلة، هذا التوالي من النوادر الممتعة، هل هو سينيارو الجنون؟ قد تبدو القراءة السابقة غير لائقة. يجب الاعتراف بذلك: لاشيء أكثر إشراقا، لا شيء أقل إشكالا، للوهلة الأولى، من “رحلة الى الشرق”. هناك بنية عميقة تحرك لعبة الاستيهامات، لكنها تبقى تحت-أرضية، مكبوتة في سر الأشكال، مخبأة تحت المظاهر الخارجية للحس السليم و البسيط. مما لاشك فيه أن خطاب الجنون يوجه السرد، غير أنه مراقب من قبل صوت مسموع جيدا وشاهد على تحكم تام.
من خلال الأشكال، من خلال القصص البسيطة التي يحكيها، يتكلم النص لغة العالم كله. إذا ما تم إدراكه من خلال بيانه ووفق التأثير الذي يريد بالبداهة ممارسته على القارئ، فسوف يكذب، بالأولى، المعنى الذي اعترف له به فورا.
لنفكر في هذا الأمر: في منتصف القرن التاسع عشر، لم يحز الجنون بعد على وضعه واعتباره الأدبيين اللذين منحهما إياه فيما بعد رامبو ونيتشه وأرطو. وإذا توقع نرفال ما للجنون من قدرة رائعة على التجديد، في مجال المعرفة كما في مجال الشعر، فقد علم أيضا أنه متاخم للامعقول ومهدد لوحدة الأنا. لا يتم تحرير الجنون بدون عقاب، لا نطلق العنان كليا لقوى البتر والنثر. من أجل التساؤل، بدون مجازفة، عن غرابته الفتانة، يكون من المهم إخضاع التجربة للمراقبة وتدبير الحجج التامة الوضوح. لهذا يقدم السرد ، عبر مظهره المباشر، قصة مغايرة تماما: قصة العقل المسترجع والتحكم. كيف تستولي الكتابة على رموز الانحراف من أجل حجبها، إعادة ترويضها أو قلبها، كيف تفرض قوانين الأشكال أمرا على اللامتميز، هذا ما يجب علينا الآن إقامة الدليل عليه.
الاستراتيجية الأولى، من أجل تحديد فضاء الجنون، تعود الى فضح تفاهات الخرافات، الملغاة، عاجلا أم آجلا، بفعل وحكم مقاومة الواقع. في تواطؤ مع الحس السليم، يزيح السرد إذن الغموض عن الحلم، يزحزح دعامات النشاط الاستيهامي ويستبدل بالظلال، التي تتوه فيها الذات، الواقع المباشر، الرديء ربما ولكن المطمئن (بضم الميم الأولى وفتح الطاء وكسر الميم الثانية). هذه المعاينات لزوال الوهم في ” درحلة الى الشرق” لا تعد ولا تحصى. يكفي، مثلا، إعادة رسم منحنى إقامته بالقاهرة. دخل جيرار إلى القاهرة كما لو انه في حلم، و هو سجين أشباحه كيف العالم المحيط لصالح رغبته: التحام العرس، مشاركة الزواج، الوعد بمسارة، الكل يبدو على انه أنه يميل نحو تحقيق المثل الأعلى.
لم يقدر لتكملة “نساء القاهرة” أن تعيد الرحالة إلى الوعي بالواقع وأن تجعله يشاهد التقهقر التدريجي للسراب. الأمل في الوحدة تبخر، خبايا الحجاب خيبت الظن: في مواجهة التجربة النهارية، تتلاشى شيئا فشيئا المفاتن السحرية، بحيث أن القاهرة، عندما غادرها، ظهرت للبطل كبلد معتم ومحتضر، كأرض خراب اجتاحها الزمن وهي منذورة للانقسام.
مثلما سيحدث لاحقا في لبنان، لم تقو الاستثمارات الذاتية على الصمود أمام اختبار الواقع. تضع رسالة الى غوتييه، هي أيضا، الرحلة تحت علامة الاستياء: “أنا، فقدت منذ مدة، عند تنقلي من مملكة الى مملكة ومن إقليم الى إقليم، نصف الكون الأكثر جمالا، ووسوف لن أعرف إلى أين تلوذ أحلامي” ( غشت 1843 ). وقد تم استغلاله بوعي كبنية سردية، يتغير هذا الحافز من حيث القيمة، وعوض أن يسجل ضياعا بشكل سلبي، يمد النص بحركة إيجابية. يعمل الكليشيه الرومنسي حول زوال الوهم على ادإبطال تأثير الأفكار الكبرى؛ يحصر الرؤى الخارقة ضمن مجالها الخاص: الحلم، المتخيل، ويبين كيف تعود الذات، الخائبة الظن، إلى وضع رجلها على أرض الواقع.
في مصر أولا، ينفلت السرد من تضخم المقولات المطلقة والمتحجرة – الحياة، الموت، الوحدة، الحقيقة – التي يلطفها بقصة المغامرات المشتركة، في بلد عادي،معتدل و متناقض. عملية إبطال الخداع هاته سوف تعاود الظهور في إسطنبول حيث بدا جيرار على أنه يقبل بالاحتمال والنسبي: “فخامة وبؤس، بكاء وفرح: الاعتباطي هنا أكثر من أي مكان آخر، والمزيد من الحرية كذلك” (ص. 159، الجزء الثاني). نزع الطابع الشعري عن التجربة، اختزال الحلم في سطحية المبتذل اليومي، ربما قد يعني ذلك تحالفا مع أخلاق ضيقة ورقابة على مقدرات الخيال. غير أن ذلك يعني أيضا الاعلان عن رؤيتنا للأشياء كما هي مختلفة و عرضية وممارسة العقل لرقابته على فيض الاستيهامات.
الحفل هو بالضبط احدى عقد النشاط الخيالي التي يحللها السرد ويفرغها من قدرتها على الإغراء. الذات التي تذوب في الجماعة تعتقد أنها حققت نموذجها الانصهاري الذي يسكنها. لكن النص يجري عاجلا ام آجلا عملية قلب، ويستبدل نظام المسافة، العتامة، بسحر المشاركة الجماعية الكونية. قياسا الى مسار يفعل “رحلة الى الشرق”، يسقط البطل من الحلم الى الواقع ليكتشف أن العلاقات الإنسانية ليست على ما يرام، أن المثل الأعلى للتشابه والشفافية فيما بين الأفراد ليس سوى خدعة. قصة الأمة زينب يمكن قراءتها كحكاية عن اللا-حفل، عن اللا-زواج. بعد أن كان لحد الساعة محملا بلغز ما وشهادة على الكشف، ها هو الحجاب، في حالتها، يفرض ذاته مثل شاشة ويرمز الى الغاء التبادل.
هناك آلية سردية تزيل الغموض عن استيهام الوحدة وتستبدله بغرابة كائنات متمايزة، مدركة وفق هويتها الخاصة. يسمح هذا الجهاز باجراء عملية أخرى. بعدما كانت مكرهة أمام فشل الحفل في النهوض بأعباء اختلافها، مرميا بها في وضع البرانية، سوف تتبنى الشخصية دورا جديدا: دور الملاحظ. بدد السرد اذن سراب الانصهار لأجل أن يقيم، بين جيرار والآخر، علاقة، عادية، بين ذات وموضوع، بين ناظر ومنظور. النزول الى الأحياء الشعبيةمن أجل الانغماس في الحشد، لن يكون من الآن تيهانا، بل استرجاعا للوعي بالذات عن طريق الاستسلام لممارسة إثنوغراية.
لم يتصور جيرار نفسه شرقيا: ها هو ذا قد أصبح مستشرقا؛ يتبنى نظرة الأوربي الذي يشاهد عالما آخر. إنه يلاحظ عادات غريبة: حياة منزلية، عبودية، حريم…وبعيدا عن أن ينطوي على ذاته، كما فعل قبل قليل، داخل دائرة وساوسه، انشغل بجمع عدة كاملة من الوثائق. حتى الزواج والدين، اللذان تم استيعابهما أولا في المسرح الذهني، أصبحا موضوعين للتحليل والوصف. محكوما عليه بالمسافة، يحضر البطل، مثل غريب، أحداثا لم ينغمس فيها أبدا. ليس من أجل لاشيء، بدون شك، يتعاطى الرسامان الماثلان في السرد، بالقاهرة واسطنبول، للتصوير على طريقة داكر. أن يصير إثنوغرافيا أو فوطوغرافيا، فذلك يعني التقليص من وظيفة الوسيط لأجل أن يترك للأشياء الحق في أن تعطي لنفسها معنى بمحض إرادتها.
كان الشرق على نحو تقليدي محملا، في الأدب، بقيمتين متباينتين جدا: موطن للمعتقدات و للحضارة، أو بلاد المغامرات العجيبة واللطيفة. لكي يحد من غلواء الثانية، التي تفتنه وتحيره، التجأ نرفال الى الثانية، و استغل، وفق نموذج الثامن عشر، الصورة النمطية عن مجتمع إباحي يتعاطى، في ظلام المضاجع، لجميع الملذات. ننسى غالبا أنه الى جانب الأساطير التي يجسد فيها بشكل مرئي أحلامه – حاكم، أدونيرام – يضاعف من السرود الخفيفة، بأسلوب الحكاية الشرقية، الرواية الداعرة أو المسرحية الهزلية الخفيفة. وإذا لم يكن ماجنا مثل فلوبير، فبإمكانه قول أشياء كثيرة عن سحر الراقصات، عن فتنة الحجاب وعن عادات الحريم الجذابة. صحيح أنه يدعي كونه رد للحريم كرامته وعفته، لكنه في نفس الوقت يشتكي من هذا الفلكلور الرخيص. فما يوجد من كليشيهات فاحشة ونوادر تافهة في “ألف ليلة وليلة”، صنع ما يماثله، بحيث أن البحث الإلزامي والمضلل عن المثل الأعلى يتعارض مع تكذيب مستبصر.