أحمد رباص

بين تنظيم جمعية ” مالي” (التي تعني بالفرنسية الحركة البديلة من أجل الحريات الفردية) لأول إفطار علني في شهر الصيام بشارع الحسن الثاني بالقرب من محطة المحمدية للقطارات وبين الحملة الفيسبوكية التي أطلقها مؤخرا مجموعة من المثليين المغاربة تحت شعار “الحب ليس جريمة” وذلك بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة رهاب المثلية الذي يصادف 17 ماي من كل سنة، (خلال هذه المدة الزمنية) تعزز النقاش العام بالمغرب برافد جديد تجسد في إشكالية الحريات الفردية التي أثارت جدلا حادا في الداخل ذا طابع سياسي بالدرجة الأولى، وفكري أو ثقافي بالدرجة الثانية. وغني عن البيان أن وسائل الإعلام الوطني قد واكبت هذا الجدل الذي ينبعث ويتجدد كل عام تزامنا مع بعض الأيام الدولية التي لها ارتباط بالحريات الفردية.

وكنماذج عن هذه المتابعات الإعلامية، أسوق حلقة من برنامج “مواطن اليوم” التي خصصتها ميدي 1 تيفي لإشكالية الحريات الفردية بالمغرب وتم بثها مساء يوم الخميس 15 دجنبر 2011 . شارك في تنشيط هذه الحلقة كل من سناء العاجي كاتبة وصحافية، بلال التليدي عضو المجلس الوطني لحزب البيجيدي، احمد عصيد عن المرصد الأمازبغي للحقوق والحريات، سمير بودينار رئيس مركز الدراسات الإنسانبة والاجتماعية بمدينة وجدة.

يفهم من خلال الكلمة القصيرة التي قدمت بها القناة برنامجها أن معركة الحريات الفردية ببلادنا ليست طارئة على مجتمعنا، كما يستشف منه رغبة القيمين على البرنامج في استطلاع نوايا حزب التليدي في هذا الشان مباشرة بعد صعوده إلى الحكومة على إثر فوزه بالمرتبة الأولى في اقتراع 25 نونبر 2011. ما يؤكد هذا الاستنتاج هو ورود أسئلة من قبيل: كيف سيتعاطى الحزب مع هذا النوع من القضايا؟ هللمخاوف من بوصفون بالحداثة مبررة؟ وإلى أي مدى يمكن للإسلاميين والحداثيين التعايش فيما يخص كونية حقوق الإنسان؟

في قطاع الصحافة الورقية، نجد أن جريدة يومية مستقلة قد أفردت للإشكالية موضوع هذه الورقة ملفا ضمن مواد عددها ال2384 الصادر يوم 16/05/2014. اختارت الجريدة لملفها عنوان ” الحريات الفردية في المغرب …السؤال الشائك؟” واستشارت ثلة من الأساتذة المهتمين بموضوع الحريات الفردية وهم عبد الإله بنعبد السلام نائب رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومحمد الحاج مسعود أستاذ بكلية الحقوق في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، فضلا عن سمير بودينار بصفته تلك المشار إليها سابقا.

أما في قطاع الصحافة الرقمية، فهناك ربوتوار حافل بالمقالات التي من خلالها أدلى أصحابها بدلوهم في هذا النقاش العام المثير للجدل. تجدر الإشارة بهذا الصدد إلى المقال الذي كتبه عبد الله أحواش حول مسألة الحريات الفردية ونشره في موقع إخباري يوم 10/08/2012 .

تلك، إذن، نماذج من الوثائق التي يمكن يمكن قراءة مضامينها خدمة للهدف المراد تحقيقه؛ ألا وهو حصر الإشكالية المقتربة في إطار جدلية التقليد والحداثة. بالطبع، سوف أضرب صفحا عن حلقة برنامج ” مواطن اليوم ” لضرورة يقتضيها الاشتغال على متن متجانس ينتمي إلى الصحافة المكتوبة بنوعيها. هكذا، سأحاول تلخيص آراء الأساتذة المشاركين في ملف الصحيفة الورقية المومئ إليها معتمدا، على نفس الترتيب الذي جاء عليه ذكرهم أعلاه.

استهل الأستاذ بنعبد السلام تصريحه بالتذكير بان المغرب موقع على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يضمن الحريات العامة والفردية، ليستنتج أن بلادنا مطالبة بأن تلتزم بالاتفاقيات التي وقعت عليها. وأوضح أن المغرب يقدم تقارير بشأن الحريات العامة والفردية مشيرا في ذات السياق إلى أن هذه الأخيرة لا تختزل في قضية المثلية الجنسية، بل تشمل عددا من الحريات المرتبطة بحقوق الإنسان التي يتوجب تفادي النظر إليها بطريقة انتقائية. وبخصوص المقتضيات الدستورية، نبه نائب رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى أن الدستور الأخير يلتف على مسألة الحقوق من خلال اللجوء إلى ازدواجية مطبوعة بالتناقض بين الاعتراف بحقوق الإنسان كما هي منصوص عليها في المواثبق الدولية وبين كون قبولها مشروطا بألا تتعارض مع الدستور والثوابت. في نهاية تصريحه، أشار بنعبد السلام إلى تحول الجدل حول الحريات الفردية إلى مبارزة مفتوحة بين من ينعتون بالحداثيين ومن يوصفون بالمحافظين.

من جهته، أشار الأستاذ محمد بنمسعود في بداية تدخله إلى تنوع وتعدد الحريات الفردية حيث أبرز أن النظر إليها يختلف من تيار إلى آخر. هناك – حسب الأستاذ الباحث – ثلاثة تيارات بهذا الشأن وهي كما يلي:
1– تيار علماني تقدمي يؤمن بالحرية إلى أبعد الحدود، ولا يرى مانعا من السماح بإفطار رمضان جهارا والسماح للمثليين بممارسة حقوقهم؛
2– تيار ليبرالي يؤمن بالحريات الفردية نظريا ، ولكن لا يناضل من من أجل السماح بممارستها احتراما – في نظره لتقاليد المجتمع وقيمه؛
3- تيار ديني لا يقبل أبدا بممارسة الحريات الفردية من قبيل الإفطار في رمضان؛

بعد ذلك، كشف الأستاذ الجامعي عن انتمائه للتيار الليبرالي وأبان عن موقفه الرافض للمثلية الجنسية بوصفها ضد الطبيعة وعن استعداده لمنع ابنته وزوجته من ممارسة الجنس على هامش مؤسسة الزواج. واعتبر المتحدث أن الحرية مفهوم نبيل تقتضي ممارستها نبذ الخيانة والتشبث بالأخلاق في إطار المسؤولية. وانطلاقا من قناعنته الشخصية دعا بنمسعود المسؤولين إلى ترك الناس يمارسون حريتهم الفردية لأن المجتمع – حسب رأيه – كفيل بردعهم وثنيهم عن ممارستهم تلك على غرار ما وقع في فترات سابقة.

لى ذلك، أضاف هذا الباحث أن المقاربة الحقوقية للملف تختلف عن الكيفية التي تتعامل بها الحكومة في هذا المضمار. من جهة، يرى الحقوقيون أن المغرب ما زال لم يصل بعد إلى مستوى تمتيع المواطنين بلحريات الفردية كما تكفلها المواثيق الدولية. ومن جهة ثانية، تقلص الحكومة من مجال الحريات المسموح بها وتبقي على هامش ضيق من الحريات امتثالا للقانون الجنائي المغربي الذي يحظر الإفطار جهرا في الشارع العام وممارسة الإجهاض وتغيير الدين الإسلامي وتبني مذهب مخالف للدين المالكي. وكانت آخر نقطة تضمنها حديث بنمسعود هي تلك المتعلقة بتقييم خطاب الحكومة في موضوع الحريات الفردية حيث أعلن أنه (الخطاب) يفتقد للوضوح نظرا لصدوره عن خلفية إيديولوجية رغم تصريحات سابقة لرئيس الحكومة السابق مفادها أنه لن يمس بحرية الناس عن طريق فرض الحجاب أو منع الخمور.

