مصطفى الزِّيــن

زعم بعضهم أنه مَلَكٌ  كريم ! وأغلب الظن أنْ ما هو  إلا بيو-روبوت Bio -robot ياباني ، أو صيني .. أو ربما  صهيوني أمريكي- إسرائلي.. ؛ أي أنه سمارتآنج smart angel ، في هيئة ملَك مجنح متدرب ؛  نزل إلى بلدة من بلاد المغارب والعجائب، يختبر  أعمال وأفعال بعض أهلها ، في لقاءات مباشرة،  ينهيها بنقطة تقويمية تقديرية. فكان ممن  إلتقى بهم واختبرهم :

ا- عبد الله جار الله
وهو رجل أعزب وإن تجاوز الخمسين ، يعمل بناءً ، يكتري شقة صغيرة من غرفة واحدة و مرافق.سأله الملاك إن كان يصلي ويصوم ويزكي..؟ أجاب الرجل أنه يصوم رمضان ، ويزكي ، ويتصدق ما استطاع إلى الصدقة سبيلا، لكنه غير مواظب على الصلاة ، ويرجو في ذلك عفو وكرم العفو الكريم..
سأله الملاك إن كان يكذب؟، أو يسرق؟ أو يشرب الخمر؟ أو يزني ..؟
أجاب الرجل إنه بارع في الكذب، ولكنه الكذب الأبيض المتواطؤ عليه ، لا غير ؛ مما يمازح ويلاطف به زملاءه وأصدقاءه وبعض معارفه ، فينتزع ابتساماتهم وقهقهاتهم . وقال إنه لا يأكل ولا يشرب إلا من حلال عرق جبينه، ما عدا ما قد يتسرب في غفلة منه، وإنه يشرب( الروج) الرخيص ، تقريبا كل نهاية أسبوع، لعله به يصرف الهم والغم والقنوط والعياء،.. وإن له صاحبةً خليلة مطلَّقة ، يسند إليها رأسه وتسند إلى صدره رأسها..وهي في حكم زوجته ، رضائيا (الله يرضى عليها)..
فكر المَلاك، ثم قتل كيف فكر، وتدبر ..ثم تكرم على جار الله بنقطة في المعدل ، ترشحه لبرزخ بين الجنة والجحيم.
ب- زين الدين تقي الدين :
وهو شيخ البلدة وإمامها ومفتيها، في نحو الستين من عمره ، وإن بدا أصغر أرشق ، ممشوقا في جلبابه ولحيته المسبلة ورزته فوق صلعه ، أب لثلاثة أبناء ؛ وَلَدَيْن: دركي، وفندقي يعمل بالخليج ، وبنت ، وهي الوسطى، من نجوم الصحافة و الإعلام. غير أنه طلق أمَّهُم منذ خمس عشرة سنة ، عندما تاب وأناب ، وحسُن إسلامه ، بينما رفضت هي أن تتوب معه مما وجدت عليه أبويها وأهليها الذين لم تشبهم أبدا شائبة سوء أو فسوق أو تطرف أو غلو في سلوك أو تصرف..ثم تزوج أخرى (دنيا) في سن ابنته النجمة..
سأله الملاك إن كان يصلي ويصوم ويزكي..؟ فأجاب مستغربا ،كيف لا يفعل كل ذلك ؟وهو الشيخ الإمام الفقيه المحدث الحافظ القدوة في الجهاد، بعلمه وعمله ووقته في الوعظ والإرشاد!
وبنفس الإبتسامة المشرقة واللهجة المستغربة، أجاب عن سؤال الملاك إن كان يكذب ،أو يسرق ، أو يزني ، أو يشرب الخمر؟ فقال إنه لم يكذب ولم يسرق أبدا ، مذ أصبح راشدا، وربما من صباه المبكر، وقال إنه لم يشرب أم الخبائث ولم يزن مذ تاب وأناب ، ودعا الله أن يعفو عن سجله السابق ، ويفتح له صفحة جديدة بيضاء، لم تشبها شائبة ولم تَعِبْها عائبة، ولكنه أقر بأنه ، في شرخ شبابه وحميته واندفاعه ، كان يعب كؤوس الحميا ، ويصاحب الفتيات والنساء ويزور بعض الدور المشبوهة ، وأنه يعترف دائما بذلك أمام مأموميه وجمهوره من الشباب ،كيما يعطيهم قدوة التوبة والصلاح بعد الفساد والإفساد، والاستقامة بعد الجنوح والاعوجاج .. والتطرف..
لم يتردد الملاك البيوربوت المتدرب، فوضع للشيخ الإمام نقطة السقف المطلق ؛ عشرين من عشرين ، ترشحه للصعود عاليا ،بعد انصرام أجله ،إلى الغرفة في أعلى عليين ، فبشره ،وانصرف عنه محييا منحنيا..
ج- حليمة لهريريمة :
وهي واحدة من ظواهر- فينومينات- الشيخات العصريات : رشيقة في اكتنازها، ضئيلة في ضخامتها، متحولة متلونه، ما بين النموذج التراثي المفكلر، والنموذج التنموي المعدل المعصفر، تشبه الشيخة تراكس، في محياها وحركاتها ، ولكنها ليست في وزنها ، ولا هي مصفحة مثلها ؛ ولهذا ،أطلق عليها أحد الظرفاء – لعله جار الله البناي- لقب (لهْرِيرِيمة) ، بالتصغير قياسا وتشبيها لها بالشيخة التراكس/ الهرامة التميمية الكبرى. وكانت حليمة لهريريمة- حقا – شيخة متعددة التخصصات والخدمات والوظائف، تتلبس ، أو تتلبسها ، صورة وصوت ومفاتن تلك المغنيات القيان كنانسي عجرم أو أليسا وكارول أو دنيا..تغني وترقص وتتراقص عموديا متنططة، وأفقيا متمددة، وموليكسيا في جميع الإتجاهات كالشيخة تشنويت..ولكنها كانت امرأة بعشرة رجال إذا ما جد الجد، أو تجاوز بعضهم معها الحد..
هبط عليها الملاك بيتها ، فصادفها تصلي في سمت رابعة العدوية.انتظر ريثما انتهت..فسألها نفس الأسئلة التي اختبر بها المرشحيْن جار الله وتقي الدين.
أجابت أنها لا تذكر عن نفسها أنها كذبت أو سرقت أو غشت ..إلا اليوم الأول من امتحان البكالوريا، عندما تقدمت مترشحة حرة، بعدما كانت انقطعت من قبل عن دراستها لما استهواها الحب والفن، ولكن من حظها أن ضُبطت تغش ..لكنها ترجت الأستاذين المراقبين أن تسلِّمهما ورقتها بيضاء من دون فضيحة، فانصرفت إلى الفن ، وما عادت إلى عفن البكالوريا ومن بكلرها، ولكنها قالت إنها تظن نفسها جيدة (مجهدا) في الشفوي، مجددة الترحيب بالسمارت -آنج العجيب وبأسئلته مؤكدة أنها تصلي متى فرغت من نشاطها ، وتزكي وتتصدق ولا تكاد تستبقي أو توفر مما تجنيه من المال الوفير شيئا، وأضافت :(أللي جابو الليل يديه النهار) حتى أن سمارت-آنج ابتسم ابتسامة عريضة، فلم تتحفظ لهريريما ، فأقرت أنها تشرب الخمور والشيشا ، كي تشتعل وتشتغل وتبدع وتقنع ، وأن لها عشاقا كثيرين، وهي ليست متعففة، إلا في أكل وشرب ما يتحصل من حرام ، وأنها تأكل وتلبس وتشرب العرق من عرق جبينها وجسدها وروحها وفنها ومواهبها الربانية..فاختصرت على ملاكنا العجيب الطريق..
لكن (سمارتمَلك) حار واحتار كيف يقوِّم أداء وسيرة (حليمة لهريريما)؟ كم نقطة أودرجة يعطيها؟! فكَّر ، ثم قتل كيف فكر.. خطَّ و محا ، واستغرق وصحا.. ثم فكر أن يلجأ إلى الفقيه الإمام تقي الدين.. فعاد إليه في لمح البصر يستعينه و يستشيره ويستفتيه :

  • معذرةً، أيها الشيخ الإمام ، أتعرف الشيخة (حليمة لهريريمة)؟
  • نعم، سيدي أعرفها عز المعرفة..
  • والله، أيها الشيخ الجليل، حِرْتُ، كم أعطيها؟
    قهقه الشيخ عاليا، وقال:
  • لن تجد مع الشيخة حليمة مشكلة أبدا، إذا ما رُقْتَ لها واستلطفتك، هي تقنع بما تيسر ، وإن كانت تستحق الكثير .. اعمل انتَ ووجهك وكرمك ، ( أنا بعدا نعطيها ألفين(2000) درهم) عندما تذهب دنيا لزيارة أهلها..وعض على شفتيه ، وتلصص على لوح الملاك، فرأى على شاشته مكتوبا يلمع بالبنط العريض تناوبا :
    ذيبشخي .. ذيبتقي ..ذيبشخي.. ذيبتقي.. منافق …
    وما كاد (سمارتملك) التجريبي المتدرب يكتشف – ربما – أن الشيخ والشيخة ما هما إلا شخص واحد ، له وجهان اثنان ، أو هما رقصة واحدة ، يكتمل فيها المقدس والمدنس ..الديني والدنيوي .. وأنه ، هو سمارتملك بالذات ، لا فائدة من وجوده واختباراته ، لأن السمارتفون ،الذي يوجد بيد كل شخص اليوم، يؤدي نفس المهمة ؛ يسجل على صاحبه وصاحبته كل كبيرة وصغيرة ..؛ وافترض أن أهل البلدة ربما جعلوا من شخصه البيوتكنولوجي ما يشبه (شيخشيخةَ)* قصَّةِ المصري يوسف إدريس فزَّاعةَ خوفهم الرهيب من انكشاف أسرارهم وخطاياهم التي تندى خجلا من شناعتها وخزيها وعارها الجبال . وما كاد يدور بخلده مثل هذه الاستنتاجات حتى دوَّى صوت انفجار حاد ببيت الشيخ الذيبتقي تقي الدين، هرعت على إثره إليه زوجه دنيا من بيت الجيران، كما هرع الجيران وكل من كان قريبا ،واجتمع من حولهم خلق كثير، وكان دخان كثيف أسود يصَّاعد في السماء ؛ فقد احترق السمارت-ملاك المتدرب من هول حيرته مما اكتشَف، أو ربما نسف نفسه منتحرا، لكن الجميع، بمن فيهم حليمة لهريريمة، خرجوا من موقع الإنفجار، وما منهم إلا من يحكي ويتحدث عن كرامات الشيخ تقي الدين وبركاته ، و أنه شَهِد بأم عينيه كيف أَحرق الشيخُ تقي الدين، ببركته وتقاه، شيطانا لعينا تطفل على حرمته وجلاله .

صفرو- الجمعة 22 أبريل 2022.

*”شَيخْشِيخة”:إحدى قصص يوسف إدريس، من مجموعته (آخر الدنيا) التي صدرت سنة 1966.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube