أحمد رباص – حرة بريس

بما أن لا وجود لشيء طبيعي أو تاريخي في نفوس الآلهة، ولأنها ليست، بحكم التعريف، مقيدة بالزمان والمكان، فإنها، في فرضية المدرسة حيث توجد، ليس لها علاقة بالتاريخ. إذا كان من الممكن أن يكون “عقلها” مشغولاً، فيمكن فقط أن يتأثر بـ”الأشياء” التي ليس لها وجود تاريخي، والتي ليست معطاة في التجربة الحسية؛ لا يمكن “لعقلها” إلا أن يتقبل الأشيا “فائقة الحساسية” وغير التاريخية، على خلافنا “نحن الناس الآخرين الذين “لا يمكن أن يكون حدسنا إلا حسيا على الإطلاق”.وحتى يستطيع الإنسان حقا أن يدعي معرفة الأشياء التي لا علاقة لها بالتجربة الحسية أو التاريخية، يجب أن يبدأ بإثبات أنه غير طبيعته، وأن الحساسية لم تعد جزء من تكوينه الذاتي، وأنه باختصار لم يعد إنسانا وأصبح روحا خالصة. هذا، من جهة أخرى، من شأنه أن يقوض أي ادعاء من جانبه بمعرفة موضوعات التجربة الحسية. “عقله”، الخالي من الحساسية، لا يمكن أن يتأتر بموضوعات التجربة أو التاريخ. هذا ما جعل كانط يقول، بعقلانية، إن الإنسان الذي يسعى إلى معرفة الأشياء فائقة الحساسية، والذي يعمل بنفسه على فقدان كل اتصال ذهني مع التجربة الحسية – والتاريخية – التي هو جزء منها، لا يضيع وقته فقط، ولكنه يضر أيضا بصحته العقلية. فهو نفسه يطور استعداد مرضيا لا يمكن أن ينتهي إلا بالجنون. على أي حال، هناك الكثير مما يجب فعله في العالم وفي التاريخ بحيث لا يسمح المرء لنفسه بأن يهتم العقل بالمستحيل والمعرفة غير المجدية للأشياء التي ستكون خارج العالم، بالأحداث التي تحدث خارج الزمن والفضاء، من الممكن التفكير في العديد من الأشياء.
في كتاب “les rêves d’un visionnaire”، تحدث كانط عن شويدنبيرغ الذي ادعي أنه “تجاذب أطراف الحديث عدة مرات مع جميع أصدقائه بعد وفاتهم” باعتباره “أسوأ المتحمسين”. خصوصية معتنقي الأوهام تكمن في أنهم لا يهتمون كثيرا أو مطلقا بالتجربة الحسية أو التاريخية، أو أنهم يرون فيها مجلى من مجالي عمل الأرواح.
إمبراطورية الظلال هي جنة معتقي الأوهام. يجدون هناك أرضا لا حدود لها حيث يمكنهم الاستقرار في الوقت الذي يناسبهم. أبخرة مراقي المرض، حكايات الممرضات، معجزات الأديرة لم تتركهم يفتقرون إلى مواد البناء.
لكن التجربة، كما يقول كانط، هي من الثراء الذي لا ينضب. هذا يرقى إلى القول بأن الاستسلام لمهام مفيدة أحسن من توظيف العقل في مشروع أحمق مثل معرفة “الأشياء” التي لا يمكن إثبات وجودها،
التجربة، بلا شك، هي المنتج الأول الذي يحصل عليه فهمنا (hervorbringt) من خلال بناء المادة الخام للأحاسيس. هذا هو بالضبط ما يجعل منها أول التعاليم وهي غير ممكنة النضوب من حيث الإرشادات الجديدة خلال تطورها بحيث لن تفتقر أبدا الأجيال القادمة، عبر سلسلة العصور، إلى معارف جديدة لابد من اكتسابها في هذا المجال.
ما يقوله كانط عن التجربة الحسية ، أي أنها ثرية لا تنضب، ينطبق على التجربة التاريخية. في التاريخ توجد التجربة التي تنطلق معها المعرفة الفلسفية؛ حتى ان الكتاب النقدي على نحو بارز والمفاهيمي مثل “نقد العقل الخالص”يكشف عن التجربة التاريخية التي تغذيه. يمكن للقارئ المطلع أن يربط ذلك بالأحداث العلمية في ذلك الوقت؛ من بينها المشروع النقدي للمؤلف الهادف لتقييم القوة البشرية للمعرفة وفحص مسألة معرفة إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يعرف وما هو أبعد حد لا يحق له المطالبة بمعرفته، إللهم من خلال إظهار الدجل أو الجنون، هو مشروع “قرن لا يريد أن ينخدع بعد الآن بمظهر المعرفة” ضاق ذرعا بحالة الوصاية التي تتشبت بها الكنيسة والسلطة الملكية التقليدية، ندد بالادعاءات الإبستيمولوجية للميتافيزيقا باعتبارها غير شرعية تؤدي إلى صنع أفكار متسامية عن الروح والله اللذين لا يشير إلى أي شيء، موضوعات للمعرفة العلمية.
إن كتابا في الفلسفة – حقيقيا، يمكن أن يكون موضوع رسالة أو أطروحة – هو بالتالي وبالضرورة نتاج فردي؛ إنه عمل مفكر وحدس بالمعنى الكانطي للكلمة. أي أنه يعبر عن رد فعل فكر الشخص على المحفزات التاريخية. مثلا، فيلسوف يكرس كتبًا للحكم والأخلاق لأنه عاش في سياق عانى من عجز في الحكم وصارت الأخلاق إشكالية. بالنسبة لكانط، يمكن ان نقول إن عقله قد صُدم ، أوقظ وتم تشغيله من قبل الظاهرة التاريخية للحكم السيئ وانعدام الأخلاق. القواعد التي طورها ، والمبادئ التي نظمها هي بالضبط ما ينقص الواقع التاريخي الذي كان لديه خبرة به. الفلسفة، كما أوضح هيجل، هي في الواقع نشاط شفقي، بالنظر إلى أن كل الواقع التاريخي يكتسي دائما مظهرا شفقيا.
(يتبع)