عبدالحميد البجوقي / مدريد/ 5 يناير 2021

نقلت جريدة الباييس الإسبانية يوم 4 يناير 2021 في صفحتها الأولى، خبر انطلاق المفاوضات بين إسبانيا والمملكة المتحدة حول اتفاق عسكري جديد بين البلدين. الاتفاق يتعلق بالأمن والدفاع المشترك بعد الخروج البريطاني (البريكسيت) من الاتحاد الأوروبي . الاتفاق حسب المصادر الاسبانية يهدف التعاون بين البلدين في مجال محاربة الارهاب الجهادي، الدفاع السيبراني ـ حسب المصدر ـ والعمليات العسكرية المشتركة.

تأتي هذه المفاوضات مباشرة بعد اتفاق البلدين يوم 31 ديسمبر من السنة الفارطة(2020) على اندماج جبل طارق في فضاء شينجن، والذي سيتم إدراجه في اتفاقية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المزمع توقيع بنودها االنهائية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

سبق لبعض وسائل الإعلام الاسبانية القريبة من قصر مونكلوا أن أشارت إلى قلق إسباني بشأن تقارب مغربي بريطاني يشمل فتح خطوط جوية و بحرية جديدة بين طنجة وجبل طارق تُخفِّفُ من عزلة الجبل في حالة لم تتوصل بريطانيا والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق نهائي بفتح المعبر الذي يربط الجبل بإسبانيا. كما أشارت مصادر إعلامية أخرى إلى قلق إسبانيا بشأن مفاوضات مغربية بريطانية حول إقامة جسر بحري مُعلّق بين طنجة وجبل طارق، بعد 40 سنة من تعثُّر مشروع النفق الذي يربط أوروبا بإفريقيا عبر المضيق. أضف إلى ذلك معلومات تُفيد بتعاون عسكري مغربي بريطاني انطلاقا من القاعدة العسكرية البريطانية في جبل طارق، والتي كانت دائما مثار جدل وتوتر بين إسبانيا والمملكة المتحدة، وبالخصوص أثناء استقبالها للغواصات النووية البريطانية. في المقابل يتواصل الحذر البريطاني المستمر من الحضور العسكري الاسباني في سبتة كموقع استراتيجي تُنازِعُ من خلاله إسبانيا إلى جانب المغرب السيطرة على مضيق جبل طارق انطلاقا من الضفة الجنوبية.

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، واقتراب المغرب من إنهاء ملف سيادته على الصحراء، والحديث عن عرض مغربي للولايات المتحدة الأمريكية لنقل قاعدتها في روطا بالأندلس إلى الصحراء المغربية، ومؤشرات اعتراف بريطاني بمغربية الصحراء وتطوير علاقاتها الاقتصادية بالمغرب.. والحديث عن عودة المغرب للمطالبة بمفاوضات حول مستقبل مدينتي سبتة ومليلية، وعرضه لمقترح السيادة المشتركة على المدينتين بعد تطويقهما بمشاريع سياحية وتنموية مندمجة على طول الساحل الشمالي المغربي، والإقفال النهائي لمعابر ما يسمى بالتهريب المعيشي من المدينتين .. كلها مؤشرات وعناوين تغيرات منتظرة في هذه المنطقة الحساسة الرابطة بين المحيط والمتوسط الذي يتقاطع ويرتبط بأهم طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب.

بعض الأطراف المتدخلة في هذا الزقاقالمائي بما له من أهمية استراتيجية دولية، والتحولات التي يعرفها الإقليم، أصبحت تبحث عن تعديلات تدريجية، وتوافقات تؤسس لتوازنات جديدة تضمن أمن الاقليم ومصالح كل الأطراف، غير التوازنات والمصالح التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وبعدها الحرب الباردة.

تحرك قِطع السطرنج الذي تشهده اليوم رقعة مضيق جبل طارق تؤكد أن أزمة جزيرة ليلى سنة 2002 كانت أول مؤشر لتحولات استراتيجية مُقبلة في المنطقة ، وأن المغرب ـ عكس ما بدت عليه الأزمة في حينها ـ كان يهدف أساسا إرسال رسالة إلى إسبانيا وبريطانيا مفادها أن إعادة ترتيب التوازنات في المضيق عملية استراتيجية تشمل ثلاثة أطراف، وأن المغرب أحد هذه الأطراف الرئيسة.

مضيق جبل طارق كان يسمى قديما ببحر الزقاق*

مقال أخر للكاتب