احمد رباص

في غضون شهر يونيو من عام 1990، حل موعد عقد الدورة الثانية من اللقاءات التكوينية الهادفة لإعداد المعلمين المعنيين بتدريس مكونات البرنامج الجديد لفائدة متعلمي المستوى السادس ابتداء من الموسم الدراسي المقبل. تم استدعاء جميع المعلمين الذين سبق لهم الاستفادة من فعاليات الدورة الأولى.
لقد تقرر تقسيم هؤلاء المدرسين إلى مجموعتين: الأولى تشمل المعلمين المعربين، بينما الثانية تضم المعلمين المزدوجين. بالنسبة لي، كنت أنتمي للمجموعة الثانية التي وصف معلموها بالمزدوجين لكونهم يدرسون بلغتين: العربية والفرنسية.
هم ملزمون بذلك في حالتين. أولا إذا أسندت لهم مهام تدريس الفرنسية والرياضيات لمستوى دراسي أو أكثر، وثانيا عندما يفرض عليهم تدريس جميع المواد المقررة لمستوى دراسي واحد أو أكثر.
في حالات نادرة جدا، يطلب من المعلم المزدوج التدريس باللغة العربية فقط إذا كان آخر من التحق بمدرسة فيها منصب شاغر من هذا القبيل. لكن، في حالات كثيرة عاينت كيف أن معلمين مزدوجين يكتفون بالاشتغال مع تلاميذ المستويين الأول والثاني اللذين كانوا يتلقون دروسهم باللغة العربية وحدها.
انطلاقا من الدورة الأولى التي امتدت أشغالها على مدى ثلاثة أيام، لمس الكل، مدرسين ومراقبين، التأكيد في الأدبيات المقررة على محورية المتعلم ضمن العملية التعليمية التعلمية انسجاما مع التوجيهات الجديدة في التربية الحديثة.
من جهتنا كمدرسين، طالبنا بأن يرد لنا الاعتبار بإشراكنا في اللقاءات التربوية كفاعلين وليس كمتلقين فقط. شخصيا، حرصت في مداخلاتي على أن أكون الصوت الجاهر بهذا المطلب بإلحاح ودون كلل.
عند بداية أشغال الأيام التكوينية الثانية، علم الجميع بأن المراقبين التربويين أجمعوا على تحقيق مطلبنا من خلال تكليف بعض المعلمين، كل حسب شعبته، بإعداد عروض نظرية حول تيمة معينة ذات علاقة بما هو مبرمج في سلة التكوين.
ترتبت عن هذا المعطى الجديد مستجدات عامة وخاصة. من جهة، اختلفت أجواء الدورة الثانية عن أجواء الدورة التي تلتها. فبعدما شارك المدرسون في الأولى كمتلقين جالسين أمام منصة يعتليها المؤطرون والإداريون الذين لا يسمحون للمعلمين بارتجال مداخلاتهم إلا ضمن هامش ضيق يشي بدونيتهم، فسح للبعض منهم على سبيل التطوع المجال في الدورة الثانية لاعتلاء المنصة لتمثيلهم، والتحدث باسمهم، والمشاركة كفاعلين ملقين وليس كمنفعلين متلقين.
من جهة ثانية، كان هذا الإجراء الجديد في صالحي حيث استضافني، خلال يومين، مجموعة من المعلمين المعربين في منزلهم القريب من مدرسة أكدز التي جرت داخل أسوارها الدورات التكونية. إثنان من هؤلاء المعلمين كانا ملزمين بإلقاء عرض في موصوع ذي صلة أمام زملائهم وبحضور المؤطرين التربويين. طلبا مني أن أساعدهما على إيجاد مضمون لموضوعهما وصبه في قالب منهجي.