على خلاف التصريحين السابقين، جاءت مداخلة سمير بودينارعلى شكل حوار احتلت عتباته ومضامينه نصف الصفحة. انطلق الحوار من سؤال عما إذا كنا أمام صراع حقوقي بتوابل سياسية كلما أثيرت مسألة الحريات الفردية بالمغرب. في جوابه عن هذا السؤال، أثار الأستاذ بودينار إحدى مشكلات النقاش العام في بلادنا وهي أن الإشكاليات المطروحة للتداول في شأنها لا تخضع لترتيب وفق الأولويات وبناء على معطيات المؤشر القيمي أو اتجهات الرأي العام أو متطلبات الحاجة الواقعية والخصاص التشريعي. في هذا السياق، يحمل بودينار مسؤولية هذا الخلل لبعض وسائل الإعلام التي تقوم بدور المفتي في قضايا الشان العام عوض الاكتفاء بالإخبار والمتابعة والتساؤل والتوضيحز

وعن سؤال حول خلفيات خلق هذا النقاش والجهة التي تستفيد من إثارته أجاب رئيس مركز الدراسات والبحوث قائلا إن الباعث على فتح ملف الحريات الفردية هو اتساع النموذج الليبرالي الذي يجعل من الحرية القيمة العليا للإنسان والذي يسعى لإعادة بناء المجتمعات على أساس هذه المكانة. ولتحقيق هذا المطلب – يقول المتحدث – أقام ذلك النموذج حدودا صارمة بين المجال الخاص الذي يختزل فيه القيم الأساسية للإنسان وبين المجال العام الذي يختص بالقيم الإجرائية أو الثانوية.

جوابا عن سؤال حول كيفية تقييمه لتعامل الحكومة النصف ملتحية مع مطلب الحريات الفردية، عبر بودينار عن رأيه قائلا إن التفاعلات المرتبطة بموضوع الحريات تتم في مجال أعمق من المجال السياسي ويعني به المجتمع بنسيجه ومكوناته وقيمه ومؤسساته. من هنا يخلص المتحدث إلى أن الحكومة عاجزة عن فرض اختياراتها في مجال الحريات خارج سياق التغير المجتمعي مستشهدا بالانشقاقات المجتمعية التي أحدثها مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية في متم التسعينيات.

وفي جوابه عن سؤال حول مجالات الحرية الفردية، قال الأستاذ الرئيس: ” ترتبط الحريات الفردية بالإنسان الفرد وعيشه آمنا على نفسه وممتلكاته وحرياته وحقوقه الشخصية وكرامته وحرمة مسكنه ومجاله الخاص، في مقابل الحريات العامة التي ترتبط بالإنسان في مستواه السياسي والاجتماعي داخل المجال العام …”

لننتقل الآن إلى الصحافة الإلكترونية التي واكبت هي الأخرى هذا النقاش المثار حول الإشكالية الأم؛ ألا وهي إشكالية الحريات الفردية التي كانت موضوع مقال عبد الله أحواش المنشور بالجريدة الرقمية السالفة الذكر كما أشير إليه في مستهل هذه الورقة. وقبل الشروع في تلخيص مقال هذا الأستاذ الشاب، يجدر بي أن أسجل ملاحظة لا يخطئها حدس القارئ اللبيب وهي ان مقاربته لهذه الإشكالية أخذت طابع أطروحة ثورية راديكالية. كيف حدث ذلك؟ لنتابع!

منذ الفقرة الأولى من مقاله، يؤكد الكاتب على أن النقاش حول الحريات الفردية التي تشهده الساحة الإعلامية الوطنية وما ترتب عنه من ردود أفعال متباينة بين مؤيد ورافض يؤشر على وجود تيار مجتمعي شبابي يتبنى ثقافة مضادة جوهرها التمرد على الوضع القائم ورفض النظم الحاكمة المتحكمة في الحريات والقامعة لحقوق الأفراد. وفي الفقرة الثانية، يذكر عبد الله أحواش قارئه بالحركات الشبابية المتمردة في الغرب خلال النصف الثاني من القرن الماضي والتي بلغت أوجها في ما عرف بثورة الطلاب بفرنسا سنة 1968 محيلا بهذا الصدد على كتاب تيودور روزاك الصادر بعد مرور عام واحد على تلك الأحداث ليستنتج أن هذه الحركات راهنت على النضال ضد العقلية التكنولوجية التي تروم التحكم في الإنسان وتنميط الحياة وضد المجتمع التكنولوجي السادر في حياة البذخ والحروب الامبريالية وما أدى إليه ذلك من تفاقم مشاعر القلق والشك والحيرة والألم النفسي في أوساط الشباب. في هذا الإطار، يعزو الكاتب تمكن هذا الجيل من التعبير عن مخاوفه من خضوعه لهيمنة التكنولوجيا وآلاتها والإيديولوجيا وأقانيمها إلى وعيه المتأثر بأفكار الفلاسفة المتمردين ومواقف التيارات المناهضة للاستعمار والميز العنصري والمدافعة عن الحقوق المدنية وحقوق المرأة وبانتصار حركات التحرر العالمية.

