أحمد رباص – حرة بريس

في منتصف ليلة أمس وقبل أن أستسلم للنوم، استوقفني مقطع فيديو من (تيك توك) معنون ب”كم لحية سيطالب بقصها؟”، وأعيد نشره في فيسبوك. يظهر فيه رجل خمسيني يرتدي قميصا أخضر ويضع على عينيه نظارتين طبيتين. كان جالسا في مكتبه ووراءه مكتبة..
يحكي هذا الرجل قصة تعود إلى عهد النبي سليمان وتدور حول عصفور قصد بركة ماء ليشرب، لكنه وجد في البركة أطفالا يلعبون ولم يجرؤ على النزول إلى البركة خوفا من أذاهم، فاضطر إلى ان ينتظر انصرافهم، وعندما انصرفوا جاء رجل ملتح فلم يتوجس منه العصفور خيفة اعتقادا منه أن الملتحي لن يلحق به أذى، لكن عندما غمس العصفور منقاره في الماء ضربه الملتحي بحجر ففقأ إحدى عينيه.
لكن السؤالين اللذين ينبغي طرحهما هما: هل البركة صغيرة مثل عين ماء ضيقة الحيز بحيث لا يمكن للعصفور أن يبتعد عن المكان الذي يتواجد به الأطفال والرجل الملتحي ليروي عطشه؟ أو ليس بإمكان الطائر أن يقضي غرضه من البركة باختيار مكان آمن في الجهةالأخرى منها؟ حكايتك يا أخي لا تصمد أمام المنطق..
والاستنتاج الذي يمكن الخروج به من هذه الحكاية المتهافتة هي أنه لمواجهة المتطرفين من اصحاب اللحى الذين يطلقونها لخداع الناس والظهور بمظهر التقوى والورع لا يكفي أن تكون بارعا في السرد، بل لا بد من التسلح بمنطق العقل..
باعتباري كائنا فيسبوكيا باعتراف الراضي والساخط كليهما، نشرت النص اعلاه على المنصة التي لها مالك ميلتيملياردير لن تزين له نفسه الأمارة بالاستغلال بيعها لشخص آخر كما جرى لتويتر، ولم تحظ سوى بمرور احد مجانين الكلمة الأديب والكاتب الروأئي توفيق بوشري الذي علق مدونا:
ا”لمراد من السردية واضح ولأنها قصيصة أو حكاية فهي لا تحتاج إلى المنطق بما أنها لا تصف واقعا أو واقعا مفترضا بشكل مباشر ويتطلب تقاصيل مترابطة حرفيا”.
عندما قرأت تعليقه، انتظرت بضع ساعات قبل أن أقول له:
أتريد ألا احارب التفاهة؟ يا أخي، لا يجب غض الطرف عن التفاهات باسم الحق في السرد، وإلا غرقنا في بحر من البلاهة لا قعر ولا حدود له..إذا اردت ان أكشف لك عن ابعاد الهدف السامي الذي اسعى لتحقيقه من وراء تدوينتي تلك وما سبق أن بدر مني من أخريات شبيهات ومثيلات لها، ادعوك إلى إلقاء نظرة على الفضاء الخاص بالفيديو شو ضمن عالم الفيسبوك لتكتشف كم هم أغبياء منتجو بعص مقاطع الفيديو، وكم يبخسون مدارك الناس.
لنضرب مثلا ملموسا. صدقني إذا قلت لك إني صرت أشاهد مرارا وتكرارا فيديوهات من هذا القبيل، وبعضها يتناول نفس القصة وبنفس السيناريو مع اختلاف في الملابس والديكور.. وفي الأخير اقتنعت ان منتجيها على درجة من الغباء بحيث لا يستحضرون كيف أن فكرتهم المحورية لا يقبلها العقل.
لناخذ تلك القصة المشخصة عبر فيديوهات عديدة. تحكي القصة التي صارت مبتذلة مع أنها غير معقولة اصلا عن شرطية متنكرة في لباس مدني وتتظاهر بالعمى وهي جالسة على حافة حديقة عمومية قبالة الشارع وبجانبها حقيبة لا يعرف بداخلها.
فجاة، يظهر لص ويسرق الحقيبة دون أن يهرب بعيدا عن صاحبتها التي ظن أن لا حول ولا قوة لها لكونها عمياء. بالقرب منها يشرع في إخراج محتويات الحقيبة التي غالبا ما تسيل اللعاب لأنها مما خف وزنه وغلا ثمنه. وفي غمرة نشوة الانتصار والانتشاء بمصادفته لغنيمة قيمة يركب على هاتف الذكي، الذي صار هو الأخير بليدا في هذه الحالة، رقما لإحدى معارفه ليتباهى امامها بغنيمته.

وهكذا تطول مكالمته مع الشخص الموجود على الطرف الآخر من الخط دون أن يلتفت إلى الخلف حيث تجلس العمياء المسروقة التي ازالت عنها تنكرها، وبدات تتحين كشرطية الفرصة لتثبيت القيد على أحد معصمي السارق الذي يتصرف كما لو كانت المراة صماء فضلا عن كونها عمياء..
وفي الأخير، تنتهي القصة بإلقاء القبض على اللص واقتياده إلى مركز الشرطة..
بالله عليك، أخي بوشري، أليست هذه هي التفاهة بعينها؟ وهل يجوز التغاضي عنها بدعوى تثمين السرد القائم على الخيال، ونقول أجمل الحكي أبعده عن العقل على منوال مقولة أعذب الشعر أكذبه؟

وحتى لا أغمط حق نديمي المبدع، وحتى لا يكون هذا الجدل الفيسبوكي مبتسرا، اسوق لكم رده الأخير الذي صاغه بهذه الكلمات:

الحرب على التفاهة واجب إنساني وإلا فإننا نتناقض مع طبيعتنا ككائنات عاقلة حظيت بترسانة من الملكات ولكني تحدثت عن طبيعة الحكاية أو التمثيل السردي ولم أتحدث عن التوظيف التعسفي، مثلا قصة الشرطية إذا غيرنا القالب مثلا إلى قصة قصيرة مكتوبة ربما يكون للغة بهاء يفوق تفاهة الحدث مما يمنحنا جمالية من نوع آخر. لنفرض أننا طلبنا من ثلاثة كتاب مثلا كتابة قصة حول نفس المضمون فسنجد ثلاثة نصوص قد تختلف جذريا في حبكتها ولغتها وأسلوبها وحبكتها.. أما عند أخذ القصة وتوظيفها لغرض معين فهذا أمر آخر. ربما استوعبت تدوينتك بشكل خاطئ.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube