منعم وحتي

أحيانا حين يحاول البعض إدخال الحقائق إلى المنطقة الرمادية، لخلق جو من اللبس والتضليل، لطمس ما يقع فعليا، لا مفر من أن نُحرج بعضنا بصوت مرتفع، فالسجال العلني كفيل بأن يوضح الرؤية للجميع، وحين تصبح الحقيقة ساطعة فمن لم يستحي فليفعل ما شاء.. في ذات السياق نوجه رسائل في هاته الاتجاهات :

  • إبان فترة الراحل ياسر عرفات، حين كانت البندقية المقاومة في فلسطين مرافقة للنضال السياسي الفلسطيني في عواصم العالم والمنتظم الدولي، كانت فصائل المقاومة تملك مربع عمليات موحد للرد على انتهاكات العدو الصهيوني، وكانت أمور المقاومة متناسقة، وتحمي ظهرها منظمة التحرير الفلسطينية.. منذ ذلك العهد جرت مياه كثيرة تحت الجسر، حيث أصبحت رئة بعض الفصائل الفلسطينية تتغذى من الخارج بدل الداخل الفلسطيني في القرار المقاوم. نحن نثق في الشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة ولسنا في موقع إملاء ما يجب أن يكون، لكن الكلمة الفصل لوحدة الصف الفلسطيني سياسيا ومقاومة، بإحياء أدوار منظمة التحرير الفلسطينية، وكذا بإعادة هيكلة بنياتها وتقوية أجهزتها، لأن مهمتها إسناد مقاومة الداخل بموقف سياسي وازن داخل المنتظم الدولي وفي العلاقة والتواصل مع عواصم العالم.. فالظرف حرج ويتطلب ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، ولا مجال للمزايدة برفع الألوان الخاصة لتلميع البعض على حساب البعض الآخر، فلا الرايات الخضراء ولا الصفراء ولا الحمراء تجيب على اللحظة.. وحدها راية فلسطين المعبر الأوحد على مطامح الشعب الفلسطيني.. والرسالة واضحة حين هب كل الفلسطينيين من كل أراضي 1948 و 1967، … لدعم المقدسيين وإسقاط غيتوهات الحدود الوهمية داخل مناطق وأحياء فلسطين.
  • حين صدر القرار الدولي للكولونيالية الجديدة بتدمير سوريا وتلغيم الشام بهدم كل معالم الحضارة والإنسان بالمنطقة، وجدت آلة الدمار الغربية حليفا موضوعيا في تنفيذ جريمة الخراب هاته، حيث انبرى فقهاء السوء المتصهينين وأذرعهم الدعوية بإصدار فتاوي النفير العام وتحريك الجماعات الجهادية والتكفيرية، والوِجهة واحدة، تدمير قلب الشرق الأوسط وعمقه الحضاري عمرانا وإنسانا، والجلي أن كل هاته الترسانة الدموية المشحونة دينيا وعتادا ودولارا، عاثت فسادا وتدميرا بحماية ومظلة غربية.. لكن الغريب أنها رغم شعاراتها التي استقطبت بها جموع المريدين والانتحاريين حول القدس الشريف وتحرير الأقصى والإسراء والمعراج… فقد وصلت هاته الجماعات التكفيرية للحدود مع الكيان الصهيوني، لكنها لم تطلق رصاصة واحدة عليه، لكن رشاشاتهم ارتدت لقتل بني جلدتهم من المسيحيين واليزيديين والعلويين…، بل الأدهى والأمر أن جرحى هاته الجماعات المتأسلمة كانوا يعالجون في مستشفيات الكيان الصهيوني.. نفهم بجلاء الآن لماذا لن يكون هناك أي نفير عام لمجمعات الإفتاء للقرضاوي وإخوانه نصرة للمقدسيين وانتفاضة الفلسطينيين، بكل بساطة لأن المنبر المزيف لدار الإفتاء صنع في “إسرائيل”.
  • لن يستطيع أحد أن ينزع عن المغاربة طابع التنوع والتعدد والغنى الثقافي لمكونات النسيج المجتمعي، ونستحضر هنا المكون المغربي اليهودي، الذي نعتز بأصالته وتجذر علاقتنا التاريخية به، وذوبان فسيفسائه مع بقية ألواننا الثراتية… السؤال المطروح الآن، أمام هاته الانتهاكات الجسيمة للحركة العنصرية اليهودية بالكيان الصهيوني على الأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين، بعشرات القتلى يوميا، ماذا يفعل المغاربة اليهود بهذا اللوبي القوي الذي شكلوه في العالم ؟ ما موقفهم من مغاربة ايديهم مع قرار وزناد القتل والتطهير العرقي ب “إسرائيل” ؟ هل يمكن للمغاربة اليهود في العالم إمالة الكفة لتحقيق سلام عادل يضمن الحقوق الثابتة للفلسطينيين أمام هذا الصمت الرسمي ؟ ألا تستطيع أعلى سلطة في البلاد استعمال ورقة رئاسة لجنة القدس لفعل شيء إيجابي لوقف آلة الإجرام الصهيونية وفتح ثغرة لضمان حقوق الفلسطينيين ؟ ألا تحس الكراكيز الحكومية بذرة من الإحراج في تبريرها لهذا القتل الممنهج للأبرياء وأعينها فقط على تبادل منافع التطبيع ؟ هذا الصمت مريب ولا يمكن تفسيره إلا بالتواطئ العام لبني جلدتنا على الفلسطينيين العزل… خصوصا أن المغاربة مقدسيون ولنا بيوت وأوقاف وحارة بالقدس، فلا يمكن إلغاء هذ الارتباط الوجداني والتحرري للمغرب بفلسطين.
  • كان اختراق الأفكار العنصرية الصهيونية سهلا في جزء من التربة الأمازيغية المغربية، نظرا لارتكاز هذا التغلغل على نفس نظرية التطهير العرقي الذي يتبناه حاكموا “إسرائيل” اتجاه المكونين المسلم والمسيحي بفلسطين، وذلك باللعب على وثر إذكاء النعرات بين المكونين الأمازيغي والعربي بالمغرب، وهي نفس نظرية المؤامرة التفتيتية التي خلقت الفوضى بالشرق الأوسط وكانت مدخل مخطط الخراب والاقتتال العرقي والديني. علينا دعم المكون الأمازيغي الديمقراطي الأصيل وتجفيف كل منابع الغلو والعنصرية التي تنتعش الصهيونية في سراديبها.. لأن الفكر الأمازيغي الديمقراطي هو الأعم والأشمل والقادر على خلق اللحمة المغربية والتعايش بين كل ألوان النسيج المغربي، ولا يمكن أن يتخندق إلا مع عدالة الحقوق الفلسطينية، ومن المستحيل بأي شكل من الأشكال أن يكون سندا لآلة التقتيل والإبادة الصهيونية. فلا يمكن للديمقراطي أن يكون عنصريا.
  • إن الثقافة والفنون رافعة أساسية منذ زمن، في معادلة الصراع الفلسطيني – الصهيوني، من موسيقى وسينما ومسرح وأدب بكل أجناسه… لهذا فمن عوامل قوة القضية الفلسطينية إعادة الاعتبار للبعد الثقافي، لأن البندقية المقاومة والنضال السياسي لا بد لهما من رافعة ثقافية للتواصل مع بقية شعوب العالم لإبراز الخصوصيات الحضارية للفلسطينيين في بعدها الإنساني التحرري، وأيضا لدحض الأطروحات العنصرية الصهيونية ثقافيا. إن حضور المطران عطا الله حنا في الإعلام الدولي كوجه مسيحي مشرق على التعايش والتسامح الفلسطيني في مواجهة التطهير العرقي الصهيوني يمكن أن يكون مفعوله الإشعاعي بليغا دفاعا عن فلسطين، كما أن رسائل الفكر والثقافة والثرات الغنائي الفلسطيني يمكن أن تؤدي أدوارا حاسمة في التعريف بعدالة القضية الفلسطينية، خصوصا وأن الصورة أصبحت حاملا رئيسيا للخطاب مع سرعة انتشارها والتقاطها الواسع إلكترونيا.

ختاما، لا بد من التذكير أن من المقولات المُؤَسِّسة لبناء “الدولة” الصهيونية، إبان نكبة 1948، ما رَوَّجَ له أحد قادة الاحتلال – دافيد بن غوريون -، حين صرح مدعيا أن الزمن كفيل بأن يُنْسِيَ الأجيال الصاعدة، فلسطينية و غيرها، مجازر الماضي، حين قال : “الكبار يموتون ، والصغار ينسون”. إن تجدد آلة البطش الصهيونية تجعل ذاكرة الفلسطينيين دائما متقدة، فلا يخلو أي بيت فلسطيني من شهيد أو معتقل أو مجروح على مدار الأيام، فكلما استكانت الحركة الصهيونية لطمس معالم نضال القضية الفلسطينية إلا وتجددت حيويته، بنفس جرائم تحريك آلة قتل الأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين.. وكم كان المنظر المتجدد لأطفال فلسطين وهم يحملون مفاتيح بيوتهم المحتلة من طرف الصهاينة مثيرا للإعجاب، وكذا عدم نسيان أسماء قُراهم المنهوبة.. فعلا الأطفال لم ولن ينسوا عدالة قضية الشعب الفلسطيني. ومهامنا الأساسية تشبيك الدعم المحلي والإقليمي والدولي حول عدالة القضية الفلسطينية.