في فقرة موالية، يشير أحواش إلى ان هذه الثقافة المتمردة لم تكن خاصة بالغرب وحده بل نجدها حاضرة في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط في سياق ما بعد الاستعمار وفي إطار مناهضة الهيمنة الثقافية الغربية. إلا أن هذه الدينامية الثقافية – يقول الكاتب – لم تؤت أكلها بالرغم من مواصفاتها التقدمية البارزة من خلال المطالبة بالتحرر الحقيقي لشعوبها ومقاومة الهيمنة الغربية والتنديد بالاستبداد السياسي لأنظمة ما بعد الاستقلال. إن السبب الذي حال دون ذهاب تلك الحركة الثقافية بعيدا يتشخص في كونها، من وجه آخر، دعوة إلى التشبث بالهوية عبر إحياء تراث الماضي وقيمه ورفض المتاح للبشرية في المجال الفكري والعلمي.

كنتيجة لهذا التوجه الماضوي، ترتب وضع اجتماعي اتسم بالانغلاق والجمود ومما زاد الوضع سوءا تغول الاستبداد السياسي وتفشي ظاهرة التعصب الديني لدى الحركات الأصولية التي جعلت من نفسها وصية على المجتمع ورقيبة على ضمائر الأفراد. ضد هذا الواقع العنيد المشوب بالتسلط والقمع والتخلف والجهل والحرمان، انتفض قطاع مهم من الأجيال المتعلمة الجديدة المتعلمة والمتأثرة بفلسفة حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية والمنفتحة على العالم بفضل تكنولوجيا الاتصال.
وهكذا – يواصل عبد الله أحواش- أصبح مفهوم الحريات الفردية والدفاع عنها يشكلان جوهر هذه الثقافة الجديدة وغدت، بالتالي، كل سلطة تتغيى فرض الوصاية على ضمائر واختيارات الأفراد وحريتهم عرضة للاستهجان والرفض.

بعد هذا العرض النظري الممهد لإشكالية الحقوق الفردية، يتقدم الكاتب بمجموعة من التوجيهات العملية التي جاءت أولاها في صيغة ناهية كما يلي: ” لا يجب اعتبار صرخة الشباب المنادي بالحريات الفردية تهديدا للاستقرار الاجتماعي أو استفزازا للمشاعر الدينية للأغلبية الصامتة المقهورة.” ثانية تلك التوجيهات جاءت على شكل تقييم للتوجهات الشبابية ذات الصلة بالحريات الفردية حيث وصفها الكاتب بأنها ” قوة تحررية هدفها الدفع نحو التغيير للخروج من واقع التسلط الذي حرم الأفراد من حقوقهم المدنية المشروعة.” أما ثالثة التوجيهات العملية التي اختار الشاب أحواش أن ينهي بها مقاله فقد عبر عنها كالتالي:”…من السخافة أن يتم ازدراء قوة تحررية كهذه واتهام دعاتها بالعمالة للغرب ونعتهم بالمتآمرين على قيم وثوابت الإسلام، وكأن دين الإسلام ضعيف إلى هذه الدرجةحتى نخشى عليه من فكرة الحرية، وهو الذي استطاع أن يتفتح على فلسفة الإغريق الإلحادية وديانات الشرق الوثنية لينجز حضارة عملاقة في الأندلس وينجب فلاسفة ومفكرين كابن رشد الذي يعتبر أبرز من تأثر به فلاسفة الغرب.” أما رابعة تلك التوجيهات فتدعو إلى الإفلات من قبضة الأوهام في معمعان النضال من أجل فرض احترام الحريات الفردية؛ ذلك أن تحقيق التقدم في هذا المجال رهين بتجويد درجة وعي المجتمع و\تحقيق انفتاحه على الثقافة العلمية إذ ” لا يصح الانتظار من مجتمعات منغلقة بسبب الأمية والفقر والاستبداد والتعصب الديني، كما هو الشأن في المغرب، أن تستسيغ أي دعوة لتحرير الفرد.”