تجاوبت معهما في ما دعاني إليه واشتغلت معهما كموجه، أملي عليهما ما أراه مناسبا من معلومات وملاحظات وتساؤلات. كل ذلك جرى على مرأى ومسمع المعلمين الآخرين الذين لم يقع انتدابهم لحضور الجلسات التأطيرية. في الأخير وقد اقترب الليل من منتصفه، استكان المعلمان للراحة واطمأن بالهما بعد الانتهاء من كتابة آخر كلمة من الموضوع.
في الغد، قالا لي المعلمان إن أحد زملائهما تدخل في إطار المناقشة ليقنع جميع الحاضرين بأن بصمتي حاضرة بين ثنايا العرض وبأن أثري فيه ماثل للعيان.
في مساء اليوم الثاني من هذه الدورة، بينما كنت عائدا من المقهى في اتجاه منزل المعلمين الذين أحسنوا إلي وتفضلوا بالسماح لي بمعاشرتهم بدلا من الإقامة في الفندق، مررت على معلم يظهر من هندامه البهي التنسيق وشكله الجميل الأنيق أنه واحد من المعلمين الوافدين على البلدة بغير رضاهم.
كان جالسا بالقرب من منزله يتأمل الفراغ حينا ويرمق المارة حينا آخر. سلمت عليه وقلت له: لو كنت مكانك لأشغلت نفسي بقراءة كتاب أو مجلة عوض أن أبقى جالسا أجوس بنظري بين الديار وأراقب كل من أقدم وكل من أدبر.
هل تعرفون ماذا كان جوابه؟ قال لي وكأنه يريد من خلالي إيصال رسالة إلى المسؤولين الذين يهمهم أمره: إلا بغوني نقرا خاص تكون عندي سيارة ودار تكون في سميتي مجهزة ومؤثثة..
وبما أني كنت أتزعم المطالبة بإشراك المعلمين في اعتلاء المنصة جنبا إلى جنب مع المراقبين التربويين تماشيا مع التعليمات الجديدة التي جعلت التلميذ يتبوأ المكانة المحورية في العملية التعلمية – التعليمية، إذ غذا التلميذ بموجبها محور العملية التربوية؛ فهو يمتلك عقلا توليديا، ومكانة الأستاذ أساسية لكنها ليست مهمة وصاية، بل مسؤولية تيسير وتبسيط وتوجيه؛ وهذا الرأي مما تُعرف به المدارس الإبداعية مثل “الذاتية في التعلم”، و”الحرية في التعلم”، (بما أني كنت كذلك) فقد كلفت بإنجاز عرض اتناول فيه المنهجية الجديدة المراد اتباعها في تدريس الرياضيات لتلاميذ المستوى السادس.
كنت أقول للمؤطرين بما انكم تريدون منا أن نتنازل عن مركزة الأنشطة داخل الفصل الدراسي على ذواتنا ونعطي المبادرة للتلميذ مكتفين بتوجيهه ومساعدته، فأنتم مطالبون كذلك بان تكفوا عن معاملتنا بسلطوية وممارسة وصايتكم علينا كما لو كنا لم نبلغ سن الرشد بعد.
عندما حل موعد إلقاء العرض الذي كتبت اهم فقراته في إحدى زوايا المقهى، نوديَ عليَّ لآصعد المنصة وانا في حلة لائقة زادتها رونقا الساعة التي زينت بها معصمي الأيسر والتي استعرتها من أحد أصدقائي من المعلمين.
جلس إلى جانبي ثلاثة مراقبين تربووين من بينهم واحد قادم من مدينة ورزازات قيل لنا بشأنه أن النيابة أرسلته إلى هنا بحكم باعه الطويل وخبرته المعتبرة في ديداكتيك الرياضيات. عندما انتهيت من إلقاء العرض، التحقت بجمهرة المدرسين من كلا الجنسين الذين تابعوا محاضرتي باهتمام جعل الصمت يلف المكان. تقدم نحوي واحد منهم وأسر لي بأن “القوق” نبت في أذني المؤطر القادم من ورزازات حينما كنت منشغلا بقراءة فقرات العرض.