أسرة سودانية لقيت مصرعها في طريق الهجرة داخل الصحراء

د محمد بدوي مصطفى

(إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

رسائل الواتساب وما تحمله من مصائب:

أرسلت لي أختي قبل بضع أيّام رسالة كان مفادها أنها تعلم من هي الأسرة التي قضت نحبها في الصحراء وذكَّرت في طياتها بأسماء المتوفين الذين لهم قرابة بأسرتنا. لقد فجعت من تلك الرسالة يا سادتي في ذاك اليوم ولم أرد أن اتمعن الصور وملامحها القاسية بإسهاب. عزفت عن ذلك ورجعت إليها مرغمًا عندما قررت أن أكتب عن الحادثة. إن عدم رؤيتي للصور من أول وهلة ليست لعدم مبالاتي بها، ولكن الحقيقة إنها ليست من عاداتي أن التهي ببوائس الواتس الكثيرة ومصائب الشبكة العنكبوتية التي تصلني في كل لحظة إن لم أغال، وأغلب الظن دون أن يتمهل المرسل أو أن يُعلم الآخرين بمحتوى الرسالة، على شاكلة تحذير مبدئي أو تنوير عام بما تحويه من مضمون خطير، فإن كانت صورا، قد يتثنى للواحد منّا تبينها بسرعة وإن كان فلماً فهو لعمري المصيبة الكبري والكثيرون منّا قد ينصدموا بها ولا يستطيعون هضمها فضلًا عن أنها ربما تفتح لهم براكينا جوفية تؤرق حياتهم وتنقص عليهم سباتهم وكلنا يعلم بذلك تماماً، لذلك الحذر في هذه الأمور مهم.

لقد فجع الكثيرون في كل أنحاء الوطن العربي بهذه الصور المأسوية، والتي تتضمن وفاة أسرة سودانية في غياهب الصحراء الكبرى حيث أراودا السير في طريق غير مأهول بوادٍ غير زي زرع، عابرين بسيارتهم الخاصة الحدود من مدينة الفاشر السودانية قاصدين مدينة الكفرة الليبية. لقد وجدت هذه الصور الفتوغرافية المأسوية انتشارا تعدى حدود السودان وليبيا لتعبر إلى غالبية بلدان العالم ولقي الأمر تعاطفًا عظيمًا بصحن وسائل التواصل الاجتماعيّ، لا سيما في شمال أفريقيا، الخليج وأوروبا.

وكما ذكرت أعلاه حتى هذه الصور المأسوية المحزنة لم يتقيد من نشرها وبثها للعالم بأدنى قواعد النشر والخصوصية ورغم ذلك فقد فتحت أبصارنا نحن جميعاً كما فتحت بيبان النقاش على مصراعيها على قضايا وإشكاليات هامة من بينها مآسي الهجرة بسبب الأوضاع الاقتصادية المزرية والقاسية التي تجبر الناس بكل أطيافهم وطبقاتهم على ترك أوطانهم وحتى لو كان الثمن المقابل مواجهة الموت وتحديه، عازفين عن الصبر والتجلد وانتظار الموت البطي بين الأهل والأحباب، في بلدانهم التي تعاني من وطأة الكساد الاقتصادي والبطالة والتضخم فضلًا عن الحروب والنزاعات التي ضربت بجنباتها بيتًا وخيمة. فأيّ سبب من الأسباب المذكورة سلفًا أو كلها مجتمعة دفعت بملايين الشباب والشابات والأسر من كل أنحاء بلدان الوطن العربي في أفريقيا وآسيا للهروب إلى موطن الخلاص، إلى أورشليم الجنان في بلاد الصفصاف والكرز، إلى سهول وفيافي ما وراء المتوسط مهما كلف ذلك من ثمن وحتى وإن كانت الروح نفسها.

جوازات فقدت صلاحيتها:

ومن خلال تحريات الشرطة الليبية التي فحصت متفقدات الأسرة داخل السيارة يبدو أن الأسرة كانت مقيمة منذ بضع سنوات بليبيا وكانت في تلك الرحلة المأساوية في طريق العودة من إجازة قصيرة قضتها بين الأهل والأحباب بالسودان. فالسؤال الذي يطرح نفسه هاهنا هل كانت إقاماتهم في ليبيا سارية المفعول؟ الإجابة لا، إذ أن كل جوازات السفر كانت منتهية الصلاحية وذلك منذ عدّة سنوات لذلك اضطرت الأسرة في رأيي أن تسلك هذا الطريق غير المأهول بالصحراء قصدًا حتى تتفادى نقاط التفتيش المنتشرة في كل الأماكن والتي تُعنى بمنع الهجرة غير الشريعة وتهريب البشر في تلك المناطق والذي صار في السنوات الأخيرة أمرًا سائدًا ومعروفًا للغاية.

والغريب في الأمر أن كل الجوازات التي تمّ العثور عليها تشير إلى قدمها وعدم مواكبتها التطور الذي حدث في هذا المجال، إذ أنها لا تحتوي على صورة بصمة العين (البيومترية). ونرجح عدم حيازة هذه الأسرة على جوازات جديدة نسبة للظروف الأمنية والسياسية المضطربة التي تمر بها ليبيا منذ فترة ليست بالقصيرة.

الهجرة الغير شرعية وواجب الدولة تجاه المواطن:

كما رأينا لم تستطع دولة السودان المتمثلة في سفارتها بليبيا من تفقد أمور الوافدين، وبالتالي لم توفر لهم جوازات السفر السارية المفعول والحديثة وهذا شيء مؤسف وربما كان هذا هو السبب الوجيه الذي حتم على الأسرة أن تسلك هذه الطرق الملتوية داخل الصحراء والأماكن الغير مأهولة لتفادي كل سين وجيم من قبل السلطات الليبية أو ربما لتفادي عصابات الصحراء التي تتاجر بالبشر كما شهدنا ذلك في الحقبة الماضية. إن عدم تمكن الدولة من توفير أوراق ثبوتية لجاليتها يقودنا إلى طرح سؤال آخر ومصيري، أليس من واجبات الدولة أن توفر على الأقل حياة كريمة لمواطنيها؟ تمنعهم بذلك من المخاطرة بأروحهم في دروب الدنيا الوعرة والشائكة التي فقد الملايين حياتهم فيها. فلنسأل الصحراء الليبية ولنسأل سهول أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط كم من جثة تحتويها إلى الآن؟ لقد ذكرت في إحدى مقالاتي يا سادتي عن صدمتي الكبيرة عندما زرت ذات يوم مدينة طنجة وشهدت المقابر المترامية إلى ما لا نهاية لأناس آثروا الهجرة على البقاء في بلدانهم. إن هجرة البشر في حد ذاتها يا سادتي هي القاعدة لا النشاز، فمنذ ملايين السنين والشعوب تهاجر من بقعة إلى أخرى من أجل حياة كريمة ومن أجل أهداف سامية، فمن الناس من هاجر في سبيل العلم أو من أجل الحرية ومنهم ما هاجر بحثًا عن العمل وآخرون هاجروا قاصدين المدينة والتمدن في المدن الكبرى في بلاد أغناها الله عن غيرها، لقد أرادوا بذلك رفع مستوى معيشتهم والنهوض بأنفسهم من أجل حياة كريمة دون ضوائق ومشاكل وعنف.

لقد سطر التاريخ الكثير الوفير من الهجرات على مرّ العصور، ذلك منذ عهد سيدنا إبراهيم وإسماعيل ويوسف وسليمان وعلى صعيد آخر عرفنا حديثها وكانت لأسباب البحث عن الثروات، كما حدث بعد سقوط غرناطة مثلًا واكتساح العالم الجديد من قبل كرستوفر كولومبس ومن قبل الأساطيل الاسبانية والبرتقالية التي تاجرت بكل ما يمكن أن نتصوره خصوصاً عندما أرسوا قواعد تجارة الرقّ البغيضة التي غيرت معالم العالم والإنسانية على حد سواء. وجاءت بعدها الفترة الاستعمارية حيث طفقت الدول الصناعية في استعمار أجزاء كبيرة من العالم، ذلك في كل القارات دون استثناء: أفريقيا، آسيا، أمريكا الشمالية والجنوبية، الخ، وذهبوا حتى إلى حدود استراليا ونيوزلندا. وقد أطلق على هذه الهجرات مصطلح الهجرة الشريعة يقابله مصطلح الهجرة الغير شرعية وهي ظاهرة ما فتئت في الازدياد في غضون أواخر الألفية المنصرمة وبداية هذه الألفية وينبغي علينا أن نتوقف عندها قليلًا. فعندما ننظر إلى بلدان أفريقيا وأمريكا الجنوبية مثلًا نلاحظ من أول وهلة أن هناك مؤشرات بيّنة تقودنا إلى فقد توازن المنطقة بكل المعايير ومؤشرات أخرى تتوازى معها تشير إلى خلل ذريع في عملية الإصلاح البنيوي للدولة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. بالإضافة إلى عوامل كبت الحريات من قبل الدولة وعبر أنظمتها الأمنوقراطية.

موجات الهجرة الأولى والثانية – ما الأسباب؟

في أواخر تسعينيات القرن المنصرم نشطت الهجرة غير الشرعية من السودان بكثافة لم تحدث من قبل. وجاءت الموجة الأولى بسبب الحرب في إقليم دارفور التي أدت إلى حركة نزوح واسعة باتجاه ليبيا ودول شمال أفريقيا عمومًا ومصر أيضا. وكانت مقابر الرمال والموج قد فتحت أبوابها لهم على مصراعيها. وطفقت أبواب الصحراء الليبية وصحراء سيناء وقوارب الموت في البحر المتوسط تناديهم هلموا هل من مزيد! فمنهم من نجا ومنهم من قضى نحبه وهل بدلوا تدبيلا؟ على كل خلق هذا النزوح الغير شرعي أعدادا كبيرة من اللاجئين في الدول المجاورة، أوروبا وأمريكا الشمالية وحتى في صحن الدولة العبرية عبر صحراء سينا.

من ثمّ جاءت موجة ثانية خلقها انفصال جنوب السودان الذي صار دولة مستقلة منذ عام 2011 ومن ثمّ تدهور الأوضاع المعيشية العامة وانهيار العملة السودانية تجاه العملات الصعبة المختلفة لا سيما أمام الدولار. وللأسف وحتى بعد انفجار الثورة ونحن الآن في عامنا الثاني منها ولا يزال الجنيه مستمر في انهيار صاروخي نحو القاع. وهل ستغير الحكومة الجديدة من أمره شيء؟ الله أعلم … فكل المؤشرات تشير إلى استمرار الحال على نفس الوتيرة وازياد نسبة التضخم مما يجعل الدولة غير قادرة على الالتزام باحتياجاتها تجاه المواطن من جهة أو تجاه الدول المصدرة التي تتعامل معها من جهة أخرى.

والمؤسف حقًا يا سادتي أن الموجة الثانية دفعت بذوي الكفاءة العالية والمؤهلين من الأكاديميين أن يوجهوا أنفسهم قبلة يرضوها. فهرع الكثيرون إلى دول الخليج المجاورة. ومنهم من ضاقت به الحياة فسلك طريقه لا يلوي على شيء إلى ويتبع نهج الهجرة الغير شرعية. وحتى الغير مؤلهين أكاديميا منهم، نراهم حلموا بأشغال بسيطة تصون كرامتهم وتبسط لهم طرقًا لتأمين مستقبل أهليهم وذويهم بالبلاد، إن لم يهاجروا معهم. كل هؤلاء يا سادتي طفح الكيل بهم من قبضة الإنقاذ الثلاثينية بسياساتها الاقتصادية العقيمة وبإهدارها لثروات البلاد عبر السرقات الممنهجة وفوق هذا وذاك كانت فظاظة القبضة الأمنية هو بيت القصيد والنقطة التي طفحت بالقدر.  تحدثت بالأمس إلى صديقي عاصم البلال الطيب رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم عندما آثر لي قائلاً: التضخم الجامح في اقتصاد منهار يا صديقي حقيقة مثلت أمام أعيننا منذ أكثر من ثلاث عقود، جعل من الأجور غير قادرة أن تفي بأبسط احتياجات المواطن وتسبب في ضجر خيرة شباب البلد وصار كل واحد منهم يفكر في الخروج من جهنم ولا يحسب حسابا لارتياد المجهول ومجابهة الموت داخل مجاهيل الصحاري المترامية أو على صهوة ركوب أمواج المتوسط الجامحة التي لا ترحم. ومن لم يرها بأم عينيه فلن يستطيع تقدير الموقف والأهوال.

مقبرة الصحراء بدون رحمة:

وقصة الأسرة السودانية التي لقي أفرادها مصرعهم في الصحراء والتي عاشت في ليبيا لسنوات عددا، ذلك تؤكده التأشيرات التي تضمنتها وثائق سفرهم الصادرة من سفارة جمهورية السودان بطرابلس. وقد آثرت هذه الأسرة البقاء بهذا البلد والرجوع إليه حتى بعد تأزم الحالة الأمنية فيه، فكانت مضطرة إلى ذلك مقارنة بجحيم السودان. جاءت الحرب ولم تفزع. ولم تكن هي الوجهة المثلى التي ساقت الكثيرين للاستقرار في ليبيا فحتى في زمن العقيد كان السياسات الاقتصادية جائرة إلى حد كبير حيث لم تكن باستطاعة من يعمل من الأجانب بليبيا إمكانية تحويل مكاسبه إلى بلده الأم. ولهذه الأسباب اضطر الكثيرون على مغادرة ليبيا إلى بلدهم الأم أو إلى بلاد الله الواسعة ركوبًا لأمواج المتوسط؛

ماتوا عطشاً وجوعًا في وحدة ووحشة إلا من رب عليم. ضلوا طريقهم في غياهب الصحراء وكان الموت هو المصير الأوحد الذي قابلهم فاتحًا ذراعيه بين الكثبان. انتشرت عبر الأثير صورة للوصية التي وجدوها قرب العائلة. وعندما انتشرت هذه الوصية المؤثرة ضجت في التوّ مواقع التواصل الاجتماعي في السودان والعالم العربي وانتشرت القصة في وقت بسيط وأرفق المغردون صورة الوصية لسيارة علقت في قلب الصحراء تبعثرت محتوياتها بين الرمال جنوب شرق مدينة الكفرة الليبية، وفارق أفراد العائلة الثمانية الحياة عطشًا: “إلى من يجد هذه الورقة، هذا رقم أخي، استودعتكم الله، وسامحوني أني لم أوصل أمي إليكم، بابا وناصر بحبكم، ادعو لينا بالرحمة وأهدونا قرآن، واعملوا لينا سبيل موتى هنا”.

وقد قام أفراد جهاز الإسعاف والطوارئ في مدينة الكفرة الليبية بتسجيل عملية انتشال الجثث وأكدوا أنهم انتشلوها من عقر الصحراء الليبية السودانية وعلى بعد حوالي ٤٠٠ كلم جنوب شرق مدينة الكفرة الليبية. وقد صرح المسؤول عن جهاز الإسعاف والطوارئ بالكفرة إبراهيم بالحسن في مداخلة إنه فور تلقي البلاغ الذي أوضح عن وجود جثث في الصحراء، انتقلت قوة عسكرية ترافقها فرق إنقاذ للمنطقة التي تبعد نحو 420 كيلومترا عن الكفرة، وتم انتشال ثماني جثث، وجرى البحث عن ستّ جثث أخرى مفقودة تم التعرف على أسمائها، ولم تتمكن القوة المرسلة من معرفة ما إذا كان هناك آخرون مفقودين!

خاتمة:

ما أخوفها يا سادتي من قصة أن تنتظر الموت وأنت على قيد الحياة وأن ترى من معك يموتون أمام عينيك وأنت لا تستطيع أن تحرك ساكن. فما أحوجنا إلى الاعتذار في ساعات الشدة. فالسيدة التي كتبت الرسالة قالت: “سامحوني لم أوصل إليكم أمي، ادعوا لنا بالرحمة وأهدونا قرآن”. فيا للحزن ويا لمرارة الفراق في لحظات مثلها. ويا ليت الأسرة كانت تعلم أن مساحة الصحراء الليبية تبلغ حوالي مليون كم٢، وتمتد جنوبا إلى السودان وشرقًا إلى مصر وتتسع رقعتها إلى دول مجاورة مثال تشاد جنوبًا والنيجر فيا لها من مساحة ويا لها من هاويات ربانية. ونضف إلى ذلك أن طرق التهريب أشد وطأة على كل فرد فينبغي تجنبها.

حسب المعطيات التي تواترت فقد تم فقدان الأسرة منذ ستة أشهر واتضح الأمر عندما تأكدت السلطات لدى رعايا الأسرة بالسودان، كما أنهم تلقوا من جهة أخرى بلاغات تفيد بفقدانهم قبيل ثلاثة أشهر. من حيثيات الحادث ترجع أسباب الوفاة إلى العطش حيث توفر الأكل بجانب الجثث التي تم العثور عليها علمًا بأن الحادثة قد حدثت في فصل الصيف حيث تبلغ درجة الحرارة في الصحراء فوق الخمسين درجة مئوية.

ونداءنا لكل العائلات وكل من يريد أن يسلك درب الهجرة أن يتنقل عبر الطرق الرسمية المعبدة وتكوين قوافل من السيارات والحافلات حتى لا تتكرر هذه الكوارث. وينبغي أخذ الجوالات الذكية التي تعمل عبر الأقمار الصناعية حتى يتمكن التعرف على مسار الطريق ولأنها تتيح إمكانية الاتصال والتواصل وطلب العون والنجدة في حالة حدوث كارثة أو ظرف طارئ.

*رئيس تحرير الجريدة العربية الدولية المدائن بوست