احمد رباص

أحكي في مذكراتي هاته، جزءا من سيرة حياتي في التدريس بالجنوب المغربي.. أعود بكم، عبر مِزق من الذاكرة، إلى أحوال التدريس (التعليم الابتدائي) هناك في مناطق يستعصي التنقل فيها، لأنقل لكم علاقاتي بزملائي في التعليم وبتلامذتي وبالوسط المحيط بي، بحلوها ومرها.. نتعرف من خلال هذه الشذرات على حياة الناس بالجنوب، وعلى ما يعانوه من أهوال حينا، وما يعيشونه من أفراح حينا آخر.
مباشرة بعد انصرام سنتي الأولى (1988-1889) كمدرس للغة العربية في فرعية تابعة لمجموعة مدارس تانسيفت وتقع في ضواحي مدينة أكدز الصغيرة، حررت طلبا للانتقال إلى إحدى الوحدات المدرسية القريبة من هذا المركز الشبه حضري آنذاك. عند نهاية العطلة الصيفية، التحقت بنيابة ورزازات مستفسرا عن مصير طلبي، فوجدت أنه حظي بالقبول، وأصبحت محسوبا على مجموعة مدارس آيت خلفون التي تغطي مؤسساتها التعليمية منطقة تمتد بنحو خمسة كيلومترات بموازاة جبل كيسان على طول الضفة الأخرى لواد درعة الذي كان يسمى بواد الزيتون قبل دخول المسلمين إلى المغرب.
علمت، لدى توقيعي محضر الدخول بإدارة المؤسسة الجديدة، أن التنظيم التربوي اقتضى أن تسند إلي مهمة تدريس اللغة الفرنسية والرياضيات لثلاثة مستويات دفعة واحدة وهي الثالث والرابع والخامس، على اعتبار أن المستوى السادس لن يضاف إلى المدرسة الابتدائية إلا في السنة الموالية. تحمل الفرعية التي كانت من نصيبي اسم أحد الدواوير التي أنشئت أول الأمر لأجل تعليم صغارها.
في اليوم الأول الذي انطلق معه الموسم الدراسي الجديد، خلعت زوج حذائي ونزعت سروالي لأعبر النهر، ثم ولجت لدوار آيت حمو أوسعيد قادما إليه من أكدز. عندما بلغت المدرسة، وجدتها خاوية على عروشها عدا بعض الطاولات المعفرة بالغبار. وجدت باب أحد الأقسام مفتوحا فدلفت اليه وحططت فيه رحالي عازما المبيت هنا في انتظار بزوغ شمس الغد لتدبر أمر السكن. هكذا، انتقيت من الطاولات أربعا ونفضت ما علق بهن من نقع كثيف فقد القدرة على الطيران لانعدام الحركة، ثم قمت بوضعها على هيئة سرير. لكن هذا النوع من السرير لا يدخل في تعريف السرير عند فلاسفة ومناطقة اليونان القدامى.. من المعلوم أن تعريف أي شيء عندهم يمر من مرحلتين: الأولى خاصة بالجنس والثانية خاصة بالفصل. فمثلا، الجنس الذي ينتمي له السرير هو أثاث المنزل، أما فصله فهو أنه يستعمل للنوم.. أما وسريري مكون من طاولات تستعمل لجلوس التلاميذ، فهذا لعمري شذوذ عن جادة المنطق لم تستطع محاولات الإصلاح المتعاقبة أن تقضي عليه لحد كتابة هذه الأسطر.
في الغد، تعرفت على المعلمتين المسؤولتين عن تعليم وتعلم تلاميذ المستويين الأول والثاني، كما تعرفت على المعلم الذي سيتناوب معي لتدريس اللغة العربية ومواد أخرى بنفس اللغة لجميع تلاميذ المستويات المسندة لي كما أسلفت الذكر. اتفقت مع زميلي على المعاشرة والسكن تحت سقف واحد قصد الاستئناس والاقتصاد في مصروف الكراء. وبما أن صديقي الجديد الذي فرضته علي الوزارة الوصية، أو على الأقل النيابة المنتدبة، يتحدر من مدينة ورزازات، فقد أعفاني من مشاركته البحث عن منزل للكراء. فعلا، تكللت محاولته الأولى بالنجاح، فأصبح لنا منزل مشيد بالطين والعيدان يقع وسط دوار خاص بالسكان الحراطنة غير بعيد عن المدرسة التي نعمل فيها.. مع توالي الأيام، اكتشفنا أن هذا البيت الطيني مظلم في الليل كما في النهار.. الحجرة الوحيدة التي كان مسموحا لنا بالإقامة فيها غير ذات نوافذ، الشيء الذي يستحيل معه أن يدخل إليها الهواء النقي وضوء الشمس البهي.. هنا تذكرت نص الموضوع الذي أمرنا أستاذ اللغة العربية ذات امتحان في الطور الإعدادي بكتابة إنشاء انطلاقا واستيحاء منه: البيت الذي تدخل اليه الشمس يغيب عنه الطبيب… لكن المصيبة لم تعد تتمثل في امتناع دخول الشمس للبيت وإنما تتجسد في امتناع حضور الطبيب..
في منتصف السنة الدراسية، زارنا مفتش اللغة الفرنسية، وفي ختام زيارته كلفني بمباشرة أنشطة البستنة في الفضاء الخارجي اللصيق بالقسم الذي أدرس فيه، معللا اقتراحه بوجود الماء بوفرة في محيط المدرسة. قبل هذه الزيارة، وبمناسبة عودتنا الى المدرسة فور انتهاء مدة عطلة ما، عاينا كيف غمرت سيول مياه المطر المنحدرة من شعاب جبل كيسان الأقسام جميعا، ولهذا السبب تعطلت الدراسة ولم تستأنف إلا في الغد بعد ساعات طوال استغرقها جرف المياه والأوحال من داخل الأقسام.
كان بالإمكان تفادي هذا الاكتساح الطوفاني الذي تعرضت له المدرسة لو أن المسؤول عن تشييدها في بادئ الأمر اتصف بأقل قدر من الذكاء لمنع وضع الأقسام جنبا الى جنب وجعل واجهاتها مقابلة للجبل.. بوحي من هذا الوضع الشاذ، تصورت المدرسة كامرأة أمازيغية متحجبة من بنات البلد تطيل النظر إلى الجبل وتتحاشى مد بصرها نحو الواحة الزاخرة بالألوان والروائح والحركات…