ماتساقط..رواية تفكك بنيوية الفساد الثوري بفلسطين والعالم العربي 

حاورها عبدالحي كريط 

 كاتبة وروائية فلسطينية من مواليد مدينة نابلس ،درست العلوم المصرفية في جامعة النجاح الوطنية من أبرز أعمالها الأدبية حرائق البلبل على عتبات الوردة نصوص مشتركة مع الشاعر مازن دويكات اصدارات لوغاريت فلسطين عام 2004  ورواية لغة الماء عام 2007 وشغف الأيائل ديوان نثري عن دار الحكمة بمصر 2018 ورواية ما تساقط عن دار الفينيق بالمملكة الأردنية الهاشمية 2020 ضيفتنا لهذا الحوار ولأول مرة هي المبدعة والروائية الفلسطينية الأنيقة عفاف خلف وذلك للتحدث عن أبرز لمحات عملها الإبداعي الأخير ما تساقط وهي قراءة نقدية للثورة الفلسطينية وبأسلوب روائي منذ انطلاقتها في 1965 مروراً بحرب أيلول والحرب الأهلية اللبنانية ومن ثم إجتياح بيروت وبعدها اتفاقية أوسلو وحتى مابعد بما يسمى ثورات الربيع العربي و تتعدد الأصوات في الرواية حيث أن الساردين الرئيسيين في الرواية هم ستة ساردين ” عدي، مختار، راضي ” أخو عدي من أمه ” و ” غادة ” زوجة عُدي وابنة سليمان بيك، ونجلاء ورقية ” وكل ساردٍ يتحدث بما عايشه وعاصره مع عُدي في تقاطعات سردية للأحداث.

كما تناولت الرواية قضايا السقوط و الفساد بكل أشكاله الأمني والأخلاقي والاقتصادي والسياسي والثقافي في نقد جرئ للثورة والقيادة الفلسطينية  كما تتطرق الرواية لكافة التنظيمات الفلسطينية بمختلف مشاربها يميناً ويساراً وحتى لحركة الإخوان المسلمين التي تحولت إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس ) كل هذه المحاور وغيرها ستكون موضوع حوارنا في حرة بريس  مع الروائية الفلسطينية عفاف خلف اضافة الى تسليط الضوء لواقع الأدب السياسي في فلسطين خاصة والعالم العربي عامة  

1-ماهي الأسباب والدوافع التي دفعتكم إلى تأليف هذه الرواية؟ 

ربما الكتابة الروائية لا تتم إلا بتخطيط مسبق، ففي سؤال متى تنتهين من الرواية، أقول أدفع بها للقارئ في اللحظة التي تولد فيها رواية أخرى. لست مع الكتابة الموازية بالمناسبة بمعنى أن أكتب أكثر من رواية في وقت واحد فلست أدعي القدرة على مواكبة أكثر من عمل ” روائي ” في ذات الوقت، لهذا أقول أن ” ما تساقط ” ولدت في تزامن متقارب مع انتهائي من لغة الماء إذ صارت تزاحمها على الأوراق، لهذا كان لابد من الدفع بلغة الماء كي تجد ما تساقط حيزها. وأيضاً ولدت فكرة الرواية في خضم انشغالي ” بشخوص ” لغة الماء تلك ” البطولات ” الصاعقة التي تذهب إلى موتها دون سؤالٍ أو محاكمة إلى ما ستؤول إليه الأمور، أو ما الذي حققه أو سيحققه شلال الدم المراق وسنوات العمر التي تُغييبها السجون. وتظل المصائر مجرورة بما يحمله المناضل / المقاوم من مشاعر جياشة تدفعه للموت في سبيل فكرة الحرية أو الوطن دون مسائلة.

2-ماهي المحددات السردية التي إعتمدتها في تأليف الرواية؟

في ” ما تساقط ” تعددت التقنيات السردية وتداخلت فالرواية لها ” سارد ضمني ” يتقمص شخصية المؤلف الحقيقي إذ تجري على لسانه/ –  لسانها في الواقع – ” فاتن ” كيف بدأت الحكاية ومن أين انبثق سؤالها، أو السؤال الذي تدور حوله حبكة الرواية ” كيف وصلنا إلى هنا ” وهنا تعني أوسلو وما جرته علينا من استسلام وسلطة ” مسمى ” دون سيادة. وهناك أيضاً القارىء الضمني الذي ستروي له فاتن الحكاية، وما بينهما ستة ساردين كل يروي بمنظوره الأحداث كساردٍ مشارك في خط درامي متصلٍ ومتشابك. وتعدد الساردين أدى إلى تنوع صوتي داخل الرواية فلكل ساردٍ صوته الخاص به ولكلٍ إسهامه في الرواية. والزمن السردي المتشابك المتقطع للأحداث أضفى على الرواية ديناميكية وحيوية فالزمن السردي هو زمن متقطع ما بين خمسة من الساردين يعتمد على رواية الحاضر والفلاش باك معاً، أما الزمن السردي للشخصية المحورية فقد جاء متسلسلاً وتصاعدياً. إضافة إلى ذلك هناك التكثيف وتنوع المشاهد، والجغرافية المتحركة للرواية التي رصدت الثورة في أكثر من موقعٍ وبؤرة كبيت لحم والأردن وتل الزعتر وصبرا وشاتيلا وبيروت وإسبانيا وتونس.. الخ. كل هذه التوليفة هي التي صنعت البناء الروائي في ما تساقط.

3-باعتبارك من  الجيل الثاني للثورة الفلسطينية هل شخوص الرواية انعكاس لتجربة وجدانية مررت بها سابقا؟

لا أستطيع القول أنني عاصرت وعايشت كافة مراحل الثورة الفلسطينية وإن عايشت جزءاً منها. وربما أتت الرواية كتعبير لجيلٍ أو أجيال شعرت بالغبن الذي مورس عليها، فالشهداء مغبونون، والأسرى مغبونون، والأرض التي تصادر يومياً والطرقات الممزقة بالحواجز العسكرية وحلم الوطن الذي أصبح كنتونات في أحسن الأحوال ” الضفة الغربية ” أو سجن كبير كما غزة، والمصادرات ما زالت على قدمٍ وساق والمقاومة التي تحولت بفعل المجتمع الدولي والخط السلمي أو الاستسلامي في الثورة إلى مشروع ” ارهاب ”  كل هذا أثر ومن المفترض أن يؤثر على غيري أيضاً، ومن حقي كإبنة لهذه الثورة وكإبنة لهذا الشعب الفلسطيني أن أحاكم وأطرح السؤال. فالذي حدث وما زال يحدث لا يؤثر علينا وجدانياً فقط وإنما فكرياً ووجودياً ومعنوياً. نحن جيل مُنّى بخسائر جسيمة لا على الصعيد الشخصي فقط بل على الصعيد الوطني والقومي أيضاً ولن يكون أو لنقل لن يتم التصويب دون وقفةٍ جادة وحازمة ليس في جلد الماضي أو جلد أنفسنا عبره، إنما في محاولة قراءته قراءة نقدية دون تباكٍ أو رومانسيةٍ أو حتى الالتجاء إلى شماعة الآخرين ” تخوين العرب أو المؤامرات ” كمبرر. ما تساقط كانت قراءة نقدية ليس للعامل الموضوعي ” الإقليمي والدولي ” للثورة بل هي قراءة للعامل الذاتي، ومواطن الخلل التي أصابتنا في مقتل كثورة وكحلم تحرر.

4-ما هي العلاقة الزمكانية للرواية التي تجمع الثورة الفلسطينية مع أحداث ثورات الربيع العربي ؟

