ذ. الطواوسا عزيز المغرب

للإنسان بعدين رئيسيين: ملكة الإدراك. والقدرة على التفاعل مع العالم من خلال الإرادة.

ولَئِن كان الإدراك أسبق، فإن للإرادة أهمية كبرى، إذ إنها هي من يُكيف الإدراك ويلائمه مع الواقع، فنحن مثلا لا نُدرك ولا نتوجه بحواسنا إلا إلى الأشياء التي يمكننا التأثير عليها وتغييرها بإرادتنا، لأنها هي وسيلتنا لتحقيق حاجاتنا ورغباتنا وطموحاتنا، وبالتالي تمكننا من بلوغ سعادتنا. فأنا أهتم مثلا بالتفاحة لأنني أومن أنه بإمكاني تغيير موضعها ونقلها من الشجرة إلى فمي. وأنا أرى وألحظ فلانة، لأنني مقتنع أنه بإمكاني تغيير قناعاتها لتصبح صديقتي أو شريكتي. وعلى فرض أن التفاحة قاومت إرادتي وفلانة عاندت وتمنعت عني، وعلى ضوء ذلك، سأكون مضطرا لتغيير قناعاتي وايديولوجيتي نحو العالم ونحو الآخر. فأتبنى موقفا فكريا أكثر صرامة أرى من خلاله العالم مليء بالشر والظلم، وسأسعى لفرض إرادتي عليه بالقوة. وهكذا يتغير تمثلي وإدراكي للعالم وفكرتي عنه، حسب إرادتي وقدرتي من عدمها على التفاعل معه وتغييره في صيرورة مستمرة تمثل حركة الحياة وزمن الوعي.

لكن، لو أن التفاحة والمرأة امتنعتا عني بالمطلق. فإنهما ستختفيان تدريجيا من ساحة إدراكي، وستسقط أسماؤهما تباعا من معجم لغتي ومفاهيمي، وتصبحان غير قابلتين للرؤية والإدراك، ولو أن أشياء العالم امتنعت عني بالمطلق واختفت كل إمكاناتها فإن إرادتي ستنتفي، ورويدا رويدا سينطفأ إدراكي للعالم، فلا شيء مهم ليثير أحاسيسي مادام غير متاح لي، وهكذا تنقطع علاقتي بالعالم، ويتلاشى فكري ويتبدد وعيي بتوقف حركته الدؤوبة القصدية نحو الأشياء ليتجسد فيها كرغبة، فبدون إرادة يُلغى تفاعل الإنسان مع الواقع وبإلغاء التفاعل يُلغى الإنسان.

مغامرة الإرادة البشرية تنطلق مع بداية الحياة. في البداية يولد الطفل مجرد كومة من اللحم، دون سعي منه لتغيير العالم، أو حتى رغبات أو تصورات عما يجب أن يصير عليه العالم ليلبي حاجاته. فتَراه يرضع ثم ينام، وحينما يجوع يبدأ بالبكاء والصراخ، لكن البكاء هنا ليس تعبيرا عما يريده أو ما يشعر به، بل هو مجرد جزء من ظاهرة الألم غير الواعية وغير الإرادية، يصاحب فيها البكاء الألم كما يصاحب المطر الغَيم.

مع الوقت يلاحظ الطفل أن للبكاء تأثير على محيطه، فهو يدفع الأم لمنحه الحليب، الشيء الذي يجلب له متعة التذوق، ويُذهب عنه ألم الجوع، فيدرك تدريجيا هذه القدرة على التأثير، وكيف يمكنه دفع أمه لتلبية حاجياته، كل ذلك من خلال تحريك جسده وتغيير نبرة صوته وشِدّتِها ليصطنع الصراخ ويطلقه من حنجرته، هذا الوعي هو النواة الأولى لتشكل الإرادة كمحرك للجسد نحو العالم.

بعد ذلك يستمر هذا التشكل للإرادة عبر سنوات العمر، ليتبلور مجتمعيا من خلال عدة مستويات:

فتنتقل الإرادة من تحريك الجسد إلى تحريك الفكر. إذ من خلال عملية التعلم في المدرسة، يدرك الطفل قدرته على فعل التفكير والابداع وخلق الأفكار أو على أقل تقدير قدرته على تكوين رأي شخصي عن الأشياء، لينتقل بذلك من كائن يرتكز وجوده على العمل الحركي الجسدي على غرار الإنسان الماهر homo habilis، إلى كائن يتعامل مع العالم بالفكر على غرار الإنسان المفكر homo sapiens.

