فضاءاتمستجدات

*كلمات* .. في إعلان إسرائيل جديدة بالمغرب .. بالتقسيط

———————————-

*المغرب أرض ميعاد جديدة ؟! أيها المغاربة .. بلادنا تضيع بين أيدينا*

أحمد ويحمان

× الڤيديو رفقته الذي يتم تناقله في وسائط التواصل الاجتماعي عن القناة الصهيونية ” i 24 ” بالمغرب، والذي اقتسمه أيضا الكاتب المغربي المقيم بفرنسا، يعقوب كوهين أمس بصفحته على الفايسبوك، عنوان آخر من عناوين الخراب الذي حل ببلادنا منذ فترة ويتفاعل بوتيرة سريعة هي بمثابة إيذان بالسقوط المريع لا قدر الله ! إن واقعة عزف النشيد الرسمي لكيان الاحتلال، مخلوطًا بالنشيد الوطني المغربي، ليست مجرد “سهو بروتوكولي” أو حادثة معزولة يمكن طيّها بالصمت أو التبرير؛ بل إنها، في معناها العميق، لحظة كاشفة وجد متقدمة لنوع جديد من العدوان الرمزي المركّب، في شوطه الأخير، الذي لم يعد يستهدف الأرض فقط، بل بات يستهدف الوجدان، والهوية، والمرجعيات المؤسسة للكيان الوطني المغربي. إنها حلقة جد متقدمة في الحربٍ على الرموز، تُدار بالتقسيط، لكنها تسير، بإصرار، نحو غايات كبرى جرى التمهيد لها على نار هادئة وتأخذ اليوم إيقاعا أسرع، في صراع مع زمن العد العكسي، خصوصا مع إسقاطات الحرب الوجودية الدائرة في المشرق العربي والإسلامي . ذلك أن ما نشهده اليوم لم يعد مجرد تطبيع سياسي أو اقتصادي، بل تحوّل إلى محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل المعنى نفسه: معنى المغرب، ومعنى تاريخه، ومعنى دينه، بل ومعنى شرعيته. فحين يُقال – بكل وقاحة – إن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم “صهيوني” ! ويُروَّج لذلك بزعم أن هذا القول وفي السياق الذي قيل فيه، زمكانيا، [ وفد مغاربة متصهينين بمتحف أصدقاء صهيون بكيان الاحتلال في عز مذابح غزة ] إنه تم بعلم ومباركة الملك، فنحن أمام اعتداء صريح على العقيدة، وليس فقط على الرموز. وحين يُدَّعى أن للمغرب “قرآنه الخاص” (قرآن بورغواطة)، وأن له “نبيًا” غير خاتم الأنبياء محمد( ص)، فنحن أمام مشروع تفكيك عقدي خطير، يتجاوز حدود العبث إلى مستوى التأسيس لهوية بديلة مشوهة. وحين يُزجّ بمؤسسة “إمارة المؤمنين” في مسارات صهينة ناعمة، عبر مشاريع ومؤسسات وأشخاص مشبوهين ومعروفين في دوائر المحافل الماسونية، يُراد لهم أن يعيدوا تعريفها من داخل كيان الاحتلال، فإن الأمر لا يتعلق باجتهاد فكري، بل بمحاولة اختراقٍ استراتيجي لواحدة من أهم ركائز الاستقرار والشرعية المفترضة في المغرب. وحين يقال أن الملك “يهودي” ولا صلة له بآل البيت وتتم إشاعة هذه الدعاية الصهيونية، وبالصوت والصورة، فإننا نكون أمام استهداف مباشر لمرجعية الدولة نفسها، لا يمكن فصله عن سياق عام من التمهيد لإعادة تركيب الشرعية على أسس أخرى. وفي السياق ذاته، تتكاثر المؤشرات: من ادعاء أن المغرب “مملكة مقدسة لبني إسرائيل”، إلى تحويل بعض الفضاءات والمؤسسات إلى منصات لرفع العلم الصهيوني فوق العلم الوطني ( مقر الطائفة اليهودية بالدار البيضاء )، إلى بروز أدوار سياسية وثقافية لأشخاص يستغلون مواقعهم الحساسة كأندري أزولاي الذي يتصرف، من موقعه كمستشار للملك كما لو أنه المقيم العام الإسرائيلي بالمغرب؛ أزولاي الذي نظم لقاءا ومنتدى تحت عنوان “توحيد الهياكل” بين المغرب وكيان الاحتلال الصهيوني بما يحمله ذلك من رمزية دينية خطيرة تتجاوز حدود “التعايش” إلى حدود “الاستبدال”. إن الأمر لم يعد حتى مجرد خطاب أو رمزية؛ بل يتجاوزه إلى وقائع مادية على الأرض: من الترامي على العقارات وتغيير الأسماء الجغرافية، إلى تزوير الوثائق، إلى إعادة كتابة التاريخ المحلي عبر أساطير العثور على “قبور أنبياء بني إسرائيل” بالجنوب المغربي و و”أورشليم الصغيرة” ( إفران الأطلس الصغير )، ومحاولة ربط مناطق مغربية بتاريخ توراتي مُتخيَّل، في عملية سطوٍ مزدوجة: على الأرض وعلى الذاكرة معًا. إننا أمام مشروع متكامل، تتقاطع فيه الثقافة بالدين، والسياسة بالاستخبارات، والإعلام بالاقتصاد، هدفه النهائي ليس مجرد التطبيع، بل إعادة إنتاج المغرب نفسه كفضاء وظيفي داخل منظومة صهيونية أوسع. وهذا ما يجعل من هذه اللحظة – بكل تفاصيلها – لحظة نوعية، لا يمكن التقليل من شأنها. وإذا وضعنا هذا كله في سياق التحولات الإقليمية، وخاصة الحرب المفتوحة التي يخوضها الكيان الصهيوني، والتصدعات التي باتت تعتري بنيته الداخلية، والتصريحات المتزايدة لقادته حول “التهديد الوجودي” و”قرب الانهيار”، فإن الصورة تكتمل أكثر: نحن أمام كيان يبحث عن مخارج تاريخية، وعن “بدائل جغرافية ووظيفية”، في ضوء ما يمكن اعتباره تآكلًا متسارعًا لمشروعه في فلسطين. وهنا يستعاد، بشكل مقلق، ذلك المعطى القديم الذي تحدّث عنه مؤسسوه الأوائل حول ضرورة التفكير في “وديعة” بن غوريون خارج فلسطين، تحفظ المشروع إذا ما تعثّر في مركزه الأصلي. فهل نحن أمام إعادة إحياء لتلك الفكرة، ولكن بصيغة جديدة، ناعمة، متدرجة، تبدأ بالرمز وتنتهي بالواقع؟ إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ما يُقال أو يُفعل، بل في تراكمه، وفي اعتياد الناس عليه، وفي تحوّله – مع الوقت – إلى “أمر عادي”. وهنا تكمن خطورة “التقسيط” في هذا المشروع: كل خطوة تبدو صغيرة، لكن مجموعها يرسم مسارًا كاملاً. لقد سبق وكتبنا عن نظرية الضفدع المطبوخ .. وسبق وتحدثنا عن مشروع إقامة إسرائيل في المغرب الذي ناقشته الحركة الصهيونية العالمية سنة 1903 بحضور رئيس ومؤسس الحركة تيودور هرتزل سنة قبل وفاته ..ولذلك، فإن مسؤولية التنبيه والتحذير ليست ترفًا، بل واجب وطني وأخلاقي. فالصمت في مثل هذه اللحظات ليس حيادًا، بل تواطؤًا، ولو عن غير قصد.

*آخر الكلام*

إن أخطر ما في ما يجري، ليس فقط أنه اعتداء على رموزنا وثوابتنا، بل أنه محاولة لإقناعنا بأن هذا الاعتداء هو “طبيعي” و”ضروري” و”في مصلحتنا”. وحين يصل الأمر إلى حد خلط نشيد الوطن بنشيد كيان يحتل ويُبيد، فليعلم الجميع أن المسألة لم تعد زلة، بل رسالة. رسالة تقول إن الحدود تُمحى، وإن المعاني تُستبدل، وإن الوطن نفسه يُعاد تعريفه… واستيطانه بالتقسيط. فهل ننتبه قبل أن يكتمل الثمن؟ أم نصحو على واقعٍ لم نعد فيه نحن… ولا لنا فيه نحن؟بيننا وبينكم الوطن… إن بقي.

———————

× باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID