أحمد رباص – حرة بريس

بعد أسابيع قليلة من تنصيبه، تسبب عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، في اندلاع زوبعة كبيرة، بخرجاته المتتابعة والمثيرة للجدل، وتصريحاته المحبطة حول الموضوعات الساخنة.
في الثالث من نوفمبر الحالي أمام النواب، أو في الآونة الأخيرة، أمام ميكروفون “حديث مع الصحافة” الذي بثت حلقته الأخيرة قناة الدوزيم، تطرق الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، كيفما اتفق، للحراك، لجواز التلقيح، للإثراء غير المشروع وللتهرب الضريبي لدى المحامين.
تناول كل هذه النقط بنبرة تتراوح بين الخفة والجاذبية، ما يشكل سمة نمطية لهذا المواطن المتحدر من تارودانت والبالغ من العمر 60 عاما.
هذا الأسلوب يختلف عن اسلوب الوزيرين السابقين عليه، وهما محمد بن عبد القادر ومحمد أوجار، اللذان عرفا كشخصيتين تصالحيتين، رصينتين وأحياناً باهتتين. وتلك طريقة فعالة للذهاب دون أن يلاحظهما أحد.
يذكرنا وهبي بحقبة مصطفى الرميد. الأفكار الواضحة في كثير من الأحيان والحد الأدنى من لغة الخشب جعلل الشخصيتين زبونيين ممتازين لوسائل الإعلام. كما أنهما يتشاركان في نفس المهنة؛ ألا وهي مهنة المحاماة. لكن ليس لهما نفس المفهوم عن المجتمع. الأول يقدم نفسه بطيب خاطر على أنه “تقدمي”، في حين كان الثاني يؤيد عقوبة الإعدام علانية، وكشف أمام الملإ عن تأييده لتعدد الزوجات، ويغلق دائما أذنيه عند ذكر الحريات الجنسية.
كرمز لهذا التعارض الواضح، تمثلت أول لفتة قوية للوزير الجديد في التصدي لأحد تركات الرميد: مشروع القانون الجنائي. فبعد أيام قليلة من تعيينه، اراد وهبي رسميا ان ينفض الغبار عن هذا النص الذي ظل معلقا لمدة 5 سنوات في البرلمان.
في عام 2016، قدم نظيره آنذاك نسخة مبتورة من المسودة المعلن عنها في البداية. هذا القرار المتسرع تم اتخاذه قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات التشريعية. وبالنسبة للوزير السابق، كان الهدف هو تسريع تبني مشروع تمت بلورته في عهده، لكن أجهض في المهد.
وها قد صار القانون الجنائي مرة أخرى نصا سحب ليدفن. فمن خلال استعادة النص، يبدو ان وهبي يريد أن يضع نهاية لسنوات من التردد والمماطلة. قبله، عرقل أوجار وبن عبد القادر النظر فيه تحت قبة البرلمان، دون أن يذهبا إلى حد إلغاء برمجته.
ولكن كيف يتم استعادة نص ثم يقبر؟ رسميا، يقول الوزير إنه يريد استبدال الإصلاح الجزئي بإصلاح يشمل بشكل كامل القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية.
ومع ذلك، يعتقد بعض الناس أن الشخص المعني يريد إزالة بند مثير للجدل: التجريم المعلن للإثراء غير المشروع.
كل ما هناك شبهات يدافع عنها الشخص المعني بالأمر. هو يرفض فرضية الحذف، ويعد بالمراجعة بدلاً من ذلك. سمعنا هذا الرجل يقول على شاشة الدوزيم: “الإثراء غير المشروع لا يخيفنا. سوف ندرجه في النص القانوني. لكن يجب أن نغطيه بعدد من الضمانات، مثل جميع الأحكام القانونية. نفس الشيء ينطبق على ممتلكات وحريات الأفراد”.
ثم إن “القانون الجنائي لا يلخص فقط في الإثراء غير المشروع”. عقوبة الإعدام التي يعارضها، الحريات الفردية، توسيع تخفيف العقوبة، العفو عن مزارعي الكيف، العقوبات البديلة … يعد الوزير بأن السحب سيكون فرصة لإعادة النظر في كل هذه القضايا.
كما تطرق وهبي إلى موضوع تعاطي المخدرات. “ما الغاية من حبس شاب مدمن على المخدرات؟ نناقش مع وزير الصحة إنشاء مراكز علاج الإدمان. سيتم وضع الأشخاص المعنيين هناك بأمر من المحكمة، بدلاً من الزج بهم في السجن”. ويأتي هذا الاقتراح بمثابة صدى لطلب متكرر من رئاسة النيابة العامة.
وعود، لأي أجندة؟ الوزير يلتزم الصمت بشأن هذا الموضوع. كان الإصلاح الجنائي متوقعا منذ عام 2013.
ثمة ورش يجب أن ينفذه بشراكة مع الآخرين، كما هو متوقع ومؤخر ( المحكمة الرقمية، مرصد الجريمة، قانون المسطرة المدنية). يهم أحدها بشكل مباشر مهنته كمحام، يفترض فيه الحرص على مراجعة إطاره القانوني.
هذه المهمة الأخيرة لم يهملها وهبي؛ إذ قال يوم الثلاثاء 3 نوفمبر إن “95 ٪ من المحامين يدفعون سنويا فقط 10.000 درهم كضرائب”، معلنا، بنفس المناسبة، أنهم فتحوا هذا الملف لدى إدارة الضرائب. نتج عن هذه الخرجة استياء عارم من أصحاب البذلة السوداء. لكنه يفترض: “دوري ليس إرضاء المحامين أو القضاة … يجب أن أفعل الصواب”. “إذا قمنا بتعزيز مهنة المحاماة وتنظيفها، فستكون لها القدرة، كما في الستينيات والسبعينيات، على الدفاع عن الحريات والحقوق والديمقراطية. على العكس من ذلك، إذا ساد الفساد والتهرب الضريبي، فمن سيتحدث عن الحقوق والحريات في هذا البلد؟” يتساءل وزير العدل.
يتخذ الوزير المعني نفس الموقف عندما يتعلق الأمر بمسائل أكثر عمومية. اهمها جواز التلقيح الذي دافع عن شرعيته. “نحن بحاجة إلى اتخاذ قرارات من أجل الصالح العام، وليس لإرضاء فيسبوك أو واتساب” لم تخل تصريحات وهبي مما من شأنه أن يصطدم بواقع ممارسة السلطة. يرث النائب السابق وزارة معزولة عن الكثير من صلاحياتها. وحيث يتعين عليه التعامل مع محاورين أقوياء (نقابة المحامين)، وكذلك مع ظهور مؤسسات قوية، مثل المجلس الأعلى للقضاء الذي لم يعد عضوًا فيه، وكذلك للنيابة العامة التي لم يعد رئيسها، حيث أصبحت الآن هيئة مستقلة عن السلطة التنفيذية والتي وصفها وهبي علنًا بأنها “وحش بلا رادع”.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube