
إيضاحات ليستقيم الحوار حول مناصرة إيران (2)
الاعتداء العسكري الغاشم الذي يقوم بها قطب التسلط والدمار الأمريكي الصهيوني في غطرسة ونشوة جنونية، تحت دريعة تحرير الشعب الإيراني بالقضاء على نظامه السيّاسي. والحاصل أن أوهام الثنائي الدموي وحلفائهم تبخرت أمام صمود الشعب الإيراني. الأحداث المتسارعة والتي تخيّم على كل ما هو سمعي مرئي ومكتوب من وحي البشر أم الذكاء الاصطناعي. هذا الواقع يفرض تأجيل البحث في القضايا الثقافية الفكرية، التي لها أهميتها البالغة للإجابة على بعض التساؤلات التي تتطلب المزيد من الإيضاحات.الايضاح الرابع: عودة للقانون الدوليأوضحنا سابقا أهميّة ميثاق الأمم المتحدة بصفته القانون الدولي لحل الخلافات بين الدول بالطرق السلمية وتجنب الحروب المدمرة للشعوب والمنشآت. والذي رغم نواقصه الجمة منها السماح لبعض الدول التحكم في مجلس الأمن الذي يقوم مقام حكومة المجتمع الدولي. الميثاق الأممي هو نتاج التوازنات السّياسية والعسكريّة نهاية الحرب العالمية الثانية. هذه الحرب التي ذهب ضحيّتها أزيد من 65 مليون قتيل وأضعافه من المعطوبين والمشرّدين. هذا الى جانب الخراب الذي أصاب الدول الأوربية والمعسكر الاشتراكي خاصة. وان المصالح المادية والسياسية التي لا زالت تحكم العلاقات الدولية تفسر ما يحدث من حروب تصل حد الإبادة، كما هو واقع الشعب الفلسطيني في غزة وكذا الاجتثاث العسكري لدول الشرق الأوسط، أفغانستان، العراق، سوريا لبنان، اليمن، ليبيا ومنذ ثلاث أسابيع الاعتداء الغاشم على إيران، يؤكد الرجوع الى قانون الغاب الذي ساد في مرحلة الاستعمار المباشر، حيث الدول القوية كانت تحتل بالحديد والنّار الدول الضعيفة. نفس الوضعية الاستعمارية تعيد نفسها والمطلوب هو الاحتكام للضمير الانساني للوقوف ضد ما يحدث. موقف الضمائر الحرة من الحرب على إيران ولبنان، هو نفس الموقف الذي حركها لمّا ناصرت المقاومة الفيتنامية والجزائرية وباقي جبهات التحرر في العالم وضد الحكم العنصري بجنوب أفريقيا.الواجب المباشر هو مناصرة الحق والسلم. والسلم والحق هو مع الشعب الإيراني والمقاومة اللبنانية وليس تقديم مبرّرات واهية تخدم المعتدي الغاشم. ولتبيان موقنا هذا نذكر حدثين من بين العديدة من الأمثلة التي يمكن عرضها:
– المثل الأول: التصريح الأخير ل – لوك فيري-وزير التعليم السابق لفرنسا وأحد هواة الفلسفة وهو بذا يعد أحد المثقفين الغربين المعروفين اعلاميّا. لقد صرح أخيرا كون القانون الدولي هو خاص فقط بالدول المتحضرة أي الغربية. أما إيران وغيرها من الدول الشرقية فهي ليست أهلا لذلك. هذا الاتجاه المتعالي السائد على المستوى السيّاسي والإعلامي داخل النخبة الغربية، هو استمرار للتوجه الاستعماري. انه توجه موروث عن النظرة الصليبية للشرق والتي تطورت في المراحل اللاّحقة الى نظرة استعمارية وهي التي يقودها الآن التوجه الاستيطاني التوسعي والرأسمالي المتوحش بقيادة الثنائي الصهيوني الأمريكي.
– المثل الثاني: كتاب ” عشرة أيّام هزّت العالم” للكاتب الأممي الأمريكي – جون ريد-وهو من الكتب التي ألهمت وعي جيل الستينات والسبعينات على شاكلة كتاب ” الأم” للصحفي والكاتب الأممي الروسي – ماكسيم كوركي أو كتاب ” الشيوعيّون” للشاعر والكاتب الشيوعي الفرني – لويس أراغون. لكني رغم حبي لكتابات غوركي وأراغون الشعرية، يظل كتاب “عشرة أيام هزّت العالم”، ملحمة حيّة تجسد الإرادة الثورية للشعوب كما شخصها شاعرنا الملهم أبو القاسم الشابي في قصيدته الخالدة “إرادة الحياة”. والصورة التي طبعت مخيّلتي وأنا شاب، هو ذلك الحوار الذي دار بين أحد الشباب البحريّين-الذين أنظموا الى الثورة للبلشفية عام 1917، والذي كان يحرس باب القاعة التي كان بها لينين يخطب ويحرّض على مقاومة النظام الأرستقراطي القيصري-وأحد المثقفين البرجوازيّين الذي كان يناوئ للثورة والذي أخد يهزأ من الجندي البحار وينعته بالجاهل الذي لا يعرف الديالكتيك أو علم السيّاسة أو خطاب لينين…. كان جواب الجندي المؤيد للثورة، أنه فعلا لا يفهم كل هذه الأشياء، لكنه يعي جيدا شيئا واحدا من أجله يضحي: أن هناك ظالمون وهناك مظلومين وأنه مع المظلومين. أمام الحرب الفتاكة التي يذهب ضحيّتها الآلاف من الأبرياء الإيرانيون واللبنانيّون، أطفال نساء شباب شيوخ… يبقي السؤال مطروحا على الضمير الإنساني: من هم الظالمون المعتدون في هذه الحرب المُميتَة ومن هم المظلومين؟ الايضاح الخامس: أي النظامين هو ديمقراطي، الإيراني أم الصهيوني الاستيطاني؟تحت دريعة أن النظام الإيراني هو نظام لاهوتي استبدادي يحق مهاجمته والقضاء عليه بكافة الوسائل منذ قيام الثورة الخمينية عام 1979. كما وضفت الدعاية المغرضة وطبخت المؤامرات داخل وخارج البلاد الى جانب حصار اقتصادي عام ودائم لتجويع الشعب الإيراني ومنه خلق الفوضى والفتنة. وعندما لم تنجح الدسائس المعلنة والغير المعلنة انتهي الأمر الى شن حرب شاملة على الشعب الإيراني. لكن عكس مختلف التصورات الداعية أن الحرب الظالمة اضد إيران لن تدوم الا بضعة أيام نظرا للترسانة العسكرية المستعملة، خاب ظن المعتدين ودعايتهم الهوجاء أمام تماسك الشعب الإيراني.الدريعة المركزية التي يقدمها المعتدون كون النظام الإيراني هو نظام لاهوتي متزمت مستبد، الا أن الحقيقة عكس ذلك. انتساب النظام للإسلام لا يعني أن هناك عنصرية اتجاه الأقليّات الموجودة في إيران، خلافا لما هو موجود، سواء في أمريكا أو خاصة في الكيّان الصهيوني. أبشع الأمور في وجود البشر على وجه الأرض هي العنصرية والتي غير موجودة في المجتمع الإيراني. هناك نظام سياسي مهيمن في إيران، كما هو الحال في سائر الدول. قد يمكن الاتفاق معه أم لا، لكن ليست هناك عنصرية، لأن الإسلام كعقيدة يحرم ذلك ” كلكم لآدم وآدم من”، “لا فرق بين عربي أو عجمي الاّ بالتقوى”. والتقوى هو العمل الصّالح. الى جانب انعدام العنصرية المقيتة في إيران، هناك احترام الأقليّات. الأمر الغير موجود، لا عند في أمريكا أو الكيّان الصهيوني.بأمريكا هناك اقصاء الأقلّيات كعامل مؤسس للمجتمع الأمريكي الرأسمالي. أما ما يخص الكيان الصهيوني، الذي تقدمه النخبة السيّاسية الغربية ووسائل دعايتها، أنه المجتمع الديمقراطي الوحيد وسط القحط الديمقراطي وانعدام الحريّات بمنطقة الشرق الأوسط. كلها مغالطات وادعاءات لتبرير وجود كيّان مصطنع لا تاريخ له في الواقع غير الأساطير التي تُقَدَّم كحقائق تاريخية وما هي كذلك. هناك معتقد ديني يهودي تطوركمنظور هامشي بالنسبة للمعتقدات التي عرفتها مجتمعات الشرق الأوسط (انظر تطور الأساطير ومنها الجانب الخاص بالمعتقد اليهودي، وكيف استعمله التصور الصهيوني الرأسمالي الاستعماري لاحتلال فلسطين). النظام الصهيوني هو نظام عنصري ليس فقط اتجاه الفلسطينيّين، بل اتجاه العرب الحاملين لجنسية الكيّان لأنهم لم يتركوا فلسطين بعد نكبة 1948. نفس الشيء حاصل بالنسبة لليهود من أصل عربي – السفارديم- وخاصة من أصل اثيوبي – الفلشا-. انها “ديمقراطية” الصهاينة البيض – الأشكناز-. “ديمقراطية” الفصل العنصري، “ديمقراطية” خاصة بالأقلية المسيطرة كما كان حال البيض بإفريقيا الجنوبية.المقارنة بين “ديمقراطية” الكيّان والديمقراطيّة اللبنانية ليس فيها وجه المقارنة. الصراعات الطائفية التي حصلت في لبنان خلال سبعينيات القرن الفائت وأذكتها قوى خارجية وخاصة الكيّان الصهيوني هي نتاج الشكل الديمقراطي المفروض من قبل المستعمر. رغم المساعدات الخارقة التي حصل عليها الكيان الصهيون من الغرب الذي زرعه كقاعدة أماميّة قلب المنطقة، ورغم الدعاية له ك “نظام ديمقراطي”، كان لبنان في خمسينات وستينات القرن الفائت، ينعم بالسلم والنُّمو الكبير مما يضرب في العمق اسطورة كون الكيّان الصهيوني النظام الديمقراطي الوحيد في المنطقة وأنه صاحب العبقرية الفريدة التي تحقق نُمُوّا لافتا. لبنان سواء على المستوى الديمقراطي أو التنموي والثقافي كانت تضرب عرض الحائط اسطورة نظام الكيّان المُصطنع. ومنه جاء التآمر عليه والزج به في دوامة حرب مباشرة دائمة مع العدو الصهيوني لمّا لم يفلح الزَّج به في حرب أهليّة قتّاكة. الايضاح السادس: السنة والشيعة ومفهوم الخلافة والامامة لقد أسيل حبر كثير وسجال قليلُه عقلاني وكثيره غوغائي. سواء ما خص الشيعة أو السنة وما نتج عن تبني كل منها نظام خاص بالحكم. ونمط الحكم هو من القضايا الدهرية لا علاقة له بالإيمان الروحي. الحيز الذي بين أيدينا من الوقت، لا يسمح معه الدخول في التفاصيل، لأن الغاية هي الإشارة للمبادئ الأساسية التي توضح لماذا يلزم مناصرة الشعب الإيراني المقاوم. النقاش الهام الذي دار بين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطّاب بشأن حروب الردَّة، ومثلُهُ هامٌّ ومؤسس للدولة والحضارة العربية الإسلامية ما دار في سقيفة بني سعيدة وجثة النبي لم تدفن بعد. البحث في جوهر الحَدَثَين المُؤَسسَين يوضح أن الايمان شيء خاص بالإنسان وخالقه وما غير ذلك هو من الشؤُون الدهرية أي الاجتماعية. هكذا فانَّ نظام حكم الخلافة والامامة ينتميا للثقافية والحضارة الإسلامية. كلٌّ منهما يريد تبرير شكل من أشكال الحكم والتي هي دائمة التّطور. فكما تمَّ الاستغناء على الخلافة كنمط للحكم مع القضاء على الإمبراطورية العثمانية في 1924، سيحدث تطور في نمط الحكم بالإمامة. ا لتبرير مصداقية كلّ منهما أي الامامة والخلافة، وصلاحيته للحكم تشكلت مدارس ومذاهب تصارعت فيما بينها على السلطة الدهرية أساسا والايمان الروحي بريء منها. ان العداء الذي يخلقه ويذكيه السفهاء بتكفير البعض للبعض وخلق الفجوة بين أبناء الثقافة والحضارة الواحدة باسم الانتساب لهذه الطائفة أو تلك لا أساس له من العقيدة المحمّدية أو مصلحة شعوب المنطقة. ان الشيعة والسنة عاشوا وتعايشوا بسلام داخل الثقافة العربية الإسلامية، أغنوها ودافعوا عنها في وجه الصليبيّين والمستعمرين وهم اليوم مطالبون جمع الشمل لتجاوز خلافاتهم الطفيفة في وجه العدو الحضاري والثقافي المشترك. هذا العدو المشترك الذي يتربص بشعوب المنطقة ويدفع الى الفتنة بينها لتشتيتها واضعافها ليسهل له استعباد شعوبها وسلب خيراته الطبيعية والتجارية.



