*سقط التوحش والصهيونية .. فمتى تسقط التبعية الغبية .. نقصد البوريطية ؟.*

*كلمات*
.. في تجربة مخاطر التبعية
——————————
*سقط التوحش والصهيونية .. فمتى تسقط التبعية الغبية .. نقصد البوريطية ؟.*
أحمد ويحمان
× “توقفت” الحرب لكنها لم تضع أوزارها بعد.توقفت الحرب في آخر لحظة، بينما كان الجميع يخشى أن تستعير أكثر وأكثر ! و الحروب ليست كلها سواء، كما أن نهاياتها ليست كلها دائما مجرد توقف لإطلاق النار أو هدنة عابرة. هناك حروب تؤسس لقطيعة تاريخية بين مرحلتين: مرحلة كانت فيها الحقائق تُدار بالدعاية والتضليل، ومرحلة تنكشف فيها على حقيقتها العارية. وما شهده المشرق العربي والإسلامي في هذه المواجهة الأخيرة، ليس مجرد فصل من فصول الصراع، بل لحظة فاصلة تُعلن نهاية أوهام، وبداية وعي جديد بطبيعة العالم وموازين القوة، وبحقيقة الاصطفاف بين الحق و “الباطل البيّن” كما وصفه بيان علماء الأمة. لقد بدأت هذه الحرب – في رمزيتها الدامية – بمجزرة مروعة في حق أطفال أبرياء، في مدرسة “الشجرة الطيبة” بمدينة ميناب الإيرانية، حيث حصدت آلة الحرب الصهيونية–الأمريكية أزيد من مائة وسبعين طفلة، في مشهد يلخص بوضوح طبيعة هذا الكيان العدواني الذي لا يرى في الأطفال إلا أهدافاً مشروعة، ولا في البراءة إلا فرصة للقتل الجماعي. وهو ذاته الامتداد الطبيعي لما جرى ويجري في غزة، حيث تُباد الطفولة الفلسطينية ويعم التدمير على مرأى ومسمع العالم. إن معنى توقف الحرب – أو تعليقها – لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهايةً للصراع، بل كاستراحة محارب في معركة مفتوحة، كشفت أن المشروع الصهيوني، المدعوم أمريكياً وغربياً، قد بلغ ذروة توحشه، وأنه مستعد للذهاب بعيداً في التدمير، حتى ولو أدى ذلك إلى إشعال حرب كونية تهدد البشرية جمعاء. وقد رأينا كيف حبس العالم أنفاسه، وهو يتابع مؤشرات الانزلاق نحو استعمال السلاح النووي، بكل ما يحمله ذلك من تهديد وجودي للإنسان والبيئة، ومن فوضى اقتصادية انعكست مباشرة على أسعار الطاقة والمواد الأساسية. وفي موازاة هذا التوحش، برز درس بالغ الأهمية، هو أن الدول التي فتحت أراضيها للقواعد العسكرية الأجنبية، وارتهنت لإملاءات الخارج، لم تزد نفسها إلا هشاشة وخطراً. لقد تحولت هذه القواعد إلى أهداف مشروعة، وصارت السيادة الوطنية مجرد وهم، بل إن بعض هذه الأنظمة باتت تواجه، لأول مرة، تهديداً وجودياً حقيقياً، نتيجة انخراطها الأعمى في منظومة الهيمنة الأمريكية–الصهيونية.وفي هذا السياق، يبرز الحق المشروع لإيران في الدفاع عن نفسها، وفي الرد على مصادر النيران التي تنطلق من دول مجاورة لتقتل أطفالها وتدمر بنيتها التحتية. فهذا ليس فقط حقاً قانونياً، بل هو واجب سيادي، تفرضه أبسط قواعد العدالة الدولية، التي طالما داسها الكيان الصهيوني وحماته. غير أن ما يثير الأسف – بل القلق – هو الموقف الرسمي المغربي، الذي لم يكتف بعدم إدانة هذا العدوان، بل واصل التحريض ضد إيران المعتدى عليها، في تماهٍ وانسجام تام مع الخطاب الصهيوني–الأمريكي، وكأن الدم العربي والإسلامي لم يعد يعني شيئاً، أو كأن الجرائم اليومية في غزة، حيث يُذبح عشرات الآلاف من الأطفال، والقدس التي تُستباح فيها المقدسات ويُستهدف فيها مسرى رسولنا الكريم، لا تستحق حتى كلمة إدانة. إن هذا الموقف لا يعكس فقط اختلالاً في التقدير السياسي، بل يكشف عمق الارتهان لإملاءات الخارج، في لحظة كان يُفترض فيها أن تُستحضر ثوابت الأمة ومصالحها الاستراتيجية. لقد عرّت هذه الحرب – مرة أخرى – طبيعة المشروع الصهيوني بوصفه مشروع إبادة جماعية وتطهير عرقي، يمتد من غزة إلى الضفة، ومن لبنان إلى اليمن والعراق وسوريا، في سياق عدواني شامل، تدعمه إدارة أمريكية لم تتردد، على لسان رئيسها، في إطلاق تصريحات صادمة، أدانها العالم بأسره، لما تحمله من استخفاف بالقانون الدولي وبحياة الشعوب وثقافة الأمم. كما عرّت خزي التطبيع والمطبعين الذين يزكون، بتطبيعهم هذا، مجازر القتلة المتوحشين.أما في الخليج، فقد بدت الصورة أكثر قتامة، حيث أظهرت التجربة أن الارتهان للقواعد الأجنبية لم يجلب الأمن، بل استدعى الخطر إلى الداخل، وفتح الباب أمام احتمالات الانهيار، ليس فقط سياسياً، بل وجودياً. إن ما تعيشه هذه الدول اليوم هو نتيجة مباشرة لسياسات الخضوع والانصياع، التي راهنت على الحماية الخارجية بدل بناء القوة الذاتية.
*آخر الكلام*
إن الدرس الأكبر من هذه التجربة، هو أن التبعية ليست مجرد خيار سياسي خاطئ، بل هي خطر وجودي يهدد الدول والمجتمعات. وإن الاستمرار في سياسة الخضوع، والتورط في مسارات التطبيع مع كيان يقوم على الإبادة والتطهير العرقي، ورهن السيادة الوطنية للأحلاف العسكرية، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل والانكشاف. إن المطلوب اليوم هو شجاعة المراجعة، والقطع مع أوهام الحماية الخارجية، واستحضار مخاطر الوجود الأجنبي المناقض للسيادة والجاذب لكل المخاطر، والعودة إلى الشعب باعتباره صمام الأمان الحقيقي، وبناء سياسات وطنية مستقلة، تستحضر مصالح الأمة، وتنسجم مع إرادتها. فالأوطان لا تُحمى بالارتهان، بل بالتحرر؛ ولا تُصان بالتبعية وإنما بالسيادة الحقيقية.
إن الشعب المغربي يستحق وضعاً آخر غير هذا الذي يُحشر فيه ويُعرّضه لكل المخاطر. وآخر دعوانا أن اللهم اسق عبادك وبهائمك !
——————————
× باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع




