أحمد رباص – حرة بريس

انتهت الحلقة السابقة بسؤال منسوب لرايمون آرون ومناطه ماهية موضوع المعرفة التاريخية. إن الإجابة على السؤال بأن المؤرخ يريد معرفة ما حدث هي مساواة المؤرخ بالكرونيكور. إن التاريخ بالتحديد ليس تأريخا، والمعرفة التاريخية ليست مجرد تراكم للوقائع. وبحكم أن الأحياء هم من أنشأوه، يميل التاريخ إلى إعادة تشكيل حياة الأموات. لقد تحدد من خلال فضول الأحياء (الذي بدونه لم يكن وجوده ممكنا) والإرادة العلمية، ليس لتخيل ما كان يمكن أن يكون، ولكن للعثور على ما حدث .
لذلك سيكون من قبيل مهمة دونكيشوتية، لا المعرفة، ولكن إعادة تأهيل وممارسة فلسفة من الماضي مع طموح لإحياء الظروف التي عاش فيها معاصرو هذه الفلسفة. لم يتم الإشارة هنا فقط إلى أولئك الذين، دون أن يكون لديهم عمق أو عبقرية أصنامهم، قاموا بشكل هزلي بتزوير أسلوب هيجل أو هايدجر أو هوسرل أو ماركوز لكي يظهروا وكأنهم متمكنين من الفلسفة.
يمكننا تخمين مدى التعذيب الأخلاقي الذي كان على ساكومبي إنانغو المسكين أن يتحمله من أجل تصور ودعم، تحت الطلب، أفكار تطبعها العبثية المنطقية؛ مثل تجاهل الانقطاع الذي كان هدف تطور الثقافة الأفريقية ما قبل الكولونيالية، وإعادة اكتشاف واستعادة هذه الثقافة على أنها كان من الممكن أن تتطور حتى اليوم لو لم يتم وأدها. كل ذلك من أجل التوصل إلى “رد” على مواقف خاصة بالقرن العشرين، كما فعل الأسلاف الذين لم تكن لديهم أي فكرة عن هذه المواقف. ما هو المختبر التاريخي الذي سيسمح لنا بمعرفة كيف كان يمكن للثقافة الأفريقية أن تتطور لو لم يحدث الوأد الاستعماري؟ يمكننا، بهذا الصدد، استعادة أسئلة كانط: أين هي المصادر، وما طبيعتها؟
الفلسفة ليست جزءا من التجربة التاريخية لجميع الشعوب وفي جميع المراحل التاريخية التي مرت بها البشرية. ولكنها حيثما تطورت إلا وأضافت شيئا إلى تفرد الأحداث التاريخية . لأنها، كما نجد في شعرية أرسطو، نتاج سمات وعواطف وأفعال الناس، تكون الأحداث التاريخية، المليئة بالضجيج والغضب، فردية بالضرورة ، أي – على سبيل المثال ولاستخدام كلمات آرون – أن “الهدف النهائي للتاريخ هو سلسلة من الأحداث التي لن نراها أبدا مرتين، هو صيرورة المجتمعات البشرية”.
يحق لنا أن نتحدث عن تفرد الأحداث التاريخية لأن الإنسان هو صانعها وفاعلها. فبقدر ما هو موهوب بالإرادة، يكون الإنسان قادرا على اتخاذ قرارات تعسفية وتبني خيارات معقولة. أو، بكل بساطة، مبادرات غبية. هذا ما يبرر التعريف الذي ارتجله رايمون آرون للتاريخ العالمي خلال محاضرة ألقاها في توبنغن: (التاريخ العالمي، هذا المزيج من البطولة والغباء)”.
تكمن خصوصية الأحداث التاريخية في حقيقة أن الإنسان، بشكل فردي أو جماعي، هو في النهاية حر بالمعنى الواسع للكلمة الذي لا يستبعد القدرة على التصرف بطريقة تعسفية، أي الإرادة الحرة التي تحدث عنها ديكارت في التأملات الميتافيزيقية باعتبارها أدنى درجة من الحرية.
تبعا لذلك، تخضع الظواهر البشرية، مثل الأحداث التاريخية، للسببية وفقا لقوانين الحرية: إذا نظر المرء إلى الظواهر التاريخية فقط، فيمكن له أن يبرر موقف مؤيدي الحرية المتعالية مقابل موقف أنصار الفيزيوقراطية المتعالية التي لا تعترف. حسب كأنط. سوى ب”السببية وفق قوانين الطبيعة”.
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن جميع العلوم الطبيعية تفترض، من جانب الشخص الذي يمارسها، التمسك بعدد معين من المبادئ ، والتي يجب أن نفهم من خلالها تمثيل القواعد التي من المفترض أن يخضع لها الفهم، لغرض تحصيل المعرفة الموضوعية.
نذكر من هذه المبادئ مبدأ الديمومة الذي مفاده أن كل الظواهر تحتفظ بشيء دائم (جوهر) يعتبر موضوعا بحد ذاته، إلى جانب شيء يتغير، يُعتبر تحديدا بسيطا لهذا الكائن، أي نمط وجوده؛ ومبدأ التكاثر أو مبدأ التعاقب في الزمن وفقا لقانون السببية، الذي ينص في الواقع على فكرة الحتمية، والتي بموجبها تنتج نفس الأسباب، في نفس الظروف، نفس النتائج: كل شيء يحدث (يبدأ في الوجود) يفترض شيئا ما يعقبه، وفقا للقاعدة.
والآن، هل يمكننا أن نفكر في الظواهر التاريخية وفقا لنفس المبادئ وبنفس المقولات: مثل وجود شيء دائم (جوهر) وكما هو محدد؟ الظاهرة الطبيعية، مهما كانت معقدة، تحدث بطريقة محددة، ويمكنها أن تتكاثر ، وتكرر نفسها، لأن لها خصائص ثابتة (لها شيء دائم)، وهذا ما يخلق ظواهر طبيعية متوقعة؛ يمكن إعادة إنتاجها تجريبياً باستخدام الأدوات المناسبة؛ هكذا فعل جاليليو وتوريتشيلي: كل منهما، يقول كانط، طور سقالة تجريبية وشرعوا في الحسابات التي تمكنوا بواسطتها من صياغة القانون الاول حول سقوط الأجسام، والقانون الثاني حول الضغط الجوي.
عندما دحرج جاليليو كراته على مستوى مائل بدرجة من التسارع بسبب الجاذبية المحددة وفقا لإرادته، عندما جعل توريشيللي الهواء يتحمل الوزن الذي كان يعرف مسبقا أنه مساو لعمود الماء المعروف من لدنه، كان ذلك ببمثابة وحي مضيء لجميع علماء الفيزياء. لقد فهموا أن العقل يرى فقط ما ينتج هو نفسه وفقا لخططه الخاصة. وأنه يجب أن يأخذ زمام المبادرة مع المبادئ التي تحدد أحكامه، وفقا للقوانين الثابتة، وأن يلزم الطبيعة بإلإجابة عن أسئلته، وألا ينساق وراءها، إذا جاز التعبير، كما لو تأخذ بناصيته.؛ لأن القيام، على خلاف ذلك، بالملاحظات بشكل عشوائي وبدون وضع أي خطة مسبقا، يجعلها غير مرتبطة بقانون ضروري، وهو أمر يتطلبه العقل ويحتاج إليه.
يمكن للمهتم أن يعتقد، من خلال قراءة كانط، أن العقل العلمي يتقدم بشكل عشوائي لأنه يرى في الظواهر فقط ما ينتج هو نفسه وفقا لخططه الخاصة، وأن المعرفة العلمية تعسفية وخطيرة. ما يقوله كانط هو أنه إذا حدث ان ارتكب العقل خطأ في خططه وحساباته، وإذا تم إجراء الملاحظة والتجريب عشوائياً، فما سيراه العقل بعد ذلك، أو كناية، العالم، أي المعرفة الناتجة عن هذا العمل التجريبي الخاطئ، سيكون من نوعية رديئة.
تعتمد المعرفة العلمية على جودة الملاحظة والتجريب؛ وهذا في حد ذاته عمل العقل الذي، بطبيعته المعمارية المنقحة، أي بحكم ميله إلى تطوير الأنظمة، التوحيد والتجميع، ينشغل بالبحث عن القوانين الضرورية التي تحكم الظواهر. إن العلم نظام منهجي محكم، وسيكون علم الطبيعة مستحيلا إذا لم تكن الطبيعة نفسها نظاما، كليا، إذا كان كل شيء في الظواهر الطبيعية مجرد صدفة وتعدد.
لعله من قبيل الافتراض المتعالي الضروري ذاتيا اعتبار أن هذا التباين المزعج اللامحدود للقوانين التجريبية وهذا التباين في الأشكال الطبيعية ليسا مناسبين للطبيعة، وأن للأخيرة، من خلال تبعية قوانين خاصة لقوانين عامة، الصفات المطلوبة لتكوين تجربة كنظام تجريبي.
(يتبع)