ثم بعد ذلك تتطور إرادته الفكرية لتنتقل من أفكار متجزئة عملية تُعنى بتفاصيل الحياة اليومية وتتعلق بالأحداث، إلى تشكيل أنساق فكرية. ويدرك أن هذه الأخيرة ليست ترفا أو تفلسفا فارغا، بل هي مشاريع قابلة للتطبيق والتنزيل على الواقع لحل الإشكالات وتغيير العالم نحو الأحسن. وبذلك تلتقي الإرادة الفكرية بالإرادة الحركية من جديد على أرض الواقع، وينتقل من العقل النظري المستقيل العاجز (كظاهرة صوتية نقاشية مناظراتية)، إلى العقل الفعال. وهذا ما عاشه مثلا جيل السبعينات في المغرب، والذي عايش مشاريع فكرية كبرى كالقومية العربية والشيوعية والبعثية والناصرية…إلخ. ورأى كيف أن الفكر جبار يستجمع الهمم وقادر على زحزحة الجبال وتغيير معالم العالم في تطور ورقي يسعى من خلاله لبلوغ غاية التاريخ وروحه المتجلية في الأشخاص عبر مختلف الحقب.

ثم بعد ذلك ينزل إلى الساحة السياسية ليناضل وينخرط في العمل الجمعوي بغية تنزيل شعاراته بشكل جماعي ثوري سلمي على جسم المجتمع النابض بالحياة. فتنفتح الأوراش الكبرى وتتعدد وتصبح البلاد ورشة عمل عملاقة يجد فيها الكل موطئ

قدم ليساهم في مستقبل بلاده المشرق. وهذا ما عاشه جيل الاستقلال المتعلم، الذي رأى في بلاده لوحة تمنحه نفسها ليرسمها ويشكلها كيف شاء. إنها حرية إرادة مطلقة ترفع شأن البشر إلى مستوى الآلهة التي ترسم خطى القدر على ألواحها.

وهكذا يتحول العالم الذي كان مع البداية مجرد صخور متراصة جامدة رمادية ميتة تمتد حتى اللانهاية، إلى لبنات مفعمة بالحياة مُعدة لبناء العالم وإعادة تشكيله.

لكن للأسف، الذي يحدث أحيانا هو عكس ما رأينا تماما. فهناك العديد من العوامل التي تتظافر لشل إرادة البشر على أكثر من مستوى. فالطفل مثلا يجد نفسه مقموعا داخل أسرته، لا تأثير له على وسطه الاجتماعي، ولا صوت له بين الكبار. لا يٌنظر إليه كإنسان كامل، ولا تجسيد لمقولة “الأطفال رجال الغد” إلا كشعار ميت مستهلك. في المدرسة ليس له وجود كمساهم في عالم الفكر. هو مجرد كائن مبتور الرأس، غير مفكر يقتصر دوره على تلقي وتكرار أفكار العمالقة les titans والعظماء التاريخيين، الآلهة الوحيدة المختصة بفعل التفكير، فكل الأسئلة طرحها الأولون حتى قبل أن تصيبه دهشتها، وكل الأجوبة متوفرة ولم يعد هناك جديد تحت السماء. اللهم تلقين مستمر يدفع الأطفال والشباب إلى الاستسلام والاستقالة من العملية التفكيرية برمتها، بل حتى من محاولة استيعاب أفكار العمالقة والتي لا تمثله ولا تعني له شيئا طالما لا يملك قبولها أو رفضها، ولا تعدو مجرد أشياء مغتصبة تم تصفيفها في جمجمته ولا علاقة له بها، وتتحول العملية التعليمية إلى مجرد وسيلة لاجتياز الامتحان والنجاح في آخر السنة لنيل شهادة التخرج.

وطالما لا يفكر، فلا يمكنه تبني أي مشروع فكري أو سياسي، لتصير السياسة في عرفه مجرد دولة هي عبارة عن جهاز سلطوي تنفيذي يُقَدِّر المصلحة ويسعى إليها بطريقة شبه أوتوماتيكية وببرغماتية سجينة للأفق الواحد، كأن رؤية المصلحة واحدة، والفكر واحد، والحقيقة واحدة مطلقة لا تتناطح عليها عنزتان، ويمكن اختزالها في الرباعي: الرأسمالية والليبرالية وثقافة الاستهلاك والفردانية. وهذا نمط تفكير سائد في العالم بأسره. إذ يبدو الأمر كما لو أننا عدنا إلى نوع من الديكتاتورية، ولكنها ليست ديكتاتورية الحزب الواحد، بل هي ديكتاتورية شفافة لا تُرى، ديكتاتورية الفكرة الواحدة. فعندما تطغى فكرة ما وتقصي جميع الأنساق الفكرية الأخرى الممكنة لدرجة أنها تبدو بديهية وحتمية، فهي تغتال الفكر كصيرورة وكإعمال للعقل في بحث مستمر عن الحقيقة. فنهاية التاريخ الفوكويامي (من فرانسيس فوكوياما) معناها نهاية الصيرورة. ونهاية الصيرورة معناها نهاية الوعي. وبذلك يتقهقر الفكر ويتحلل إلى مجرد إرهاصات مُفَتّتَة تتعلق ببعض التفاصيل الحياتية. وهذا ما نلاحظه في تعاطي الناس والصحافة مع الواقع اليومي من خلال توقف تحليلاتهم عند حَدَث من هنا وحدث من هناك دون أي خيط ناظم يؤسس لفكر حقيقي نسقي ودون أي روح.

ينضاف إلى ذلك -على المستوى السياسي- أنه أحيانا يتعذر على المواطن حتى اختيار المترشح السياسي الأصلح الذي يُقدر المصلحة ويسعى إليها (وإن كان برؤية فكرية أحادية مستنسخة نمطية). ليتحول إلى اختيار الأقل سوءا أو فسادا. وقد تتحول العملية عن بكرة أبيها إلى مجرد تناوب وتغيير في الوجوه لا أقل ولا أكثر، مع استمرارية في نفس المضمون ونفس العقليات. وبذلك يفقد المواطن ايمانه بأن انخراطه في المجال السياسي يمكن أن يغير الواقع. وتتحول السياسة إلى مجرد صراع على السلطة وعلى المصالح.

أما على المستوى الشخصي فالمرء في هكذا سياق قلما يقرر في حياته. إذ بعد سنوات الدراسة المديدة وسهر الليالي قصد الحصول على معدل عال، يكتشف الشاب أن مستقبله ليس بيده، وأنه رهين اجتياز مباريات لا يعلم معاييرها ولا مآلاتها، وقد يتحول في رمشة عين من قمة النشاط والهمة والعمل والتفاؤل، إلى مجرد عاطل يتفرج على أحلى سنوات عمره وهي تتسلل من بين أنامله، يرى نفسه مرفوف على الركن بدون أي دور اجتماعي اللهم التسكع ليل نهار في انتظار اللاشيء. ولو حدث وابتسم له الحظ فقد يجد عملا في غير مجال اختصاصه، ثم يقضي بعدها سنتين أو ثلاث في محاولة الاجتهاد وتطوير بيئة العمل الجديدة، قبل أن يُجابَه بالبيروقراطية ليفتر حماسه وتتفسخ إرادته مرة أخرى.

وفي النهاية يعود العالم كما كان، يصبح العمل مجرد صخرة غير قابلة للتزحزح، والسياسة مجرد جلمود جامد…إلخ. فيتأثث الواقع بالصخور التي تُعجِز الإرادة، فتلتحم فيما بينها وتصبح عَمَاه متصل غير قابل للتمايز، فتختفي المعاني والمفاهيم اللغوية الغنية، وتصبح اللغة فقيرة لا تسمح بإدراك الأشياء التي اختفت منها فجأة، ويموت الوعي شيئا فشيئا، فيضيق العالم برحابته ويتحول إلى مجرد وادي ضيق بين الصخور. وينكفأ الإنسان على نفسه ككائن سلبي لا يؤمن بالقدرة على التغيير وبدون روح مبادرة، كل قاموسه عبارة عن “لا أظن، لكن، إنما…إلخ”، وعلى أقصى تقدير يتحول إلى البحث عن حلول فردية أنانية انتهازية غايتها تحقيق المصلحة الذاتية الضيقة بوعي ملتوٍ ملتف يأكل ذاته بذاته. فالكائنات السياسية تقتل السياسة بعد أن تتحول إلى طفيليات تنخر أجساد الأحزاب، والاقتصاديون الجشعون يغتالون الاقتصاد بتدمير أسسه وتوازناته ودورته. والشعب يأكل الشعب ويجلده، وترى كل طاقة البناء الإيجابية قد تحولت في لحظة إلى طاقة سلبية من

النقد والهدم والتشفي في كل ما له علاقة بالوطن. وكلهم فخور منتش بخطابه البراغماتي وواقعيته التي أبعدته عن الشعارات الفكرية الكبرى. والحقيقة أن كلامهم ونهجهم لا علاقة له لا بالواقعية ولا بالبرغماتية، إِنْ هي إلا انتهازية بئيسة مضمونها اليأس من القدرة على إحداث تغيير حقيقي، وعنوانها الاستسلام والسلبية.