أحمد رباص

من الملاحظ أن الفلاسفة الأكثر شهرة في النصف الثاني من القرن السابع عشر لا يقبلون منظور التفاعل، وبالتالي يرفضون الحل الديكارتي لمشكلة الروح والجسد. بتعبير أدق، يبدو لهم، في فلسفة ديكارت ذاتها، تجاور التمييز الإبستمولوجي الحديث بين الفكر والامتداد من ناحية، وأطروحة الحركة المتبادلة بين الروح والجسد من جهة اخرى، على أنه يشكل لغزا غير قابل للحل.
مالبرانش نفسه، رغم تميزه بعمق بمذهب ديكارت، طور نظرية العلاقة النفسية الفيزيائية، نظرية العلل الظرفية، أو الأوكازيوناليسم، كبديل لفرضية التفاعل. يعد نيكولا مالبرانش، بلا شك، من أتباع “الفلسفة الجديدة” (الديكارتية)، ويحبذ آلية تتعارض مع عقيدة وجود قوى غامضة، مع مبدإ حركة الأجسام في الطبيعة. بدت له هذه الفلسفة الجديدة متوافقة مع مبادئ الدين المسيحي أكثر من “الفلسفة القديمة”، التي ملأت الكون بالأرواح أو بالكيانات المادية الإضافية.

ومع ذلك، وبقدر ما لا يمكن اعتبار الأشكال الجوهرية، الملغاة من الطبيعة، سببا لحركة الأجساد، فإن مالبرانش الذي اتبع وعمق تعاليم ديكارت، الذي جعل الله السبب الأول للحركة في الكون، يرفض أن تكون للأجسام نفسها، ألأجسام المادية الخالصة، فعالية حقيقية، “قوة محركة” واقعية. إذا كانت الأجسام، وفقا لتعاليم الفلسفة الجديدة، تُعرَّف فقط بالامتداد، مع استبعاد أي “شكل جوهري”، وإذا لم يكن الكون المادي كونا متحركا، تحكمه قوى غامضة، إذن وحدها إرادة الله يمكن أن تشكل القوة الحقيقية على الفعل، على الفعل في الطبيعة.
إن الإسناد الحصري للفعالية السببية، وبالتالي لمبدأ حركة المخلوقات إلى الله، الخالق،، هو أساس نظرية العلل الظرفية (العرضية). وهكذا، يكتب مالبرانش: “طبيعة أو قوة كل شيء ما هي إلا إرادة الله. (…) كل العلل الطبيعية ليست عللا حقيقية، ولكنها علل ظرفية فقط (… )”.
العلل الطبيعية، محدودة، ليست لها أي فعالية حقيقية، ولكنها تحدد فقط “تصرف خالق الطبيعة بهذه الطريقة أوتلك في هذا الالتقاء أو ذاك”.
إن الجسم الذي يصطدم بجسم آخر، ويحركه على ما يبدو، ليس السبب الحقيقي، بل هو السبب الطبيعي أو الظرفي لهذه الحركة ؛ إن الله نفسه، في مناسبة هذا الاصطدام بين الأجسام، يشكل السبب الحقيقي للإصرار على التحرك. إن الفعل الإلهي، الفعال الوحيد، هو إذن في أساس قوانين الطبيعة، قوانين الحركة. ومع ذلك، يضيف مالبرانش، لا يمكن للأجسام أن تتحرك بمفردها، أو يدفع بعضها البعض للتحرك، لا يمكن تحريكها بواسطة عقول محدودة.
بعبارة أخرى، في ترتيب الأشياء المخلوقة أو المحدودة، فإن العقل، مثل الجسد، ليس له أي فعالية سببية حقيقية، ولا يمكنه أن يتسبب في تحريك أي جسد. في حالة التطابق النفسي الجسدي أو الاتحاد، تكون النتيجة حاسمة. العقل، في الإنسان، لا بستطيع تحديد الجسد في حالة حركة.
بالمناسبة، تم رفض النظرية الديكارتية للحركة الإرادية، التي افترضت وجود تأثير سببي للعقل على الجسد. هذا الفعل السببي، يشرح مالبرانش، لا يمكن تصوره وغير مفهوم: “من الواضح أنه لا توجد علاقة ضرورية بين إرادتنا، مثلا، تحريك ذراعنا، وحركة ذراعنا”. تبدو فرضية التعامل السببي بين كيان غير ملموس وجسد متناقضة. ومع ذلك، فإن التجربة الأكثر أصالة تعلمنا أنه عندما نريد رفع ذراعنا، فإن ذراعنا ترتفع.
لتفسير ما يسمى بالحركة الطوعية (الإرادية)، يلجأ مالبرانش مرة أخرى إلى المذهب الظرفي: فالله هو الذي يتصرف حقا، في كل مناسبة من حالات تمثلاتنا أو إراداتنا، ويدفع جسدنا ليتحرك، وذراعنا لترتفع. إرادتنا، حركة الروح هاته، في هذه الحالة هي فقط العلة الطبيعية، أو الظرفية، لحركة ذراعنا.
لذلك فإن “البشر ليسوا السبب الحقيقي للحركات التي يقومون بها في أجسادهم”. لا تملك النفس قوة سببية تكون آثارها جسدية، مثلها مثل الجسد، في حالة الأحاسيس أو الانفعالات، لا بملك أي فعالية تجاه الروح وتمثلاتها. في الحالة الدقيقة للإحساس، ليس الجسد هو الذي يفعل مباشرة في الروح: الحالة الخاصة للجسد هي فقط العلة العرضية التي تحدد في هذه الحالة الفعالية الإلهية، نحو المبدأ الحقيقي للإدراك في الروح.
لنأخذ مثال مالبرانش، الله هو الذي، عندما يكون جسد إنسان قد أساء التصرف، تحت تأثير لدغة معينة، “يجعل الروح تشعر دائما بألم اللدغة”، هذه الحالة الجسدية ليست سوى علة ظرفية تحدد فعالية الفعل الإلهي؛ إذ في نهاية المطاف “الله هو الذي يفعل كل شيء، و(…) لا يستطيع أحد غيره، كسبب حقيقي، أن يجعل الروح تشعر بألم اللدغة (…)”. لذلك، في غياب علاقة سببية عرضية فعالة ومباشرة بين الروح والجسد، يضمن الله وحده التطابق أو التقاطع، في الإنسان، بين العمليات النفسية والجسدية. لذا يبدو أن الوحدة النفسية الفيزيائية، في كل حالة من حالاتها، تتطلب، من هذا المنظور العرضي، فعل الله نفسه المستمر والمتجدد بلا توقف.
رفص لاببنيز من جانبه نظرية العلل الظرفية. في الحقيقة، هو رفض بصراحة المذهب النفسي الفيزيائي لـ “تلاميذ” ديكارت، بمن فيهم مالبرانش. هؤلاء الأخيرون نفوا بالتأكيد، من خلال “نظام العلل الظرفية”، التفاعل وأي احتمال “للتأثير الحقيقي لجوهر مخلوق علي آخر”، لكن في الوقت نفسه، من خلال أطروحة الفعالية الإلهية الدائمة في الطبيعة، لجأوا إلى التمثيل المنازع فيه لإله خارج الآلة (كيان خارق).
يتكرر انتقاد المذهب الظرفي في كتابات لايبنيز حول العلاقة بين الجوهر واتحاد الروح بالجسد. إن “طريق المساعدة”، التي حاول بها تلاميذ ديكارت تعديل المفهوم الديكارتي حول العلاقة بين الفكر والسببية الجسدية، لا يمكن الدفاع عنها في نظر لايبنيز، لأنها، حسب قوله، تؤدي إلى إعادة إقحام المعجزة في الطبيعة، بجعل الله نفسه السبب المباشر لكل حدث في الكون، ولكل تطابق أو ارتباط بين الأحداث النفسية والجسدية.
ويؤكد لايبنيز أيضا أنه لا يمكنه بأي حال من الأحوال اتباع هؤلاء “الفلاسفة المهرة، الذين يصنعون الله كما لو كان آلة في المسرح، من أجل حل حبكة المسرحية، من خلال التأكيد على أن الله يعمل عن قصد تام، لتحريك الأجساد كما تشاء الروح، وإعطاء تصورات للروح كما يتطلبها الجسد؛ لا سيما أن هذا النظام، الذي يُطلق عليه نظام العلل الظرفية (لأنه يقول إن الله يفعل في الجسد بمناسبة الروح، والعكس صحيح)، وزيادة على إقحامه المعجزات الدائمة ﻷجل التعامل بهاتين المادتين لا يصلح الإخلال بالقوانين الطبيعية الموضوعة في كل من هذين الجوهرين الماديبن، الذي تسبب فبه تأثيرهما المتبادل على الرأي المشترك.
في النصف الثاني من القرن السابع عشر، اكتشف لايبنيز وأقام “مذهبا جديدا للطبيعة”، تأسس على فهم جديد للفيزياء، والديناميكا (علم التحريك)، في منظور الترابط الأصلي لمسلمات النزعة الميكانيكية مع المبدأ الميتافيزيقي للقوة، وإعادة نوعية لتأهيل “الأشكال الجوهرية”. في سياق روايته الشخصية التي قدمها لهذا الاكتشاف، ذكر الصعوبة التي واجهها أثناء إرساء هذا النظام والتي تمثلت في اتحاد الروح بالجسم.
كتب عن هذا الموضوع قائلا: “(…) عندما بدأت أتأمل في اتحاد الروح بالجسد، كنت كمن ألقي به في عرض البحر. ذلك لأني لم أجد أي طريقة لشرح كيف أن الجسد يجعل شيئا ما يمر عبر الروح أو العكس، ولا كيف يمكن لجوهر أن يتواصل مع جوهرآخر مخلوق”. هكذا تتجسد العقبة الرئيسية أمام فهم العلاقة النفسية الجسدية في صعوبة فهم طبيعة التبادل السببي المستعرض بين الروح والجسد. لذلك، لا يمكن أن يتفق لايبنيز مع ما ذهب إليه بهذا الصدد ديكارت، الذي يبدو أنه تغاضى عن الصعوبة أو استنكف عن التغلب عليها؛ أضف إلى ذلك أنه (لايبنيز) لم يلتزم، كما رأينا، بالمنظور الظرفي.
لذلك تم رفض مساري “التأثير” و”المساعدة”، من قبل مؤلف «المذهب الجديد في الطبيعة والاتصال بين الجواهر»، الذي يعارضهما، سنعود إلى هذا لاحقا، بفرضية ثالثة عنوانها التناسق الأزلي. بشكل أكثر تحديدا، في كتاب الثيوديسيا (علم العدالة الإلهية)، يكشف نقد النظرية الديكارتية حول اتحاد الروح بالجسد عما يمكن فهمه على أنه تناقض بين فرضية الفعل المتبادل، ولا سيما “التأثير الجسدي” للنفس على الجسد وبين القوانين العامة للطبيعة. وفقا للايبنيز، فإن مسار التأثير المرتبط بالرأي المشترك هو من أصل سكولائي. لكن ديكارت، من خلال إعادة إقحام تمثيل الفعل السببي الفعال للجسد على العقل في نظريته عن العلاقة النفسية الفيزيائية، تخطى بطريقة ما مبادئ الفلسفة الحديثة التي ساهم هو نفسه في تأسيسها، و ولا سيما مبدأ الاستقلالية واستقلالية السببية الجسدية. إن ديكارت، بجعله “جزء من عمل الجسد يتوقف على الروح”، ربما كان، وفقا لصيغة لايبنيز، “يريد ان يستسلم”.
من اللافت للنظر، في هذا الصدد، أن لايبنيز أسس صراحة دحضه للنظرية الديكارتية للحركة الطوعية على حجة من النوع الإبستمولوجي، مستمدة من علم الطبيعة. حسب نسخة لايبنيز الفريدة من هذه النظرية الديكارتية، سيكون للروح القوة، ليس لتعديل كمية الحركة في الجسم، ولكن لتعديل اتجاه الحركة (عبر فعلها في الغدة الصنوبرية)، “إلى حد ما مثل الفارس، على الرغم من أنه لا يمنح قوة للحصان الذي يركبه، إلا أنه لا يتوقف عن التحكم فيه بتوجيه هذه القوة إلى الجانب الذي يراه مناسبا”.
وفقا لهذا التأويل، القابل ربما للنقاش، كان ديكارت قد سعى إلى تكييف مفهومه للحركة الطوعية مع قوانين فيزيائه، وعلى وجه الخصوص مع قانون حفظ كمية الحركة في الكون. ومع ذلك، يوضح لايبنيز، الذي يعارض هنا قوانين الميكانيكا الديكارتية بإنجازات نظريته الفيزيائية، ما هو محفوظ بالفعل في الطبيعة ليس، على عكس ما افترضه ديكارت، كمية الحركة، بله كمية القوة.
هذا الاكتشاف المتميز للديناميكا اللايبنيزية ، يستدعي اكتشافا ثانيا؛ ألا وهو الحفاظ على اتجاه الحركة “في سائر الأجسام التي يفترض أنها تتفاعل فيما بينها، أنها تتصادم بصفة لا محددة”. النتيجة التي خلص إليها لايبنيز هي إن التصور الديكارتي لفعل الروح في الجسد غير مقبول، وقصوره متأت تحديدا من الجهل بالقوانين الحقيقية للطبيعة المادية. حتى أن لايبنيز يذهب إلى أبعد من ذلك ليفترض أنه لو كان ديكارت قد عرف قوانين الفيزياء هذه، فإنه لم يكن ليؤيد فرضية تحديد الجسد من طرف الروح، وبالتالي كان سينقاد إلى ” فرضية التناسق الأزلي “، بعبارة أخرى إلى المفهوم اللايبنيزي الخالص عن تواصل الجواهر واتحاد الروح بالجسد.