أول مشهدٍ تحمله الرواية رمزية ” دوار المنارة ” كميدانٍ من الميادين التي حملت ثورات الربيع، وهتاف الشعب يريد. فالثورة الفلسطينية كانت وما زالت ملهمة للكثير من الثورات لا على المستوى العربي فحسب بل على المستوى الدولي أيضاً، لتنوع أساليبها من ناحية ومن ناحيةٍ أخرى لما شغلته تلك الثورة من حيزٍ إعلامي ووجداني في ضمير الشعوب والثوار الذين قادوا بلادهم نحو التحرر، ولن ننسى العديد من الثوار العرب والعالميين الذين انخرطوا في صفوف الثورة الفلسطينية كناجح بن ميلود، خالد أكر، كوزو أوكاموتو وكارلوس سانشيز وغيرهم كثيرون. وكما أثرت الثورة الفلسطينية بغيرها من الثورات فإنها أيضاً تأثرت بتجارب وأدبيات غيرها من الثورات مثل ثورة يوليو والثورة الجزائرية وثورة الفيتكونغ مروراً بكل حركات التحرر حتى ثورات الربيع العربي، فالهتاف في ثورات الربيع تشابه يوماً مع مظاهرات خرجت تحمل تلك الإرادة الباحثة عن حرية، ولن أقول إلى هنا ينتهي التقاطع، فالتقاطع كان أيضاً عبر سؤال الرواية وحبكتها ” كيف وصلنا إلى هنا “. بعد نشر ما تساقط مرر لي صديق رواية انتصاب أسود للكاتب التونسي أيمن الدبوسي وهي قراءة أيضاً في ثورة الياسمين التونسية وهالني حجم السقوط والفساد الذي زخرت به الثورة وفضحته الرواية، وهذا يضعنا وجهاً لوجه أمام التشابه ما بيننا وبين دولنا العربية جغرافيا ومجتمعات وتاريخ أيضاً، فالبنية الفكرية واحدة والجذر واحد والفساد واحد أيضاً، لا فرق ما بين هنا أو اليمن، أو السودان أو تونس أو مصر، مبتلون بذات القيادات التي ترى في الوطن وسيلة للثراء لا غاية للبناء وتأسيس وتأثيث الإنسان معاً.

5-في روايتك أشرت إلى الفساد بمختلف تلاوينه وتجلياته التي أصابت الثورة والقيادة الفلسطينية من خلال مقاربة نقدية جريئة،هل لك أن تشرح لنا هذه النقطة باستفاضة؟

تحدثت الرواية عن الفساد بكل أشكاله ومنذ بدايات الثورة، ربما تجلى الفساد بالتمويل المالي أولاً الذي جعل من بعض الثوريين مرتزقة، واشتراطات التمويل التي حولت القيادات عن أهدافها في التحرر لتقوم بالبحث عن حلٍ تسووي يرضي شروط الممول وتطلعاته، وللآن ما زلنا مرهونين لذات الاشتراطات. وبما أن الثورة عُرضت في المزاد وخضعت لأسعار السوق فإن هذا سيقودنا حتماً للفساد السياسي، والفساد السياسي سيستدعي الإفساد وأول الإفساد تكريس مسلكيات لا تتفق والروح الثورية أو تتفق وحركة تحرر والكرة متدحرجة. فالفساد السياسي سيقود حتماً لفساد اقتصادي تتقاطع مصالحه  مع رؤوس الأموال فــ ” لا يمكن الجمع ما بين الثورة والثروة إلا بالخطيئة (الرواية ) ” – وتستطيع تأويل الخطيئة هنا كما تشاء – وكلا الفسادين السياسي والاقتصادي سيؤديان إلى الفساد الأخلاقي والثقافي وهو الأخطر، فقبل وجود الخط التسووي لم يكن هناك ” مثقف ” سلطة بالمعنى الحقيقي للكلمة، فهّم المثقف الأول كان المقاومة والتحرر وتكريس التجارب النضالية لتصير مشعلاً، يكفي أن نعرف أن غسان كنفاني كان له السبق في إدخال مصطلح ” أدب المقاومة ” ضمن الأدبيات العالمية، فالمثقف كان ثائراً يقود. أما بعد أوسلو فقد انحسر هذا الخط المقاوم – إلا من رحم ربي – مقابل المثقف السلطوي الذي تتوافق طروحاته مع الحل السياسي القائم وخنق الأصوات المناوئة. الرواية تتحدث عن كل ذلك وأكثر وتطرقت إلى مواضيع حساسة نوعاً ما، كالشراكات الاقتصادية مع الاحتلال وظهور طبقة الكومبردور وبروزها على السطح، ظاهرة تسريب الأراضي وغيرها وغيرها من الظواهر التي شاعت وتفشت بعد أوسلو.

6-من أي منظور إبستمولوجي روائي تناولت موضوع التنظيمات الفلسطينية بمختلف أيديولوجياتها ؟

قد يحيلنا هذا السؤال إلى روبرت فيسك وتعريفه لمنظمة التحرير الفلسطينية كصحفي ومراقب خارجي مطلع على دقائق الأمور، فحسب فيسك كانت منظمة التحرير الفلسطينية بكل ألوان طيفها السياسي هي فتح، وفتح كانت أبو عمار. بمعنى أن التباين ما بين الفصائل الفلسطينية لم يكن تبايناً جوهرياً وإن اختلفت الرؤوى. في الرواية كان التناول الرئيسي للحركة التي أدت دوراً مفصلياً في إطلاق الثورة الفلسطينية وفي إنهائها أيضاً كحركة تحرر وربما نشهد في هذه الأيام كيف تلفظ ” فتح ” أنفاسها وما صابها من تشرذم وتمزق بعد ما يقارب الثلاثون عاماً على التسوية، وسنشهد المزيد من التمزقات قريباً وهذا ما يعرفه القاصي والداني. في الرواية كانت الشخصيات بما فيها الشخصية المركزية ” عُدي، راضي ومختار ” منضوون تحت حزب السلطة، لذلك طغت أصواتهم وغطت الأوراق. اليسار الممثل ” بفادي ” كان ضعيفاً ولا يكاد يُذكر وفي النهاية تم اغتياله بتواطؤ  من عُدي ومختار، وكما أشرت سابقاً فاليسار الفلسطيني كان مرهوناً ” لاشتراطات ” التمويل الفتحاوي هذه المرة، ولم يمثّل حالة مناوئة أو ” معارضة ” بالمعنى الحقيقي للكلمة، فقد ظل منضوياً تحت جناح فتح، ويبقى لنا حركة الإخوان المسلمين الذين تحولوا لاحقاً إلى حركة المقاومة الإسلامية ” حماس “، ورغم كل المظاهر فعوامل فناء “حماس ” وتشرذمها هي ذات العوامل التي أدت إلى تمزق فتح، فحماس ليست بمنأى عن الفساد وحتى الإفساد المتعمد لأفرادها وقياداتها، وقد أشرت إلى هذا في الرواية وأيضاً من خلال شخصية ثانوية فالفترة التي غطتها الرواية لم تكن شوكة حماس فيها بذات القوة. 

7-ماهي الدلالات السيميائية والجمالية التي يحملها ما تساقط؟

ربما نحيل هذا السؤال إلى النقاد فهم الأكثر ميلاً للبحث عن جماليات النص، في ما تساقط حاولت قدر المستطاع تقنين اللغة ” الشاعرية ”  وتشذيب لغتي، فقد كانت واحدة من الملاحظات على لغة الماء أنها رواية لغة، ولا أكذب إذ أقول أن اللغة فخ بالنسبة لي، وغالباً ما تسحبني إلى حيث لا أريد. كثيراً ما وجدتني أمام الرواية أعيد التحرير مراراً وتكراراً وأقص جملاً وأمحو جملاً ليستقيم النص دون شاعرية.  ولكن عموماً أشاد النقاد ” بجزالة الألفاظ واللغة واللغة غير الاعتيادية في السرد، والنصوص القوية المحكمة “، وجمالية الصور والمشهدية السينمائية في الرواية وغيرها..

8-رواية لغة الماء من الإصدارات الإبداعية التي صدرت لكم  عام 2007 هل هذا العمل امتداد لرواية ما تساقط بأي شكل من الأشكال؟ 

في رواية لغة الماء تطرقت إلى بعض المسلكيات الللاخلاقية للمقاومين، أو لنقل المسلكيات اللاثورية، في لغة الماء كان هذا التطرق عابراً، ولكن في ما تساقط كانت هذه المسلكيات ” ثيمة ” الرواية.

9-تقييمكم لواقع الأدب السياسي في فلسطين خاصة والعالم العربي عامة ؟

الأدب السياسي في تراجع سواء في فلسطين أو في العالم العربي، رغم أننا أحوج ما نكون إلى هذا النوع من الأدب، فما تمر به المنطقة من ” إعادة ولادة” أو ” ولادة قيصرية ” لإخراج ” مولود مشوه ” على قياس الإسرائيلي والأمريكي يستدعي منا وقفة جادة كمثقفين وكتاب على مسؤوليتنا التاريخية ودورنا في الفهم والدفع بالبديل. وأول التغيير هو الوعي فالرواية العربية لا تقتصر على ضبط أشكال العلاقة بين الأنا والآخر فقط، بل تتقصى خصوصية الذاكرة التي جمعت أجيالاً وجغرافيا بكاملها في سياقٍ واحد، وحلم ووهم الثورات التي خلفت بمعظمها ندوباً وجروحاً لا تندمل، وما زالت. وللحديث شجون

10-كلمة ختامية؟ 

أشكرك وأشكر حرة بريس  لإتاحة هذه الفرصة للحديث حول عملي الأخير ما تساقط، والشكر الجزيل لسعة صدرك فكل التقدير والاحترام.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube