أحمد ويحمان

القصة كلها هنا هي في الجبن .
الجبن وليس الخوف، للدقة.
ذلك أن الخوف معطى إنساني طبيعي . يختلف فيه الناس، درجات، بحسب الخبرات النفسية والفيزيولوجية، لكنهم جميعهم يخافون بهذا القدر أو ذاك .. وحتى الشجعان منهم، قليلي هرمون الأدرينالين، فإنهم حتى إذا لا يخافون من …، فإنهم، على الأقل، وبالضرورة، يخافون على … .. يخافون على … ؛ أي يحرصون على أحبتهم من أن يصيبهم أي مكروه .
لذلك، فنحن هنا لسنا في وارد صفة الخوف بالمستوى الطبيعي، كمشترك إنساني، وإنما بصدد مستوى آخر للخوف، أقصى درجاته التي تجعل من يصل إليها يخرج من ذلك المشترك الإنساني الطبيعي المقبول والمتفهم ليدخل في دائرة الصفة المذمومة، شرعيا وأخلاقيا واجتماعيا .. أي دائرة الصفة المذمومة عند الله ورسوله .. وعند عباد الله على السواء .
ولعل أهم من حدد هذه الصفة المذمومة؛ الجبن، هو مسكويه عندما قال عنها (الجبن) بأنه: “الخوف مما لا ينبغي أن يخاف منه .” .
والجبن، كصفة وخُلُق مذموم، ( لأنه ضد الشجاعة والثبات اللذين أمر بهما الله عباده ) حذر منه تعالى المسلمين في القرآن الكريم حيث قال عز وجل :
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ “.
كما أن النبي (صلعم) ذم الجبن والبخل ونهى عنهما بقوله : ” شرُّ ما في رجل شحٌّ هالع، وجبن خالع” . .
استحضرت كل هذه المعاني وأنا أطالع بيان الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية أول أمس بشأن الانتخابات الجزئية وما نجم عنها من سجال بين قيادة الحزب في شخص أمينه العام ووزارة الداخلية في شخص الوزير .
ومما يلفت في بيان الأمانة العامة لهذا الحزب أمران : طوله من جهة و تردده وخوفه الذي بلغ مستوى الجبن، الذي استدعى هذه الكلمات، من جهة أخرى .
فأما طوله فتجلى في كثرة الكلام والإطناب في القول الذي حاولنا عصره من جهة استيضاح الموقف فلم نجد شيئا ذا بال . وكان يمكن قول كل ما قيل في فقرة واحدة لا أكثر .
كان يمكن إيصال فكرة البيان كله، دون الإطالة، في فقرة أو حتى في جملة واحدة من قبيل مثلا :
والله إنه عيب .. آبعد كل هذه الخدمة حد التواطؤ ( = هذا كلام الأمين العام) تجازوننا بكل هذا الإذلال وهذه الإهانات ؟!
الرباط في ….
الإمضاء ..
هذا هو مضمون البيان . وكل ما دونه تفاصيل تحسب على البيان ومحرريه والموافقين عليه وليس لهم . وهذا هو موضوع الأمر الثاني الملفت فيه؛ التردد والجبن . .
فالبيان، كما كل البيانات التي تلت مهزلة 8 سبتمبر يدخل في دائرة ما يسميه المغاربة ” السبع تحت الجلابة ” وهو ما نسميه باسمه الحقيقي الجبن .
البيان يتحدث عن ملأ الصناديق بأوراق التصويت وعن استعمال المال وعن تدخل رجال السلطة … و عن كل ما يدخل في دائرة تزوير الانتخابات وتزوير إرادة الشعب .. لكن طوال هذا البيان المطول وكل البيانات السابقة لم يتم ولا مرة، خلاف أحزاب أخرى ( أحزاب اليسار مثلا ) الحديث عن التزوير !
أن هذه العقلية المترددة “الخائفة مما لا يخاف منه “، بتعبير بن مسكويه في تعريف وتحديد صفة الجبن، هي المتحكمة في صياغة البيان/ات وفي بلورة حزب العدالة والتنمية، لاسيما في المدة الأخيرة .. وهذا ما يفسر الارتباك بقول الشيء ونقيضه، بل والذهاب للإفصاح عما يمكن اعتباره، من المنظور السياسي، فضيحة حقيقية كاعتراف القيادة، في عتاب لوزارة الداخلية، بالتعاون درجة ” التواطوء” معها… الخ .
قد يقول البعض أن انتظاراتنا من حزب العدالة والتنمية هي التي تشكو من نقص في الواقعية، وأننا ننتظر مواقف ثورية من حزب اختار أن يكون معتدلا ! .
هذا الأمر كان دائما موضوع نقاش بيننا وبين قيادات هذا الحزب بعنوان القعقاع و القعقوع .. يقول بعض مخاطبينا : لا تنتظروا منا أن نكون القعقاع ( الصحابي المشهور الذي كان يقذف الرعب بثباته وشجاعته في صفوف الأعداء ) .. وكان ردنا دوما هو أن المغاربة لا ينتظرون منكم ثبات وشجاعة القعقاع، وإنما، وفقط، ألا تنزلوا لخنوع القعقوع ( النموذج المثال لنقيض القعقاع في انبطاحه وخضوعه ) !
فنحن ممن يقتنعون بأهمية وجود حزب سياسي معتدل، أيا كانت خلافاتنا معه فكريا وسياسيا، لأن من شأن ذلك أن يوفر الإطار اللازم لاستيعاب مجموعة من المواطنات و المواطنين الذين تجمعهم هذه القناعة وهذه الرؤية في تدبير الشأن العام بما يحقق معادلة تنظيم التدافع بين مختلف الرؤى والاجتهادات الأخرى ضمن ما أسماه بن خلدون بالعمران البشري .
وقد كان حزب العدالة والتنمية، رغم كل الملاحظات والنقائص المرتبطة بالولادة وببعض المحطات السياسية ( قبول الترشيح في دوائر معينة وعدم الترشيح في دوائر أخرى وفقا لاموامر وزارة الداخلية …! ) .. رغم كل ذلك كان الحزب، في وقت من الأوقات، موضوع حديث الباحثين والمهتمين في إمكانية أن يكون نموذجا ناجحا لمثل هذا الحزب الذي تحتاجه بلادنا لبناء مشهد سياسي صحي يعكس خريطة التمثيل الحقيقي للمجتمع .. كان ذلك، خصوصا في المدة الذي كان فيه يعطي القدوة للتداول على مستوى المسؤوليات وبصيغة الترشيحات لها وإقرار عدم إمكانية الولاية الثالثة على رأس الأمانة العامة للحزب … الخ .
غير أن صرح الأمل على هذا المستوى سرعان ما انهار كليا عند اختبارات الأسس التي تبين معها أنها أسس مغشوشة كمن يبني على كومة من القش والرمال .. ظهر ذلك في الموقف من اللغة العربية وفرنسة التعليم وملف تقنين المخدرات ( القنب الهندي ) .. ثم جاء السقوط المدوي مع توقيع التطبيع مع العدو الصهيوني !
من المثل المأثورة التي كان يرددها المرحوم د.عمر الخطابي كثيرا، المثل الفرنسي :
On ne devient jamais que ce qu’on a toujours été !
وترجمته هي :
لا نصبح أبدا إلا ما كناه دائما !
والقصد هنا هو أن شخصا أو هيأة قد يلتبس عليك أمره أو أمرها وقد تنطلي عليك بعض المظاهر، قبل أن يأتي حدث ما فتكشف لك حقائق مخفية عنك وأوقعتك في الاشتباه الذي انطلى عليك طويلا ..
نعم إن هذا هو ما يقف عليه المرء في حالة حزب العدالة والتنمية .. حين يجد نفسه مضطرا لإعادة الأسئلة فيه حتى عن المسلمات .. وفي السؤال: هل هذا حزب سياسي جدير بتسميته هذا الإسم أصلاً ؟
قصد السؤال هو عن مدى كونه حزبا سياسيا حقيقيا.. أي مدى دخوله في دائرة الأحزاب الوطنية التي لها حد أدنى من الوجود المستقل عن الدولة والإدارة من كونه حزبا إداريا شأنه شأن الأحزاب الإدارية المرتبطة نشأتها بالإدارة التي قالت لها كوني فكانت أو بعض الأحزاب التي كانت وطنية ثم استحالت لأحزاب إدارية بعدما قبلت نخبتها، بانتهازية، مقايضة استقلاليتها بالمنافع ؟!
لا نريد هنا الدخول في التفاصيل الأكاديمية لمقاربة الموضوع، وإنما، لضيق الحيز المتاح في مقال مرتبط بالحدي، سنكتفي بالإشارة إلى معاني خطاب قيادة الحزب في الفترة الأخيرة ..
فمعنى الحزب السياسي، بحسب تصريحات الأمين العام للحزب، تعكس فهم هذه القيادة للعمل السياسي والتنظيم لممارسته .
ففهم القيادة الحزبية لمعنى العمل والتنظيم السياسيين ليس حق وليس تمثل يعتبر الحزب هياة تجمع مواطنات ومواطنين مغاربة لهم قناعات ورؤية لما يجب أن تكون عليه البلاد لحماية الوطن و خدمة الشعب ببرامج تبني تنميته وتقدمه وتستجيب لخاجياته وانتظاراته .. أي أن الحزب كهيئة تجمع آلاف المغربيات و المغاربة لهم ما يساهمون به لخدمة البلاد .. أي أن لهم ما يقولونه .. أي أنهم معنيون بوطنهم ك = Partie prenante !
لا .
إن الحزب، بالنسبة للأمين العام للحزب ” غير جاي إعطي يد الله ” ..” وإلى ما بغيتوناش ݣولوها لينا ونمشيو بحالنا .. ونحلو هاد الحزب ݣاع .. “
كلام ومثله تكرر عدة مرات في أكثر من مناسبة على لسان الأمين العام للحزب بما يعطي المصداقية لمن يطرح الأسئلة عن الحزب وطبيعته وهل هذا حزب أصلا إذا كانت أسس فهم الأمور، ومن مواقع المسؤوليات الأولى، هو هذا .
صحيح أن الحزب يتوفر على آلاف المناضلات والمناضلين عبر التراب الوطني وعلى عدد مهم من الأطر التي يمكن أن تجعل منه حزبا محترما معتدلا نعم، لكن ليس درجة الانبطاح و الجبن.. هذه الصفة المذمومة التي لا علاقة لها بالاعتدال، مهما تمت المحاولة بالتدثر بها .
فلا أحد يمكن أن يعترض على الاعتدال والتعقل والرزانة، حتى وإن اختلف في مقاسمتها كاختيارات .. لكن الاعتدال شيء والانبطاح، درجة الجبن الذي أصبح يميز مساحات كبيرة من المشهد السياسي المغربي وليس البيجيدي وحده، شيء آخر .
آخر الكلام:
عودة للدكتور عمر الخطابي، فقد كانت له مقولة أصبحنا، جماعة من أصدقائه، نقترحها أطروحة ونظرية يمكن اعتمادها في التحليل .
يدافع د.عمر، رحمة الله عليه، عن أطروحة تقول بأن الأزمة في المغرب ليست اقتصادية ولا اجتماعية .. ولا حتى سياسية .. وإنما هي، في عمقها، فيزيولوجية !
ذلك أن المخزن، بتعبير المرحوم، نزع العمود الفقري من المغاربة فأصبحوا، بفعل الركوع والخضوع والخنوع، من جنس اللافقريات .. لقد أصبح المغاربة رخويات !
كثيرا ما يستهين البعض بالآثار المدمرة للصفة التي كان رسول الله ( صلعم) يذمها ويتعود منها. والحال أنها مما يجب الحذر منها، وإلا ماكان، عليه الصلاة والسلام، ليتموقف منها كل هذا الموقف .. ولمن لا يستوعب الدرك الأسفل الذي ترتبط به فلينظر لما توصل إليه :
النفاق والخيانة!

التوقيع على التطبيع مع العدو الصهيوني مثالا صارخا بهذا الصدد !

البيجيدي هو حزب العدالة والتنمية

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube