
بقلم: عثمان بنطالب
بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع المواجهة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، يتضح أن التقديرات الأولية التي بُنيت على فرضية “الضربة الحاسمة” كانت بعيدة عن الواقع.
فقد سبق أن طرحنا، قبل ثلاثة أسابيع، تساؤلًا جوهريًا: هل خدعت إسرائيل ترامب؟ أم أن التقديرات الاستخباراتية كانت مضللة؟ واليوم، تبدو الإجابة أكثر وضوحًا.
فرغم آلاف الضربات التي استهدفت عمق الأراضي الإيرانية، ورغم استهداف قيادات من الصف الأول والثاني، لم تنهَر طهران، ولم تسقط مؤسساتها كما كان متوقعًا. بل على العكس، أظهرت قدرة على امتصاص الصدمة، وإعادة التموضع، والاستمرار في المواجهة.
غير أن خطاب الرئيس الأمريكي الأخير شكّل نقطة تحول لافتة، ليس فقط من حيث اللهجة، بل من حيث طبيعة الأهداف المعلنة. فحديثه الصريح عن استهداف محطات الطاقة، وتهديده بإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، يعكس انتقالًا من منطق الضغط العسكري المحدود إلى استراتيجية تدمير شامل للبنية التحتية.
هذا التصعيد يؤكد أن الحرب لم تعد تسعى فقط إلى إسقاط النظام، بل دخلت مرحلة استنزاف طويلة، وها هي اليوم تقترب من نموذج أكثر خطورة: حرب الأرض المحروقة.
ولفهم هذا التحول، لا بد من استحضار التاريخ، وتحديدًا ما قام به إسماعيل الصفوي في صراعه مع العثمانيين خلال القرن السادس عشر، حيث اعتمد سياسة إحراق الأراضي وتدمير الموارد لمنع الخصوم من الاستفادة منها.
كانت تلك الاستراتيجية فعالة عسكريًا، لكنها كارثية إنسانيًا، إذ دفعت السكان ثمنًا باهظًا.
ما نشهده اليوم يحمل ملامح مشابهة:
- استهداف البنية التحتية الحيوية
- توسيع نطاق الدمار ليشمل الاقتصاد والطاقة
- غياب أي أفق سياسي أو تفاوضي
- دخول أطراف إقليمية في حالة شلل وتأثير محدود
كل المؤشرات تؤكد أن الصراع لم يعد قابلًا للاحتواء بسهولة، وأنه يتجه نحو تعقيد أكبر، خاصة مع غياب دور فعّال لدول الخليج أو القوى الإقليمية في فرض التهدئة.
وللإشارة، إن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط حجم الدمار، بل طبيعة التحول الاستراتيجي الذي تشهده. فحين تنتقل الحروب من إسقاط الأنظمة إلى استنزاف الدول، ثم إلى تدمير مقومات الحياة نفسها، فإننا نكون أمام مرحلة تفقد فيها السياسة معناها، وتصبح القوة وحدها هي اللغة السائدة.
وفي ظل هذا المسار، لا تبدو إيران وحدها المستهدفة، بل إن المنطقة بأكملها تقف على حافة إعادة تشكل جيوسياسي خطير، قد يعيد رسم موازين القوى لعقود قادمة.. ولكن بثمن باهظ لن تتحمله الأنظمة فقط، بل الشعوب أولًا وأخيرًا.
وكما أشرنا في مقالات سابقة، فإن منطقة الشرق الأوسط دخلت بالفعل مرحلة جديدة من الصراع الطويل، حيث لم يعد الحسم العسكري السريع ممكنًا، ولم يعد الشرق الأوسط بعد هذه الحرب كما كان قبلها. إنها لحظة مفصلية تعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوى، لكن بثمن باهظ.
وفي خضم هذا التحول العنيف، يبقى الخاسر الأكبر هو شعوب المنطقة، التي ستدفع كلفة حرب مفتوحة على كل الاحتمالات، قد تتحول إلى واحدة من أخطر وأطول الصراعات في العصر الحديث.

